اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

أوجين أونيل ومسرحيات البحر السبع

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الحديث عن الأدب الأمريكي‮ ‬الحديث‮ ‬يطول بنا‮.. ‬ومنه مسرحيات‮ »‬أوجين أونيل‮« ‬الكاتب المسرحي‮ ‬الأمريكي‮ ‬وخاصة الـ"seven plats”‮ ‬أو مسرحيات البحر السبع التي‮ ‬تستحق التأمل والوقوف كثيرًا‮.‬
‮< ‬والعجيب أو بمعني‮ ‬أدق الطريف في‮ ‬هذه المسرحيات أن أحداثها تتم إما في‮ ‬عرض البحر أو بجوار شاطئ البحر‮.. ‬أو بحثا عن مرفأ‮ ‬يلجأ إليه الإنسان‮.. ‬مرفأ أمان‮ ‬يبحث عنه‮.. ‬وهو في‮ ‬حضن ذلك المارد الجبار الذي‮ ‬تتوه في‮ ‬وسط مياهه السفن عابرة القارات‮.‬
‮< ‬البحر بمياهه‮.. ‬بأمواجه‮.. ‬بسفنه‮.. ‬بملاحيه‮.. ‬بأسراره‮.. ‬بكل الغموض الذي‮ ‬يحتويه‮.‬
‮< ‬و»أوجين أونيل‮« ‬الذي‮ ‬عشق البحر وعاش بالقرب منه ترجم العشق والقرب إلي‮ ‬مسرحيات نابضة بالحياة تتحدث إلينا بلغة عالمية رائعة والطريف أو العجيب في‮ ‬هذه المسرحيات وهي‮ ‬مسرحيات من فصل واحد أن معظم أبطالها تقريبًا‮ ‬يموتون‮.. ‬ونتيجة القتل تسمع طلقات رصاص تدوي‮ ‬كثيرا‮.. ‬وتسمع أنات بحار‮ ‬يحتضر‮.. ‬إلخ‮.‬
‮< ‬لكن القتل بالجملة في‮ ‬هذه المسرحيات لا‮ ‬يجعلك تنظر أو تشعر بضيق ولا‮ ‬يمكن حتي‮ ‬أن‮ ‬يشعرك أنك أمام عمل‮ ‬يشبه أفلام رعاة البقر أو عصابات شيكاغو أو الهنود الحمر‮..‬
إنك تجد نفسك أمام مسرحيات إنسانية عالمية بلا جدال‮.. ‬القتل ليس هدفا في‮ ‬ذاته‮.. ‬وإنما هو وسيلة إلي‮ ‬هدف أبعد والموت كذلك‮..‬
‮»‬أوجين أونيل‮« ‬يعطينا من خلال مسرحيات البحر الإنسان بحجمه الصغير‮.. ‬بذكائه‮.. ‬بلحمه وشحمه بإنسانيته أولاً‮ ‬وأخيرًا‮.. ‬بحياته‮.. ‬وبكل مشاعره من شك وريبة وكراهية‮.. ‬إلي‮ ‬أنبل المشاعر‮.. ‬أعني‮ ‬الحب النبيل السامي‮ ‬الصادق‮.. ‬الإنسان بكل ذلك‮.. ‬أمام البحر‮.. ‬البحر بما‮ ‬يحتوي‮ ‬من أسرار خفية‮.. ‬عميقة‮.. ‬عظيمة‮.‬
وقد اهتزت مشاعري‮ ‬كثيرا وأنا أتابع قراءة مجموعة المسرحيات السبع عن البحر ولا‮ ‬يمكن أن أنسي‮ ‬ما حييت مسرحية‮ »‬الحقيبة السوداء‮« ‬وهي‮ ‬إحدي‮ ‬مسرحيات المجموعة‮.‬
ومسرحية‮ »‬شرقا نحو كارديف‮« ‬وهي‮ ‬مسرحية أخري‮ ‬من نفس المجموعة كذلك مسرحية ثالثة تسمي‮ ‬"The Rope”‮ ‬أو‮ »‬الحبل‮« ‬وربما كانت مسرحية‮ »‬الحبل‮« ‬بما فيها من موت لأبطالها عن طريق الخنق مع تبديد المال بمعرفة طفل صغير أخذ‮ ‬يلقي‮ ‬به في‮ ‬البحر‮ ‬يذكرنا في‮ ‬الحقيقة‮ »‬بالبخيل‮« ‬لموليير و»تيمون الأثيني‮« ‬لوليم شكسبير‮.. ‬وكل المسرحيات التي‮ ‬تعالج استعباد المال للإنسان وتبدد هذا المال في‮ ‬النهاية‮.‬
ولنا الآن وقفة مع مسرحيتي‮ »‬شرقا نحو كارديف‮« ‬و»الحقيبة السوداء‮« ‬لأنهما بيتا القصيد‮.. ‬واعتقد أن فيهما الكثير والكثير الذي‮ ‬يستحق الوقوف عنده‮.‬
وبدون شك فإن الكاتب المسرحي‮ ‬الكبير‮ »‬أوجين أونيل‮« ‬قد بذل مجهودًا فنيا وأدبيا ومسرحيا كبيرا في‮ ‬هاتين المسرحيتين ووصل إلي‮ ‬ما‮ ‬يريد أن‮ ‬يصل إليه‮.‬
وبلا جدال أنه كاتب مسرحي‮ ‬يستحق منا كل تقدير‮.‬
الحقيبة السوداء
في‮ ‬الحقيبة السوداء وهي‮ ‬مسرحية من فصل واحد نجد الأحداث تدور في‮ ‬عرض البحر‮.. ‬حيث‮ ‬غواصة تتابع تحركات إحدي‮ ‬قطع الأعداء‮.‬
بطل المسرحية جندي‮ ‬شاب ضمن طاقم الغواصة‮.. ‬تصرفاته وحركاته التي‮ ‬تصدر عنه تثير شك جميع زملائه الموجودين معًا في‮ ‬الغواصة حتي‮ ‬كادوا‮ ‬يشكون في‮ ‬سلوكه بل وصل الظن بهم أنه‮ ‬يرسل إشارات إلي‮ ‬سفن الأعداء،‮ ‬ووضعوه تحت ملاحظاتهم‮.. ‬تتبعوا سلوكه وخطواته‮.. ‬رأوه‮ ‬يذهب إلي‮ ‬مكان نومه ويبحث عن شيء ثم‮ ‬يطويه بحرص ويخفيه‮.. ‬لابد أنه جاسوس عميل لحساب الأعداء‮.. ‬أنه خطير‮.. ‬مظهره الطيب‮ ‬يخدع الجميع ولابد من إجراء عمل حاسم للإيقاع به في‮ ‬الوقت المناسب‮.. ‬حاولوا أن‮ ‬يعطوه أمانًا أكثر حتي‮ ‬لا‮ ‬يشعر أنهم‮ ‬يرتابون فيه أو أنه موضوع تحت ملاحظاتهم وانتظروا حتي‮ ‬يقبضوا عليه في‮ ‬الوقت المناسب ومعه آثار جريمته كاملة‮.. ‬في‮ ‬المساء وقت راحتهم‮.. ‬أثناء النوم تحرك من مكانه‮.. ‬حانت اللحظة المناسبة إذن للقبض عليه‮.. ‬متلبسًا بجريمة الخيانة العظمي‮ ‬لبلاده‮.. ‬ياله من جاسوس‮.. ‬إلخ‮.‬
تحرك وراءه الزملاء الذين كانوا قد تظاهروا بالنوم اقتربوا منه وجدوه ممسكًا بحقيبة سوداء حاول أن‮ ‬يخفيها عنهم عندما شعر بهم‮.. ‬لكنهم كانوا أسرع وأمسكوا به بقوة وانتزعوا منه الحقيبة السوداء وصرخ فيهم وهو‮ ‬ينتحب متوسلاً‮ ‬أن‮ ‬يدعو له الحقيبة فهي‮ ‬الشيء الوحيد الباقي‮ ‬له‮.. ‬لكنهم لم‮ ‬يصغوا لكلامه‮.‬
إنها أداة الجريمة‮.. ‬لابد أن فيها جهاز إرسال‮ ‬يرسل عن طريقه إشارات للسفن المعادية وإلا لماذا اقتربت إحدي‮ ‬سفن الأعداء منهم كل هذا الاقتراب؟ وعروضوا الحقيبة علي‮ ‬القائد وهم في‮ ‬شوق إلي‮ ‬فتح الحقيبة وفي‮ ‬النهاية فتح القائد الحقيبة السوداء‮.‬
وكانت المفاجأة التي‮ ‬لم تكن تخطر علي‮ ‬بال أحد‮.. ‬ففي‮ ‬وسط البحر‮.. ‬وفي‮ ‬أعماق البحر‮.. ‬وفي‮ ‬ركن من أركان‮ ‬غواصة تناور من أجل الاختفاء عن سفن الأعداء‮.. ‬منتظرة اللحظة الحاسمة للنيل من هذه السفن‮.. ‬يوجة إنسان طيب حقًا‮.. ‬يعيش علي‮ ‬ذكري‮ ‬إنسانة كان‮ ‬يحبها بقي‮ ‬له من ذكراها خطاب‮ ‬غرامي‮ ‬و‮.... ‬وردة‮...‬
بقايا وردة‮...!!‬
هذا هو كل ما في‮ ‬الحقيبة السوداء‮.‬
خطاب‮ ‬غرامي‮.. ‬بقايا وردة‮.. ‬وبقايا ذكريات‮.. ‬تعصف بقلب إنسان مخلص‮.‬
وفي‮ ‬الحقيقة إن‮ »‬أوجين أونيل‮« ‬في‮ ‬هذه المسرحية القصيرة‮.. ‬الصغيرة‮.. ‬البسيطة‮.. ‬وصل إلي‮ ‬القمة‮.. ‬وكنت أتمني‮ ‬فقط لو سمي‮ ‬هذه المسرحية أسما آخر‮ ‬غير عنوانها هذا وليكن الاسم مثلا‮ »‬الحقيبة البيضاء‮« ‬لأنه في‮ ‬وسط الدماء‮.. ‬والسواد‮.. ‬والموت‮.. ‬والنفوس التي‮ ‬تصاب بالشك والقلق‮.. ‬نجد نفسًا إنسانية مازالت بخيرها‮.‬
‮< »‬أوليس الخير أكثر وإن كان الشر كثيرًا‮!!..«.‬
علي‮ ‬حد تعبير‮ »‬ابن سيناء‮« ‬الفيلسوف الإسلامي‮ ‬الكبير‮.‬
وفي‮ ‬النهاية‮ ‬ينتصر الخير‮.‬
وتبقي‮ ‬الذكريات‮.‬
والخطاب الغرامي‮.‬
وبقايا الورود
شرقا نحو كارديف
في‮ ‬المسرحية ذات الفصل الواحد‮ »‬شرقا نحو كارديف‮« ‬نعثر علي‮ ‬لون آخر من الحب‮.. ‬الحب بمعناه الواسع‮.. ‬العام‮.. ‬العميق‮.. ‬أو بمعني‮ ‬أدق حب الحياة‮.. ‬حب البقاء‮.. ‬ذلك الحب الذي‮ ‬ندرك قيمته وأهميته العظمي‮ ‬بالنسبة لنا نحن البشر‮.. ‬وبصفتنا كائنات حية عندما‮ ‬يصطدم حب الحياة بفكرة الموت أو بناقوس الموت‮.. ‬ودبيب الفناء‮.‬
والمسرحية بإيجاز شديد تعرض لحياة بحار‮ ‬يعشق البحر ويحبه لدرجة العبادة‮.. ‬ويتعرض للموت فوق ظهر السفينة وهو‮ ‬يصرخ من الألم الذي‮ ‬ألم به وبدأت علامات الموت تظهر عليه ويقاوم‮.. ‬ويقاوم‮.. ‬ويقاوم‮.. ‬بشدة محاولاً‮ ‬أن‮ ‬يتمسك بآخر خيط‮.. ‬ويشتد عليه الألم فيصرخ‮.. ‬ويتأوه‮.. ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يجلس بالقرب منه صديقه البحار الآخر‮.. ‬ويصرخ هو الآخر‮.. ‬من شدة الألم ولكن هنا الصديق‮ ‬يتألم لأن صديقه علي‮ ‬وشك الموت وهو لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يفعل شيئاً‮ ‬من أجله‮.‬
البحار‮ ‬يدخل مرحلة الموت والفناء والضياع‮.. ‬يصرخ متمسكًا بالحياة والصديق‮ ‬يصرخ متمسكاً‮ ‬بصديقه‮.. ‬متصورا ما سوف‮ ‬يفعله بعد الموت‮.. ‬سوف‮ ‬يلقي‮ ‬بجثة الصديق العزيز إلي‮ ‬البحر‮.. ‬حيث تتلقفها الأسماك البحرية المترقبة‮.‬
‮< ‬هل كل شيء في‮ ‬هذا الكون‮ ‬يأكل بعضه؟ والإنسان‮.. ‬الإنسان الحيوان العاقل الذي‮ ‬يعتقد أنه أرقي‮ ‬المخلوقات هو الآخر‮ ‬يخضع لناموس الطبيعة في‮ ‬النهاية‮.. ‬وصديقه بعد قليل‮ ‬يصبح طعامًا شهيًا لأسماك البحر من قرش وحيتان‮.‬
‮< ‬الألم والضياع هما اللغة التي‮ ‬ينطق بها الإنسان في‮ ‬كل زمان ومكان‮.. ‬وحب البقاء وحب الحياة‮.. ‬هما أيضا أسلحة‮ ‬يتسلح بها الإنسان ليواصل الحياة والتقدم والارتقاء‮.‬
‮< ‬ما أروع الرمز في‮ ‬مسرحية‮ »‬شرقا نحو كارديف‮« ‬وما أعمق المعني‮ ‬الإنساني‮ ‬الذي‮ ‬يهدف إليه‮ »‬أوجين أونيل‮«.. ‬البحر الواسع الجبار‮.. ‬السفينة الصغيرة المبحرة‮.. ‬الإنسان الذي‮ ‬يصارع الموت‮.. ‬والصديق الذي‮ ‬يحاول أن‮ ‬يجنب صديقه الموت‮.‬
‮< ‬لكن القدر أقوي‮ ‬وهو محتوم‮.. ‬وقصة منذ الأزل تتكرر وتحدث مع كل المخلوقات‮.. ‬فأين آدم‮..‬؟ أين حواء‮..‬؟ أين الملوك ورؤساء الحكومات‮..‬؟ أين الجبابرة‮: ‬جنكيز خان‮.. ‬الإسكندر المقدوني‮.. ‬يوليوس قيصر‮.. ‬هتلر‮.. ‬نابليون بونابرت‮..‬؟ بل أين دول بحالها‮.. ‬وشعوب بحالها كانت وأصبحت مجرد ذكريات وأسماء‮..‬؟
‮< ‬إن حب الحياة والبقاء‮.. ‬والصراع مع الموت‮ ‬يذكرني‮ ‬بلوركا الأديب الأسباني‮ ‬الكبير في‮ »‬بستان الكرز‮« ‬ويثير كل ما قرأته في‮ ‬الفلسفة القديمة والوسطي‮ ‬والحديثة‮.. ‬ويذكرني‮ ‬بجوته أديب ألمانيا الكبير‮.. ‬وآلام فارتر والدعوي‮ ‬للانتحار‮.. ‬ويذكرني‮ ‬بكتاب في‮ ‬الطب النفسي‮ ‬قرأته لطبيب نفساني‮ ‬أمريكي‮ ‬كتاب‮ ‬يسمي‮ »‬لا تقتل نفسك‮« ‬لبيتر شتاينكرون‮.‬
وتبقي‮ ‬انحناءة شكر وتقدير‮ »‬لأوجين أونيل‮« ‬ومسرحيات البحر السبع وللمعاني‮ ‬الإنسانية العميقة التي‮ ‬يعرضها لنا من خلال ما خطت‮ ‬يده‮.‬

‮ ‬فوزي‮ ‬وهبة

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here