اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الضحك المأسوي‮ ‬في‮ ‬دراما العبث

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يظهر الجمع بين الملهوي‮ ‬والمأسوي‮ ‬بشكل أساسي‮ ‬داخل دراما العبث من خلال وسائل الكوميديا التي‮ ‬تحمل في‮ ‬أعماقها دلالة مأساوية‮ ‬– ليس بالمعني‮ ‬الاصطلاحي‮- ‬أو طابعًا جادًا في‮ ‬تفسير العالم‮  " ‬المسرحية التي‮ ‬تدفع المتفرج قدما بإثارة العقل أو القلب ثم تشتته وتحيره بحيث‮ ‬يضطر مرة تلو الأخري‮ ‬أن‮ ‬يعيد النظر في‮ ‬فاعليته الخاصة في‮ ‬مشاهدته للمسرحية،‮ ‬وفي‮ ‬التشنجات الخنوعة المذلة،‮ ‬تضاعف المسرحية طاقتها وتكتسب صورة المسرحية وجها جديدا‮ (...)‬،‮ ‬وهذا التوتر توتر من السخرية المسرحية‮" ‬ففي‮ ‬انتظار جودو لصمويل بيكيت في‮ ‬نهاية الفصلين‮. ‬أحدهما‮ ‬يسأل‮ "‬حسناً‮.. ‬فلنذهب‮" ‬فيرد الآخر‮ "‬نعم‮.. ‬هيا بنا نذهب‮"‬،‮ ‬يقال ذلك بينما‮ ‬يطلعنا النص‮ ‬غير الكلامي‮ ‬بما‮ ‬يحاصرهما‮ "‬لا‮ ‬يتحركان‮". ‬إن تأثير ذلك‮ ‬يبدو كوميدياً‮ ‬ومثيراً‮ ‬للتفكير في‮ ‬نفس الوقت‮. ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يرفض الجسد أن‮ ‬يعضد الصوت،‮ ‬قد نضحك في‮ ‬المرة الأولي‮ ‬التي‮ ‬يحدث فيها ذلك‮. ‬أما في‮ ‬المرة الثانية فإن أشياء كثيرة‮ ‬غير ذلك قد تحدث‮. ‬فبعد الوقت الطويل الذي‮ ‬يقضي‮ ‬في‮ ‬انتظار‮.. ‬إما أن‮ ‬يأتي‮ ‬جودو،‮ ‬إما أن‮ ‬يرحل أي‮ ‬منهما أو هما معاً،‮ ‬فإننا قد ندمن ركودهما المميت،‮ ‬قد نصدم،‮ ‬قد‮ ‬يصدمنا اليأس الممض‮ . ‬فالعبث من خلال تلك الأساليب الكوميدية والتي‮ ‬لا تقف عند التلقي‮ ‬المثير للضحك فقط كتلك التي‮ ‬ظهرت عند بيكيت‮ "‬تهدف إلي‮ ‬إخراج الجمهور من حالة الرضا عن النفس ليقف وجها لوجه أمام الحقائق القاسية الخاصة بالوضع الإنساني‮ ‬كما‮ ‬يراها هؤلاء الكتاب‮ ". ‬إن ذلك الإحساس القاسي‮ ‬يتضخم تدريجيا إلي‮ ‬أن تكتمل البنية الدائرية والتي‮ ‬تضع الإنسان في‮ ‬حلقة مفرغة‮ ‬،‮ ‬ويونسكو أيضا‮ ‬يؤكد علي‮ ‬هذا الجمع الجروتسكي‮ " ‬فنجده‮ ‬يدهش عند سماعه لصوت ضحكات الجمهور في‮ ‬المغنية الصلعاء‮: ‬أثناء كتابة المسرحية اضطر للتوقف إذ أصابه دوران وغثيان كانت المسرحية بالنسبة له تراجيديا اللغة بسبب انهيار الواقع المأساوي‮ ‬،‮ ‬فالمسرحية تسبب بعض القلق والانزعاج‮ ‬،‮ ‬أما الضحك فهو‮ ‬يتفجر في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬تتعطل فيها آليات اللغة وتقدم صورا مشوهة‮"‬،‮ ‬ولعل سبب بروز ذلك الطابع الجروتسكي‮ ‬في‮ ‬العبث من خلال الجمع بين مستويين للتلقي‮ ‬،‮ ‬نابع من إصرار العبث في‮ ‬أغلب الأعمال في‮ ‬استخدام أساليب الكوميديا من خلال الخط الرأسي‮ ‬وليس الخط الأفقي‮ ‬،‮ ‬فالكوميديا هنا تتجاوز الجانب الاجتماعي‮ ‬لتطرح العلاقة بين الإنسان والوجود‮ ‬،‮ ‬والسؤال المستمر حول ماهيته بعد أن فقد اليقين بشكل قاطع في‮ ‬تحديدها‮ ‬،‮ ‬فالجانب الوجودي‮ ‬في‮ ‬مسرح العبث أمر لا‮ ‬يمكن أن نغفله‮ ‬،‮ ‬إن كراب في‮ ‬شريط كراب الأخير‮ ‬يعاني‮ ‬في‮ ‬جوهره من أزمة وجودية قاتلة‮ ‬،‮ ‬فالذكريات تمحي‮ ‬تدريجيا من العقل وهذا ما‮ ‬يفقده تميزه الإنساني،‮ ‬وبيكيت‮ ‬غالبا ما‮ ‬يشير في‮ ‬كل أعماله إلي‮ ‬الميتافيزيقا ونهاية العالم‮ (‬جودو‮ ‬– لعبة النهاية‮- ‬كراب الأخير‮)‬،‮ ‬لهذا تصبح الكوميديا هنا مجرد قناع تختبئ وراءه كل معاني‮ ‬الجدية بسبب تلك السخرية اللاذعة من الوضع الإنساني‮ ‬،‮ ‬وهذا ما‮ ‬ينتج عنه شعور عميق بالاغتراب وبالزمن الضائع والقاسي‮ . ‬وعلي‮ ‬هذا الأساس،‮ ‬تتحدد ماهية العبث في‮ ‬شعور الإنسان الذي‮ ‬ينحو في‮ ‬اتجاه التأزم والقلق والاكتئاب واليأس،‮ ‬ورفض الواقع بكل مقوماته ونظمه ولعل،‮ ‬ذلك الجانب الوجودي‮ ‬والمثير للانفعالات والعمليات العقلية نجده بشكل واضح في‮ ‬الجروتسك الإيطالي‮ ‬،‮ ‬فبيراندللو‮ ‬يقدم الأزمة الوجودية للشخصيات الست بشكل ساخر‮.‬
وأحيانا أخري‮ ‬تكتسب آليات الكوميديا عمقها الانفعالي‮ ‬الجاد من خلال الصورة الشعرية والتي‮ ‬تتطلب التلقي‮ ‬الوجداني‮ ‬والتي‮ ‬من خلالها‮ ‬يصبح المتلقي‮ ‬قادر ولو من بعيد أن‮ ‬يشعر ماذا‮ ‬يمكن أن تحيل تلك الصورة بعد تفكيكها عقليا‮ ‬،‮ ‬فعلي‮ ‬سبيل المثال‮ " ‬إن أحسن فهم للجثة النامية‮ (‬المتضخمة‮ ) ‬في‮ ‬مسرحية أميدية هو الفهم الذي‮ ‬يأخذها كصورة شعرية‮ (...) ‬حينها‮ ‬يستطيع المرء أن‮ ‬يقول إن الجثة تثير في‮ ‬النفس القوة المتزايدة لأخطاء سابقة أو لجرم ماض وربما ذبول الحب أو موت الود‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬أنها علي‮ ‬أي‮ ‬حال رمز لشر ما‮ ‬يتقيح ويزداد‮" ‬فالصورة الشعرية عامل أساسي‮ ‬داخل مسرح العبث‮ ‬،‮ ‬فأي‮ ‬حركة درامية نراها رغم السكون والثبات الظاهري‮ " ‬ما هي‮ ‬إلا تفتيح للصورة الشعرية‮ ".‬
وإلي‮ ‬جانب كل ما سبق تظهر تيمة بالغة الأهمية عند‮ ‬يوجين‮ ‬يونسكو تدعم تلك التقنية المرتبطة بازدواجية التلقي‮ ‬وتجعلها تصل إلي‮ ‬أقصي‮ ‬مدي‮ ‬لها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تيمة الموت‮ "‬حيث إنها متكررة باستمرار في‮ ‬مسرحه‮ : ‬فالقتل‮ ‬يختم مسرحية الدرس وأحلام شوبير‮ ‬،‮ ‬والجثة في‮ ‬مسرحية إميدية‮ ‬،‮ ‬والقتل المتكرر في‮ ‬القاتل بلا أجر‮ ‬،‮ ‬والكلمة الأخيرة التي‮ ‬يقولها بيرانجيه في‮ ‬الماشي‮ ‬في‮ ‬الهواء‮ " ‬أريد أن أشفي‮ ‬من الموت‮ " ‬،‮ ‬والملك‮ ‬يموت والتي‮ ‬يشكل الموت فيها فكرة المسرحية كلها بشموليته‮ (...) ‬فيقول عنها جان جاك‮ ‬غوتييه بمناسبة عرضها‮ : ‬إني‮ ‬أعلن وأكرر إنها مسرحية إنسانية‮ ‬غنية جيدة البناء والتأليف تمتاز بشاعرية كبيرة‮..‬إنها مسرحية موجعة ومضحكة‮ ..‬إنها مأساة وملهاة في‮ ‬ذات الوقت‮" ‬

 

خالد رسلان

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here