اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الإبداع .. بين الحرية والالتزام

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

 ‬
فسبحان مبدع الأكوان‮ .. ‬بديع السموات والأرض‮  ‬الذي‮ ‬خلق الإنسان في‮ ‬أحسن صورة ترونها‮ .‬خلقه علي‮ ‬صورته‮  ‬فما أجمل وما أبدع‮ ..  ‬
لأن الحياة ثمرة إبداع إلهي‮  ‬من العدم ؛ فإبداع من عليها إعمال للهدف الإلهي‮ ‬من استخلافا لنا علي‮ ‬الأرض من أجل إعمار‮ . ‬وهل العمران سوي‮ ‬إبداع متواصل بتواصل الحياة الاجتماعية وتدفق عطائها؟‮! ‬
لا تصح الحياة إذن بدون الإبداع ؟ ولا‮ ‬يصح الإبداع بدون انفلات من قيود الواقع وفرامانات الأنظمة الحاكمة وتعقيداتها وأنوف القلة المندسة في‮ ‬عمل المبدعين ؛ بسيل ممن‮ ‬يمتهنون الفتوي‮ ‬من‮ ‬غير اختصاص ولا ضرورة ؛ بخاصة في‮ ‬عصور الانحطاط المتقنع بأقنعة أفهام صنائع التحزب أو التدين السياسي‮ ‬؛ برغم حاجة النفس البشرية إلي‮ ‬الترويح‮  ‬تلك الحاجة التي‮ ‬باشرها الحديث النبوي‮ ‬حيث قال‮ :  ( ‬روحوا عن القلوب ساعة‮) ‬فإذا بالبعض‮ ‬يسعي‮ ‬ليضيق سعة الله علي‮ ‬خلقه تدخلا فيما لا‮ ‬يفهم وفيما لا‮ ‬يعنيه ؛ رغبة في‮ ‬تقييد حرية الفكر والتعبير والإبداع دون أن‮ ‬يعرف‮ :  ‬
إن كل إبداع‮ ‬يصنع حريته ويصنع قيوده أيضاً‮ ‬ويصنع التزامه بنفسه‮ .‬
نعلم كما‮ ‬يعلم دعاة تحجيم الإبداع أو تحريمه أن ليس في‮ ‬الكون شيء بدون قيود إن لم تكن من صنع الشيء نفسه فهي‮ ‬من خارجه‮ . ‬وليس في‮ ‬الكون شئ بدون قيد سوي‮ ‬الفوضي‮ ‬؛‮  ‬أو هذا ما‮ ‬يبدو لنا ؛‮. ‬مع أن الحقيقة هي‮ ‬أن الفوضي‮ ‬مقيدة أيضاً‮ ‬بفوضي‮ ‬أخري‮ ‬مضادة لها ؛‮  ‬ذلك أن لا شئ في‮ ‬هذا الكون إلا ويحمل نقيضه بداخله حتي‮ ‬يتوازن الكون‮ .‬
ولأن الإبداع فعل بهيج باهر منفلت من عقال الواقع ومردود إليه ؛ لذا كان محل نظرة ارتياب من ذلك الواقع نفسه الذي‮ ‬انفلت منه خارجا عليه‮ . ‬ليس هذا فحسب ؛ بل هناك أنظمة سياسية لا تكتفي‮ ‬بمجرد الارتياب في‮ ‬كل ما‮ ‬يصدر عن الحركة الإبداعية أدبا كانت أم فنا بصرف النظر عن تنوع ألوانه وتبدل صوره سينمائية كانت أم مسرحية أم شعرا ورواية‮.  ‬وربما لم‮ ‬ينج من دائرة الريبة الرسمية أو التدينية من الفنون سوي‮ ‬فنون الموسيقي‮ ‬البحتة وفنون الرقص بمختلف أنواعها وفنون التشكيل تصويرا أو فنون تمثال ؛ لحسن حظ تلك الفنون الرفيعة أن حكامنا لا‮ ‬ينظرون إلي‮ ‬فنون التشكيل وفنون الموسيقي‮ ‬البحتة والرقص‮ - ‬حتي‮ ‬فن الباليه‮ - ‬نظرة اهتمام لأن مثل تلك الفنون الرفيعة‮  ‬تبهج رائيها أو سامعها ولا تبوح ببديع المسكوت عنه من جوهر معانيها الشعرية والشاعرية إلا لمتأمل مسكون برهافة الحس ؛ وأنَّا لحكامنا ما تطلبه تلك الفنون الرفيعة من شروط التلقي‮. !! ‬
ولكن من سوء حظ فنون الإبداع الكلامي‮ ‬أن‮  ‬ثلاثة أرباع محتواها الفكري‮ ‬مكشوفة العورة أمام أعين حكام النظم الشمولية وحملة مباخرهم الذين لا‮ ‬يلتفتون إلي‮ ‬العمل الإبداعي‮ ‬إلا من ناحية المعني‮ ‬؛ الذي‮ ‬يذهب إليه طيش فهمهم‮ - ‬إن تصادف وجوده فيه من الأصل‮ -  ‬يذهب فهمهم الشقي‮ ‬إلي‮ ‬تصنيف ما ظنوا أنهم فهموه إلي‮ ‬الحكم المشمول بالنفاذ إلي‮.  ‬حيثية هل هو‮ ( ‬معنا أو ضدنا‮) ‬وليس قياسًا‮ ‬يصلح لأدب أو لفن‮ . ‬فالعملية الإبداعية نسجية جمالية تتشكل من عناصر ومكونات مختلفة‮ ‬غالبا لا تجتمع إلا ببراعة‮  ‬هوية الفنان أو الأديب المبدع لتعبر وتمس شغاف وجدانه قبل أن تمس وجدان متلقيها فتمتع قبل أن تقنع ؛ وبذلك لا تسلم مفاتيح دلالتها لمقتحم خصوصيتها ليراها منزوعة الثوب‮  ! ‬مجرد فكرة تتطابق مع فكرة‮  ‬ما مقولبة في‮ ‬رأسه‮ ‬يقيس بها ما‮ ‬يتلقاه كقياس سرير‮  (‬بروكرست‮) ‬الأسطوري‮ ‬الشهير‮ . ‬فذلك قياس طيش ليس بعده طيش‮. ‬
إن مكونات كوب ليمونادة‮ ( ‬ماء وسكر وعصير ليمون تتشكل تبعا لشكل الإناء‮ ) ‬لكل مكون اسمه وشكله الصلب أو السائل قبل صنعه ؛ وبعد أن‮ ‬يصنع‮ ‬يأخذ مسمي‮ ‬آخر له خاصية أخري‮ ‬وشكلا آخر‮ ‬يتشكل تبعا لشكل الإناء ؛ فهل إذا حاول مجرب ما‮ - ‬كما‮ ‬يفعل أصحاب إسهال الفتاوي‮ ‬الآن‮ -  ‬فصل مكونات ذلك المشروب فهل‮ ‬يعود الليمون ليمونا ويعود السكر إلي‮ ‬حبيبات ؟
هكذا العمل الأدبي‮ ‬شعرا أو نثرا وهكذا العمل الفني‮ ‬؛ مادة تشكل لتتمتع فاقنع فتؤثر لكن من أين لنا بفهم‮ ‬يزن الإبداع بميزانه في‮ ‬زمن فيه من مظاهر التزمت والتضييق علي‮ ‬الفكر وعلي‮ ‬الإبداع متدرعين بدروع التدين والدين براء من مزاعمهم‮. ‬فالله جميل‮ ‬يحب الجمال‮ .‬
وهل كان المسرح منذ نشأته الأولي‮ ‬إلا محاكاة تهدف إلي‮ ‬تطهير النفس البشرية شأنه شأن الدين ؛ ارتكازا علي‮ ‬الإيهام الذي‮ ‬هو تصديق لكل معطيات الخطاب المسرحي‮ ‬وعلي‮ ‬الاندماج الذي‮ ‬ينقطع فيه المتلقي‮ ‬عن كل ما حوله أسوة بالممثل عندما‮ ‬يتواصل مع الشخصيات؛ وهما ركيزتان مناظراتان للركيزتين اللتين قامت عليهما أهداف الدين للسمو بالإنسان وهما الإيمان الذي‮ ‬هو تصديق بكل معطيات الخطاب الديني‮ ‬والخشوع الذي‮ ‬يلزم المؤمن بالانقطاع عن كل ما حوله عندما‮ ‬يتصل بربه
ولنا‮  ‬أسوة في‮ ‬تاريخنا الذي‮ ‬هو درة تاريخ حضارة الشعوب قديما وحديثا ؛ فنحن أحفاد صناعة الفنون في‮ ‬العمارة وفي‮ ‬المسرح التي‮ ‬ارتبطت بالعقائد الدينية التي‮ ‬توحدت علي‮ ‬يد إخناتون أحفاد من تركوا لنا عمارة المساجد متوجة بالجامع الأزهر الشريف ؛ فما من أحد فينا إلا وهو مسكون بالفن وبالإيمان متزاوجين ممتزجين بدمه؛ إن منع أحدنا عن أن‮ ‬يبدع انطلاقا مما‮ ‬يؤمن به‮ ‬ينهش كبد من‮ ‬يحول بين إبداعه أو‮ ‬يموت دونه
لكل ما تقدم نقف اليوم‮  ‬في‮ ‬مواجهة محاولات الالتفاف حول حركة الإبداع وتقييد حرية المبدعين‮  ‬
بفرض الوصاية عليهم سواء وبالسباب العلني‮ ‬والتعرض لأعراض الفنانات بألفاظ‮ ‬يكرمها القانون‮  ‬وبالفتاوي‮ ‬المنفلتة خارج إطار القوانين التي‮ ‬تضبط علاقة الأفراد بالدولة وعلاقة الأفراد بعضهم بعضا‮ .‬
لقد آن للمبدعين أن‮ ‬ينفروا جماعة في‮ ‬وجه أية وصاية رسمية أو حزبية عليهم ؛‮  ‬من خلال ما طرحته رسالة السيد الدكتور وزير الثقافة المصري‮ ‬بغرض تكوين مجلس أمناء لإدارة كل قصر من قصور الثقافة من ممثلي‮ ‬الأحزاب والمجالس المحلية بتوجيه أو تكليف من محافظي‮ ‬الأقاليم ونذكر بأن تلك التجربة قد نفذت في‮ ‬أيام رئاسة الدكتور الفنان أحمد نوار ولم تستمر لأكثر من شهرين حيث أثبتت فشلها الذريع مع أن الأعضاء المختارين وقتئذ كانوا جميعهم من أساتذة الجامعات ؛ فما البال والعضوية المقترحة لمجالس الأمناء علي‮ ‬الثقافة في‮ ‬أنحاء مصر مختارون من محافظي‮ ‬الأقاليم الذين‮ ‬يقومون علي‮ ‬تنفيذ سياسات الحزب الحاكم‮  ( ‬حزب الحرية والعدالة الإخواني‮ ) ‬المسألة بلا مواربة تتمحور حول محاولة السيطرة علي‮ ‬مفاصل الحركة الثقافية وتوجيهها في‮ ‬اتجاه ثقافة البيداء التي‮ ‬هي‮ ‬نقيض هويتنا الثقافية ثقافة الماء والنماء‮ -‬التي‮ ‬هي‮ ‬أساس العمران‮. - ‬بتعبير ابن خلدون في‮ ‬مقدمته‮ - ‬
ثقافة العمران المدني‮ ‬التي‮ ‬يقوم فيها الإبداع علي‮ ‬الحرية انفلاتا إيجابيا من كل قيد‮ ‬يأتي‮ ‬من خارجه‮. ‬الإبداع الذي‮ ‬يصنع حريته ويصنع قيوده‮  ‬ويلتزم بها تحقيقا لنفسه وتطهيرا للأنفس أو تغييرا للمصائر في‮ ‬اتجاه الأرفع والأنفع للمجتمع‮  ‬وللإنسانية حتي‮ ‬يحسن الناس حياتهم المشتركة في‮ ‬هذه الحياة‮ . ‬

 

د‮. ‬أبو الحسن سلام‮ ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here