اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

موسم المهرجانات للاحتفال بانهيار مسرح الدولة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ ‬إن المتابع للوضع المسرحي‮ ‬في‮ ‬هذه الأيام‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكتشف‮ - ‬بأقل قدر من التأمل‮ - ‬أن هناك قوي‮ ‬ترغب في‮ ‬إعادة إنتاج الماضي‮ ‬من جديد،‮ ‬ويمكن لذلك المتابع لو تميز بقدر بسيط من الذكاء أن‮ ‬يكتشف ميل القيادات‮ (‬السياسية و الإدارية و الفنية‮) ‬للتعامل مع الفن المسرحي‮ ‬بقدر كبير من التوجس و القلق و القرف و التقزز و التخوين‮ .. ‬الخ‮. ‬وهو ما‮ ‬ينعكس بشكل مباشر في‮ ‬رفض أي‮ ‬محاولة لتخليص الوضع المسرحي‮ ‬من شراك الماضي‮ ‬أو تحديد علاقته بالدولة المصرية،‮ ‬أو دعمه،‮ ‬أو التخلص منه حتي‮.‬
ومن المؤكد أن ذلك المتابع‮ ‬يمتلك الفطنة الكافية لإدراك الواقع الذي‮ ‬يشي‮ ‬بأن الدولة قد حسمت أمرها وقررت تعليق الوضع المسرحي‮ ‬لحين تحديد التوجهات السياسية والاقتصادية للنظام المصري‮ ‬– بعد تعديل المرجعية ودفعها نحو اليمين الديني‮ ‬– وهو ما‮ ‬ينعكس في‮ ‬عودة نموذج المهرجان بكل ما فيه من أجواء احتفالية و ترويجية مضللة ومخفية للأمراض المزمنة التي‮ ‬تعاني‮ ‬منها الحركة المسرحية‮ ‬،‮ ‬فالمهرجان‮ ‬يشبه الألعاب النارية في‮ ‬توهجه و بريقه الذي‮ ‬يخطف الأبصار،‮ ‬يدفع الأعين للتعلق به‮ ‬،‮ ‬لكنه سريعاً‮ ‬ما‮ ‬ينتهي‮ ‬و لا‮ ‬يترك سوي‮ ‬حنين لتلك اللحظات المتوهجة ومواد للدعاية و التضليل الإعلامي‮ ‬تغطي‮ ‬صفحات الجرائد و توفر مادة لوسائل الإعلام المرئية و المسموعة‮ ‬،‮ ‬وقبل كل ذلك فإن المهرجان‮ ‬يوفر‮ - ‬الوقت و الزمن المناسب‮ - ‬لأي‮ ‬قوي‮ ‬سياسية ترغب في‮ ‬الظهور بمظهر الداعم للثقافة الرفيعة وقيم التحرر والمدنية‮ .. ‬الخ‮.‬
ولكن ربما‮ ‬يكون من الطبيعي‮ ‬أن‮ ‬يتساءل ذلك المتابع‮ ‬– الافتراضي‮-  ‬عن الأدوار التي‮ ‬يقوم بها المهرجان في‮ ‬تنشيط الحركة المسرحية والعلاقة القديمة التي‮ ‬تربط بين المسرح والمهرجان منذ زمن المسرح الإغريقي‮ ‬،‮ ‬وهو ما سوف‮ ‬يدفعه بالتالي‮ ‬للتشكك في‮ ‬موقفه من مهرجانات وملتقيات مسرحية مثل مهرجان‮ (‬آفاق مسرحية‮) ‬،‮ ‬ذلك أن الموقف السياسي‮ ‬أو الأيديولوجي‮ ‬من النظام‮ (‬القديم/الجديد‮) ‬يمكن أن‮ ‬يضلل بصيرته ويدفعه لتشويه جهود زملائه الهادفة لدعم وتجذير التجربة المسرحية في‮ ‬مواجهة المد الديني‮ ‬الذي‮ ‬يهدف إلي‮ ‬الهيمنة علي‮ ‬الفضاء الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬عبر التأكيد علي‮ ‬قوة وانتشار التجربة المسرحية واستغلال رغبة الدولة مهما كانت شريرة في‮ ‬دعم شباب المسرحيين‮. ‬وقبل كل ذلك بالتأكيد القيام بالدور الأساسي‮ ‬للمهرجانات والمتمثل في‮ ‬اللقاء بين المبدعين والتجارب الفنية المختلفة بهدف تبادل الخبرات والتجارب‮.. ‬الخ‮.‬
لكن ذلك المتابع سريعاً‮ ‬ما سيكتشف زيف كل تلك الادعاءات وخداعها عندما‮ ‬ينظر لما هو أبعد قليلاً‮ ‬من الأجواء الاحتفالية،‮ ‬أليس من الطبيعي‮ ‬التساؤل عن من‮ ‬يوجه إليه الدعم ؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هي‮ ‬الضمانات التي‮ ‬تجعل ذلك الدعم مستمرًا ومضمونًا؟ وما هو المقابل ؟ وما هي‮ ‬المكاسب؟ ومن هو المستفيد ؟
للإجابة علي‮ ‬تلك الأسئلة وغيرها ربما كان من الطبيعي‮ ‬النظر إلي‮ ‬أوضاع المسرح التابع للدولة‮ ‬– والذي‮ ‬يفترض أنه أكثر الأطراف المسرحية استفادة من تدخل الدولة في‮ ‬عملية الإنتاج‮ ‬– نحن هنا نشير بشكل مباشر إلي‮ ‬المسرح الاحترافي‮ ‬المتمثل في‮ ‬مسرح الدولة‮ (‬البيت الفني‮ ‬للمسرح والبيت الفني‮ ‬للفنون الشعبية‮) ‬وكذلك للمسرح الإقليمي‮ (‬مسرح الثقافة الجماهيرية‮) ‬وأخيراً‮ ‬مسرح الهواة‮ (‬الجامعات‮ / ‬مراكز الشباب‮ .. ‬الخ‮).‬
إن تلك المسارح التابعة للدولة‮ ‬يبدو وضعها شديد الصعوبة و التدهور فمن ناحية هناك عملية تداعي‮ ‬و انهيار للنظم التي‮ ‬تحملها عبر الإهمال والتضييق المالي‮ ‬و إفراغ‮ ‬الدور الذي‮ ‬يفترض أن تقوم به في‮ ‬دعم العمل الثقافي‮ ‬وتقديم الخدمة الثقافية‮.. ‬الخ‮. ‬ومن ناحية أخري‮ ‬إفساد وإفشال أي‮ ‬محاولة لتطوير أو إعادة هيكلة تلك المؤسسات وتعمد واضح لتأجيل وتعطيل أي‮ ‬محاولة للتخلص من ميراث تلك المؤسسات التي‮ ‬تم تحجيمها ومحاصرتها في‮ ‬زمن النظام السابق‮ ..‬ومنع الثورة من الوصول للمسرح‮. ‬
وهنا‮ ‬يمكن أن نصل للإجابة علي‮ ‬السؤال الأول‮ : ‬الي‮ ‬من‮ ‬يوجه هذا الدعم ؟‮! ‬
لقد قررت الدولة تبني‮ ‬استراتجية تهدف لتخليص الدولة من كافة مهامها المتعلقة بالدعم المباشر منذ انطلق مشروع الخصخصة في‮ ‬التسعينيات من القرن العشرين،‮ ‬وهو ما تمثل في‮ ‬سحب‮ ‬يد الدولة‮ ‬– تدريجياً‮- ‬من دعم الاحتياجات الأساسية‮ ‬،‮ ‬وتبني‮ ‬نموذج متطرف من الرأسمالية‮ .. ‬وبالتأكيد فإن المسرح كان من أهم مجالات الدعم‮ (‬الثقافي‮)‬،‮ ‬وعليه فإن الدولة ساهمت في‮ ‬نشر ثقافة العمل المدني‮ (‬الذي‮ ‬ساهم في‮ ‬انهيارها السريع لأسباب ليس هناك مجال لذكرها هنا‮)‬،‮ ‬وقررت دعم الفرق المستقلة و الهاوية‮  ‬بشكل‮ ‬يمكنها من سحب دعمها في‮ ‬أي‮ ‬وقت دون تبعات‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬مقابل ذلك ساهمت بشكل كبير في‮ ‬توجيه ضربات قاسية لمسرح الدولة عبر عزله عن تطورات الحركة المسرحية عبر سلسلة من قواعد المنع والحجب التي‮ ‬جعلته‮ ‬يتقوقع علي‮ ‬ذاته ولا‮ ‬يستوعب الطاقات الإبداعية التي‮ ‬يفرزها الواقع‮ ‬،‮ ‬وكذلك عبر سياسات الإفقار و الحصار التي‮ ‬ضربت المسرح المدعوم من الدولة في‮ ‬مقتل وجعلته موقع طارد‮ (‬وهو ما تصاعد أخيراً‮ ‬مع عمليات الحصار المالي‮ ‬للفرق المحترفة ومنعها من إعادة هيكلة ذاتها بما‮ ‬يتوافق مع احتياجات الواقع ومتطلباته‮) .. ‬وهو ما وصل إلي‮ ‬حد وقف الإنتاج في‮ ‬قطاع الفنون الشعبية بحجة عدم توافر ميزانيات للإنتاج‮.‬
يمكن بالتأكيد رصد التناقض المخيف بين ذلك الموقف للدولة من ناحية و إقامة مهرجان‮ (‬آفاق مسرحية‮) ‬علي‮ ‬مسرح البالون من ناحية أخري‮.‬
وبالتالي‮ ‬فإن التساؤل عن من‮ ‬يوجه إليه الدعم والأسباب التي‮ ‬دعت لذلك التحول أصبحت في‮ ‬متناول ذلك المتابع الذي‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يدرك بشكل مباشر أن التخلص من مسارح الدولة‮ ‬يحتاج لجهد مضاعف بعكس تلك الكيانات المستقلة التي‮ ‬يمكن عزلها والتخلص منها بسهولة خاصة في‮ ‬ظل ضعف المجتمع المدني‮ ‬والكيانات المجتمعية التي‮ ‬يمكن أن تدعم العمل المسرحي‮ ‬ومحدوديتها في‮ ‬مقابل الكيانات المجتمعية ذات المرجعية الدينية التي‮ ‬تمتلك القوة والقدرة علي‮ ‬القيام بأدوار تخديرية مثل بيع أسطوانات الغاز بأقل من سعرها أو دعم أسعار الغذاء أو فتح مستشفيات و عيادات تعوض انسحاب الدولة‮ .‬
أما التساؤل عن‮ (‬الكيفية‮) ‬فمن المؤكد أن قطاع الإنتاج الثقافي‮ ‬يقوم بذلك الدور بشكل أقرب للمنح و العطايا التي‮ ‬يمكن أن تحجب في‮ ‬أي‮ ‬لحظة لو تغيرت توجهات الدولة‮.. ‬وهو ما‮ ‬يجعل من الإجابة علي‮ ‬التساؤل عن ضمانات استمرار ذلك الدعم أقرب للآمال والأحلام لدي‮ ‬المسرحيين الذين‮ ‬يستفيدون بشكل مباشر من عمليات الدعم تلك سواء أكان اسمها قوافل الثورة أو موسم المستقلين أو مهرجان آفاق مسرحية‮.. ‬الخ‮.‬
وهو ما‮ ‬يتضح بشكل مباشر في‮ ‬ذلك الاستنكار ووصف أمثال تلك السيناريوهات المطروحة هنا بأنها‮ ‬غير واقعية ومتشائمة‮ ‬،‮ ‬والاكتفاء بابتسامة العالم ببواطن الأمور لمواجهة القلق الذي‮ ‬ينتج عن اكتشاف هشاشة الوضع‮ . ‬فالمكاسب مؤقتة والخسائر أكبر من طاقة أحد علي‮ ‬الاحتمال‮.‬
يبقي‮ ‬أن نعرف من المستفيد ؟ وهذا السؤال ربما كان من السذاجة طرحه‮..‬فالمستفيد بالتأكيد ليس شخصًا أو مسئولاً‮ ‬أو حتي‮ ‬جهة‮... ‬المستفيد أيها المتابع المسكين هو نظام كامل كان ولازال‮ ‬يحاصرك ويقتلك بطمعك وانتهازيتك المحدودة الأفق‮.‬

 

محمد مسعد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here