اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المسرح مقاوم‮ ! الوطن وأزمة الوجود

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮" ‬المسرح مقاوم‮ " ‬إن المقاومة في‮ ‬المسرح تبدو متعددة،‮ ‬ولكن المقاومة الأبرز تلك التي‮ ‬تتمثل بمقاومة الاحتلال للوطن والوجود،‮ ‬إذن نتحدث عن فقدان الحميمية في‮ ‬المكان الذي‮ ‬أحتل،‮ ‬لأنه لم‮ ‬يعد لنا،‮ ‬وأمسي‮ ‬مسروقا،‮ ‬وسنجد أن المقاومة تبدو بصيغة واحدة دائما،‮ ‬تتمثل بالرفض مهما تعددت صور التعبير،‮ ‬سواء أكانت حركية أو نفسية أو دعائية أو بمقارعة الآخر بالمواجهة والقوة أو بالفكر والمحاججة‮. ‬
إن اسيخلوس كتب عن الآلهة والصراع بين الآلهة،‮ ‬وكتب سوفوكليس عن الأبطال والصراع بين الأبطال،‮ ‬إن هذا الصراع‮ ‬يمثل بعد المقاومة بشكل أو بآخر،‮ ‬مهما كانت نوعية تلك المقاومة،‮ ‬أهي‮ ‬بالفكر والحجة أو المقارعة والقوة‮. ‬
تبدو مقاومة الحرب في‮ ‬المسرح،‮ ‬ولما تمثله من همجية وتدمير للوطن،‮ ‬وضياع للإنسان،‮ ‬قد بدأت منذ بدايات المسرح الإغريقي،‮ ‬وبدا هذا في‮ ‬مسريحة‮ ‬يوربيدس‮ (‬406-480ق.م‮)" ‬بنات طروادة‮ "‬،‮ ‬لتمثل مقاومة للحرب وإدانة لها،‮ ‬يصرح بذلك‮ ‬يوربيدس في‮ ‬مسرحية بنات طروادة علي‮ ‬لسان هيكوبا زوجة بريام ملك طروادة،‮ ‬وهي‮ ‬تناجي‮ ‬وطنها طروادة الذي‮ ‬استولي‮ ‬عليه الإغريق،‮ ‬والمهدور إلي‮ ‬حد النهاية،‮ ‬هيكوبا‮: ‬أبكيك أيها الوطن التعيس،‮ ‬يا من تري‮ ‬من وجوهنا البائسة،‮ ‬هذه النهاية المحزنة،‮ ‬وبيتي‮ ‬حيث ولد أولادي،‮ ‬أيها الأولاد هل فقدت مدينتي،‮ ‬كما فقدتموني،‮ ‬ما أشد عويلنا،‮ ‬وما أفدح بلوانا‮! ‬تنهمر،‮ ‬تنهمر دموع فوق دموع،‮ ‬وسط بيوتنا المخربة،‮ ‬لا‮ ‬يعرف الأموات وحدهم عن الحزن،‮ ‬فينسوا أن‮ ‬يبكوا‮.‬  (1) ‮ ‬وتصرخ هيكوبا أيضا نادبة‮: ‬واحسرتاه علي‮ ‬معابد الآلهة،‮ ‬يا مدينتي‮ ‬العزيزة‮... ‬وا أرض أولادي،‮ ‬وأرض تربيتي‮!‬(2) فهذه المقطوعة الصغيرة والتي‮ ‬تصرخ بها هيكوبا،‮ ‬تمثل رفضا وبعدا للمقاومة،‮ ‬فيصل الإنسان إلي‮ ‬هذه الحالة من التردي‮ ‬عندما‮ ‬يقرر محو وطن بكامله بالقتل والسلب والسبي‮. ‬
إن مقاومة عطيل في‮ ‬مسرحية‮ " ‬عطيل‮ " ‬لشكسبير‮ ‬William Shakespeare (1615- 1564)، تبدو في‮ ‬حالة ندم،‮ ‬بعدما جره عقله وما فعلته‮ ‬يداه بوضع حد لمحبوبته ديدمونة،‮ ‬حيث‮ ‬يقول‮: ‬أريد أن أعش،‮ ‬لأن في‮ ‬الموت سعادة‮.‬(3) فهي‮ ‬تبدو مقاومة مازوخية من خلال تعذيب النفس والذات كجسد،‮ ‬وهذه المقاومة فردية ذاتية،‮ ‬اشتغلت علي‮ ‬مستوي‮ ‬النفس البشرية الفردية،‮ ‬والذات الجسدية الفردية،‮ ‬وهي‮ ‬تبين عن حالة الفجيعة التي‮ ‬يبدو عطيل من خلالها‮ ‬غير مصدق لما ارتكب من شنيعة‮. ‬
وفي‮ ‬مسرحية شكسبير‮ " ‬الملك لير‮" ‬نجد مقاومة الشفقة والحب من قبل ابنة لير الصغري‮ " ‬كردليا‮ " ‬مقاومة بالإحساس،‮ ‬الإحساس‮  ‬بالعاطفة‮  ‬الإنسانية،‮ ‬والإحساس‮  ‬بعاطفة‮  ‬الواجب والاحترام تجاه الوالد بعيدا عن المطامع الشخصية،‮ ‬كمقولة مفهومية ذات بعد عقائدي‮ ‬واجتماعي‮ ‬وإنساني،‮ ‬وعكس ذلك ستبدو صورة الانحراف أو ما نستطيع أن نقول عنه المدنس،‮ ‬فإذا ما كانت البنت الصغري‮ ‬تمثل بعد‮  ‬الإحساس،‮ ‬وتقاوم‮  ‬في‮  ‬سبيل‮  ‬ذلك،‮ ‬وهي‮  ‬تمثل‮  ‬المقدس‮  ‬في‮ ‬المسرح،‮ ‬نجد الأختين‮ " ‬جنرجيل وريجان‮ " ‬تمثلان إنزياحا بعيدا عن كل القيم،‮ ‬لتكون القيمة النرجسية وحب الذات هي‮ ‬الأسمي،‮ ‬ولتبرز صورة المدنس في‮ ‬المسرح،‮ ‬البنت الصغري‮ ‬تخاطب والدها الملك لير،‮ ‬كردليا‮: ‬ما أنا إلا ابنتك،‮ ‬وقد أوجدتني‮ ‬من العدم،‮ ‬وخصصتني‮ ‬بحبك وعطفك،‮ ‬وليس لي‮ ‬إلا أن أقدر ذلك لك،‮ ‬فأبادلك حبا بحب،‮ ‬وعطفا برعاية،‮ ‬فإن واجب أبوتك‮ ‬يقضي‮ ‬علي‮ ‬أن أكون وفية لك،‮ ‬بارة بك وأن أطيع أوامرك وأحبك وأجلك الإجلال كله‮.‬(4) هذا الحب الواجب من دون ثمن رخيص،‮ ‬بعد عاطفي‮ ‬من الابنة تجاه الأب،‮ ‬إنه الإحساس تجاه الأب،‮ ‬وقد بدت مقاومة كردليا تتمثل بالمصداقية الواضحة تماما من دون زيف أو خديعة،‮ ‬ولهذا ستلاقي‮ ‬الإبعاد والغضب عليها من قبل والدها الملك لير،‮ ‬وبتحريض دائم من الأختين،‮ ‬وتبقي‮ ‬كردليا مقاومة بحمل بذرة الحب وجذوته تجاه من‮ ‬يجب علينا أن نحبهم،‮ ‬ونبادلهم عاطفتنا الصادقة،‮ ‬مهما وقف التيار عكس رغبتها‮.‬
ومقاومة هاملت في‮ ‬مسرحية‮ " ‬هاملت‮ " ‬لشكسبير،‮ ‬تبدو بالاستعداد النفسي‮ ‬الهذياني،‮ ‬إنها مقاومة نفسية هذيانية تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬فعل،‮ ‬إن حالة هاملت النفسية وما‮ ‬يتصارع في‮ ‬داخله بدا‮ ‬يطفو،‮ ‬وعلي‮ ‬ألسن أقرب الناس إليه الملك وهو عمه زوج أمه،‮ ‬والملكة وهي‮ ‬أمه،‮ ‬الملك وهو‮ ‬يخاطب الملكة‮: ‬إن وراء هذه الزفرات لسرا،‮ ‬إنها تنهدات من أعماق الصدر،‮ ‬أوضحي‮ ‬لنا معناها فإنا خليقون أن نعرف سرها،‮ ‬أين ولدك؟ الملكة‮: ‬يا للخطب الذي‮ ‬شهدته الليلة أيها الملك الصالح‮ ! ‬الملك‮: ‬أي‮ ‬خطب‮ ‬يا جرترود؟ كيف حال هاملت؟ الملكة‮: ‬مجنون،‮ ‬جنون البحر والريح حين‮ ‬يصطرعان،‮ ‬ليثبتا أيهما أشد بأسا،‮ ‬وفي‮ ‬ثورة من ثوراته الجامحة،‮ ‬أحس شيئا‮ ‬يتحرك وراء ستائر الغرفة،‮ ‬فلم‮ ‬يلبث أن جرد سيفه وصاح جاسوس،‮ ‬جاسوس،‮ ‬ودفعته مخاوفه الوهمية إلي‮ ‬قتل الشيخ الهرم القابع وراء الستار‮. ‬الملك‮: ‬يالها من كارثة‮ ! ‬لو كنا هناك لأصابنا ما أصابه،‮ ‬إن تركه حرا لخطر علي‮ ‬الجميع،‮ ‬عليك وعلي‮ ‬وعلي‮ ‬كل إنسان،‮ ‬بأي‮ ‬عذر نعتذر للناس عن هذا الجرم الشنيع ؟ سيوجه إلينا اللوم لأننا لم نكن من بعد النظر،‮ ‬بحيث نكبح جماح هذا الفتي‮ ‬المجنون،‮ ‬ونمنع مخالطته للناس،‮ ‬لقد كنا نحبه حبا لم ندرك معه ما‮ ‬ينبغي‮ ‬علينا أن نفعله،‮ ‬وأين هو الآن ؟ الملكة‮: ‬تركته‮ ‬ينقل الجسم الذي‮ ‬قتله إلي‮ ‬مكان بعيد،‮ ‬وهو‮ ‬يذرف الدموع علي‮ ‬ما اقترف،‮ ‬إن جنونه لم‮ ‬يخل من نزعة الخير،‮ ‬كأنه جوهر ثمين وسط كتلة من المعدن الخسيس‮.‬(5) إن حالة جنون هاملت ستقوده إلي‮ ‬الانتقام المدبر،‮ ‬وربما ليطلق مقولته‮ " ‬أكون أو لا أكون‮ " ‬والتي‮ ‬تعبر عن مقاومة،‮ ‬أو تحمل بطياتها مقاومات متعددة،‮ ‬وهي‮ ‬بالتالي‮ ‬تعبير فكري،‮ ‬يندرج في‮ ‬إطار مقاومة فكرية تعني‮ ‬الوجود الإنساني‮ ‬برمته‮. ‬
ومقاومة نورا في‮ ‬مسرحية‮ " ‬بيت الدمية‮ " ‬للنرويجي‮( ‬هنريك‮ ‬يوهان إبسن‮ ‬Henrik Johan Ibsen  (1828-1906 تمثل عدم الخنوع لعادات واهية،‮ ‬تضع عثرات أمام كينونة المرأة،‮ ‬لتكون مشاركة في‮ ‬بناء‮  ‬الأسرة‮  ‬والمجتمع،‮  ‬ويتمثل‮  ‬هذا من‮  ‬خلال‮  ‬تحمل‮  ‬مسئولياتها التشاركية مع الآخرين،‮ ‬وخاصة في‮ ‬بيت الزوجية،‮ ‬لتشارك زوجها هموم الحياة المعيشية،‮ ‬إن نورا تصفق الباب،‮ ‬كحالة قطيعة نهائية مع ما هو كائن وما سيكون‮. ‬
هيلمر‮: ‬ماذا تفعلين عندك؟ نورا‮: ‬أخلع عن نفسي‮ ‬ثوب الدمية‮ .‬(6) إنه التحدي‮ ‬والقرار المفزع‮. ‬هيلمر‮: ‬أتهجرين بيتك وزوجك وأولادك دون أن تفكري‮ ‬فيما‮ ‬يقوله الناس؟ نورا‮: ‬لست أبالي‮ ‬بما‮ ‬يقوله الناس،‮ ‬فلابد أن أذهب‮. ‬هيلمر‮: ‬دون اكتراث بأقدس واجباتك ؟ نورا‮: ‬ما هي‮ ‬أقدس واجباتي‮ ‬في‮ ‬نظرك ؟ هيلمر‮: ‬إنها واجباتك نحو زوجك وأولادك‮. ‬نورا‮: ‬لدي‮ ‬واجبات أخري‮ ‬لا تقل عنها قداسة‮. ‬هيلمر‮: ‬ما هي‮ ‬؟ نورا‮: ‬واجباتي‮ ‬نحو نفسي‮.. ‬إنني‮ ‬مخلوق آدمي‮ ‬عاقل،‮ ‬مثلك تماما،‮ ‬أريد أن أزن الأشياء بوحي‮ ‬من فكري‮ ‬أنا،‮ ‬لا من فكر الغير،‮ ‬وأن أرقي‮ ‬بنفسي‮ ‬إلي‮ ‬مرتبة الفهم والإدراك‮.‬(7) الرؤية الفكرية التشاركية،‮ ‬والتي‮ ‬تصر عليها نورا تجعلها تتخذ موقفا صارما من الحالة التي‮ ‬تعيشها‮. ‬
هيلمر‮: ‬ألن أكون لك أبدا أكثر من‮ ‬غريب ؟ نورا‮: ‬إذا حدثت معجزة من المعجزات‮ ‬يا تورفالد‮. ‬هيلمر‮: ‬أي‮ ‬معجزة ؟ خبريني‮. ‬نورا‮: ‬أن تتغير نظرتنا إلي‮ ‬الأشياء تغيرا كاملا‮ .. ‬أنا لم أعد أؤمن بالمعجزات‮. ‬هيلمر‮: ‬أنا أؤمن بها،‮ ‬أخبريني‮ ‬حتي‮ ‬ماذا ؟ نورا‮: ‬حتي‮ ‬تصبح حياتنا معا حياة زوجية بالمعني‮ ‬الصحيح،‮ ‬وداعا‮ ‬يا تورفالد‮. ‬هيلمر‮: " ‬يتهالك‮  ‬علي‮ ‬أحد‮  ‬المقاعد‮  ‬بالقرب من‮  ‬الباب،‮ ‬ويدفن رأسه بين راحتيه‮ " ‬نورا نورا‮. " ‬ينظر حوله ثم‮ ‬ينهض واقفا‮ " ‬فراغ‮. ‬ذهبت‮. " ‬يومض في‮ ‬ذهنه برمق أمل‮ " ‬آه‮ .. ‬معجزة المعجزات‮ ... "  ‬يسمع صوت الباب الخارجي‮ ‬وهو‮ ‬يصفق‮ "‬(8)  إذن،‮ ‬كل ما كان من نورا أنها ترغب في‮ ‬تحمل الأعباء الزوجية،‮ ‬لتشارك زوجها في‮ ‬تحمل مسؤولية الحياة المالية،‮ ‬وبهذا هي‮ ‬تمثل مقاومة لعادات وتقاليد كانت سائدة في‮ ‬عام‮ ‬1879 في‮ ‬أوروبا،‮ ‬وكأن ما تقوم به الزوجه هو لعنة وعار،‮ ‬وتفتت في‮ ‬الحياة الزوجية المقدسة،‮ ‬ولكن نورا ليست دمية،‮ ‬ومثلت مقاومة للمجتمع،‮ ‬ومقاومة المرأة التي‮ ‬تكون شريكة،‮ ‬وليست دمية في‮ ‬البيت أو بيت الزوجية أو المجتمع بمعني‮ ‬أشمل‮. ‬مسرحية بيت الدمية لإبسن هي‮ ‬مسرحية ذات بعد مقاوماتي‮ ‬يمثل رفض‮ " ‬التابو‮ " ‬التقليد بأن الزوجة لا‮ ‬يجوز لها أن تساعد زوجها مثلا،‮ ‬فالمقاومة عندما تبدأ المرأة بذاك العمل متحدية من أجل اثبات وجودها كإنسان من حقه أن‮ ‬يقدم المساعدة للآخرين‮. ‬
إن مقاومة انتيجون في‮ ‬مسرحية‮ " ‬انتيجون‮ " ‬للفرنسي‮ ‬جان أنويJean Anouilh  (1987– 1910)  مقاومة الظلم والجبروت،‮ ‬وهي‮ ‬تتحدي‮ ‬الملك كريون الجبار بإصرار‮ ‬يمثل الواجب الإنساني،‮ ‬والذي‮ ‬يتحتم علي‮ ‬الإنسان أن‮ ‬يقدسه مهما كان في‮ ‬حالة ضعف،‮ ‬أو في‮ ‬حالة مصيرية خطيرة كما بدا في‮ ‬حالة انتيجون،‮ ‬كريون‮: " ‬إلي‮ ‬انتيجون‮ " ‬أين قبضوا عليك؟ الحارس‮: ‬بالقرب من الجثة أيها الرئيس‮. ‬كريون‮: ‬ماذا كنت‮  ‬تفعلين‮  ‬بالقرب‮  ‬من جثة أخيك؟ أنت تعرفين أنني‮ ‬منعت الاقتراب منها‮. ‬الحارس‮: ‬كانت تنبش الأرض بيديها لأن تغطي‮ ‬الجثة‮. ‬كريون‮: ‬أتعرف ماذا تقول أنت؟ الحارس‮: ‬أيها الرئيس اسأل الآخرين‮ .. ‬ورائحة الجثة أخذت تشتد منذ سكن الهواء،‮ ‬كان ذلك أشبه بضربة علي‮ ‬الرأس‮.. ‬ولما أمسكتها أخذت تتملص وتكافح كالنمرة،‮ ‬والجثة لم تكن مغطاة تماما‮. ‬كريون‮: " ‬لانتيجون‮ " ‬أهذا صحيح؟ انتيجون‮: ‬نعم،‮ ‬هذا صحيح؟ الحارس‮: ‬كانت تبدو كحيوان صغير‮ ‬ينبش الأرض‮. ‬كريون‮: " ‬وهو‮ ‬يخاطب انتيجون‮ " ‬هل تكلمت عن مشروعك مع أحد؟ انتيجون‮: ‬لا‮. ‬كريون‮: ‬ستعودين إلي‮ ‬البيت وتنامين،‮ ‬وستقولين بأنك مريضة‮. ‬انتيجون‮: ‬لماذا؟ ما دمت تعرف تماما أنني‮ ‬سوف أعيد الكرة‮. ‬كريون‮: ‬لماذا حاولت أن تدفني‮ ‬أخاك؟ انتيجون‮: ‬كان‮ ‬يجب علي‮ ‬ذلك‮. ‬كريون‮: ‬لقد حظرت ذلك‮. ‬انتيجون‮: ‬ومع ذلك كان واجبا علي،‮ ‬إن من لا‮ ‬يدفنون‮ ‬يظلون أبدا هائمين علي‮ ‬وجوههم دون أن‮ ‬يجدوا راحة أبدا‮.. ‬إن له الحق في‮ ‬الراحة‮. ‬كريون‮: ‬لقد كان متمردا وخائنا وأنت تعرفين‮. ‬انتيجون‮: ‬لقد كان أخي‮. ‬كريون‮: ‬وكنت تعرفين المصير الذي‮ ‬توعدت به كل من‮ ‬يجرؤ أن‮ ‬يقوم له بمراسم الجنائزية‮. ‬انتيجون‮: ‬نعم‮. ‬كريون‮: ‬لعلك ظننت أن كونك بنت أوديب المتكبر أن ذلك‮ ‬يكفي‮ ‬لتكوني‮ ‬فوق القانون‮. ‬انتيجون‮: ‬لا‮. ‬كريون‮: ‬إن القانون موضوع أولا لبنات الملوك‮. ‬انتيجون‮: ‬لو كنت خادمة خرجت لأدفن أخي‮.. ‬وقد كنت واثقة من أنك سوف تحكم علي‮  ‬بالموت‮.. ‬يجب‮  ‬أن أذهب‮  ‬لأدفن‮  ‬أخي‮.  ‬كريون‮: ‬أتذهبين تعاودين هذا العمل السخيف‮.‬(9) انتيجون تمثل مقاومة الواجب تجاه أخيها،‮ ‬ومهما كانت القيود التي‮ ‬تحيط بها تقودها إلي‮ ‬مصير واحد الموت‮. ‬
وتبدو مقاومة بيجماليون فلسفية جمالية في‮ ‬مسرحية‮ " ‬بيجماليون‮ " ‬لتوفيق الحكيم‮ ‬(1987-1898)‮ ‬، عندما‮ ‬يقاوم بيجماليون هذا الانحطاط في‮ ‬الوضع الإنساني‮ ‬النسائي‮ ‬بعيدا عن هالة العظمة والجمال والإبداع كما‮ ‬يتأمل ويريد بيجماليون‮. ‬بيجماليون‮: ‬آه وفي‮ ‬يدها مكنسة‮.‬(10) ويقول أيضا‮: ‬بل إني‮ ‬لشديد الصبر أكثر مما‮ ‬ينبغي‮.‬(11) ويبدو الأمر‮ ‬يصل إلي‮ ‬حالة من التهميش والرفض تبين عن عذاب بيجماليون حينما تجادله جالاتيا،‮ ‬فيقول‮: ‬أين هو هذا الأثر،‮ ‬هذا الأثر هو‮ .. ‬أنت‮ .. ‬أليس هذا ما تقصدين؟ جالاتيا‮: ‬ذلك ما كنت أظن‮. ‬بيجماليون‮: ‬لا‮! ‬جالاتيا‮: ‬لا،‮ ‬لست أنا جالاتيا‮. ‬بيجماليون‮: ‬لست أنت أثري‮ ‬الفني،‮ ‬إنني‮ ‬لم أصنع امرأة في‮ ‬يدها مكنسة‮! ‬(12) وهو‮ ‬يحدثها عن حبه لها،‮ ‬تقول جالاتيا‮: ‬نعم،‮ ‬ولكن حب فقير بحس عقيم حب خليق بالحجرة المغلقة،‮ ‬حب لن‮ ‬يغنيك عن جالاتيا الأخري‮. ‬بيجماليون‮: ‬أنت زوجتي‮ ‬المحبوبة ولكنك لست أثري‮ ‬الخالد‮.‬(13) وهو‮ ‬يقارن ما بين جالاتيا التي‮ ‬تقف أمامه وجالاتيا التي‮ ‬في‮ ‬أحلامه،‮ ‬كما أرادها‮ ‬يقول أخيرا‮: ‬كل ما فيك محدود،‮ ‬وكل ما فيها‮ ‬غير محدود‮.‬(14) وفي‮ ‬اللحظات الأخيرة التي‮ ‬يخاطب فيها سكان أولمب كما‮ ‬يرد علي‮ ‬لسان‮  ‬فينوس‮:  ‬يا سكان‮  ‬أولمب في‮ ‬إمكاني‮ ‬أن أقيس قامتي‮ ‬إلي‮ ‬قامتكم،‮ ‬سلاحكم الحياة،‮ ‬وسلاحي‮ ‬الفن،‮ ‬خذوا عملكم الفاني‮ ‬المحدود وأعطوني‮ ‬عملي‮ ‬العظيم الخالد‮.‬(15) و‮ " ‬بيجماليون‮ ‬يتأمل التمثال،‮ ‬يضع في‮ ‬يده المكنسة،‮ ‬يتأمله لحظة،‮ ‬ثم‮ ‬ينتزعها في‮ ‬عنف،‮ ‬وينهال علي‮ ‬رأسه تحطيما‮ "‬(16) فيبدو بيجماليون معذبا ما بين الفن والحياة،‮ ‬فيقاوم لتعود جالاتيا صنما‮. ‬
وهناك مقاومة رفض التهميش،‮ ‬وخاصة أن الإنسان‮ ‬يقارن نفسه أحيانا بحيوانات تبدو أكثر تبجيلا منه،‮ ‬كالاهتمام بالكلب أكثر من الإنسان في‮ ‬مسرحية‮ " ‬نزوة جائع‮ ". ‬عروة وهو‮ ‬يخاطب ربيعة‮: ‬النظر إلي‮ ‬الأمام ليس بالتهور‮. ‬وليس بالعمل الشرير‮. " ‬فترة صمت‮ " ‬نزوة،‮ ‬نزوة‮ ‬،‮ ‬أنت لا تنفك تردد هذه الكلمة،‮ ‬التي‮ ‬أصبحت تؤلمني،‮ ‬وما جدوي‮  ‬حياتي‮ ‬؟ وأنا‮  ‬أريد أن أجرّب هذه النزوة‮. " ‬ينتقل من مكان إلي‮ ‬آخر‮ " ‬يجب أن أتغير‮. ‬كل شيء‮ ‬يتغير،‮ ‬و سأتخلي‮ ‬عن روحي‮ ‬قليلا،‮ ‬لماذا الجبن والخوف؟ لا أحد‮ ‬يحسب لي‮ ‬أيّ‮ ‬قيمة‮. " ‬يبدو عليه الضيق الشديد‮ " ‬نعم،‮ ‬أخبرني‮ ‬من‮ ‬يضعني‮ ‬في‮ ‬مكان معين من أجل أن أكون بحال أفضل مما أنا عليه الآن؟ لم تعد تهمني‮  ‬المبررات‮.‬(17) ويكون عروة ضحية مرتين،‮ ‬مرة من خلال التهميش وفقدان القيمة والفقر،‮ ‬ومرة أخري‮ ‬عندما‮ ‬يتصارع مع كلب الحاكم،‮ ‬فيكون مصيرة داء السعار إنه الموت‮. ‬
ونجد المقاومة في‮ ‬المسرح،‮ ‬كالتعبير الذي‮ ‬يقول لماذا نموت في‮ ‬حرب ليست لنا علي‮ ‬سبيل المثال،‮ ‬وإنما هي‮  ‬سفربرلك،‮  ‬وتبدو هذه المقولة في‮ ‬حالة الحرب العثمانية الأولي،‮ ‬وهي‮ ‬تجر العرب إلي‮ ‬القتال في‮ ‬بلاد لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد‮. ‬
إن المقاومة مبثوثة في‮ ‬كل عمل مسرحي‮ ‬جاد،‮ ‬وهذا‮ ‬يجعل مفهوم المقاومة في‮ ‬المسرح مفهوما منفتحا كثيرا علي‮ ‬مستوي‮ ‬الموضوع،‮ ‬لأن المواضيع المسرحية تخص كل أنواع المقاومة،‮ ‬وقد‮ ‬يبدو مفهوم المقاومة،‮ ‬وصور تعبير المقاومة في‮ ‬المسرح علي‮ ‬مستوي‮ ‬الموضوع المسرحي‮ ‬متعددا منذ بداية المسرح حتي‮ ‬الآن،‮ ‬حيث‮ ‬يتجلي‮ ‬في‮ ‬صور مقاومة شتي‮. ‬
يبرز مفهوم المقدس منذ زمن بعيد،‮ ‬وقد تعلق منذ بدء الخليقة بثنائية تتراوح بين الخطأ والصواب،‮ ‬المقبول والمرفوض،‮ ‬الممنوع والمرغوب،‮ ‬وبالتالي‮ ‬المقدس والمدنس،‮ ‬والمقدس والمدنس كما‮ ‬يري‮ ‬الباحث المجري‮ ‬مرسيا إليادM..Eliade " أنهما صيغتان للوجود‮ ‬يتبناهما الإنسان خلال تاريخه‮ "‬(18) وهذا القول‮ ‬يدل علي‮ ‬أن ثنائية المقدس والمدنس متلازمة دائما في‮ ‬الحياة البشرية،‮ ‬إذا ما اعتبرنا أن المقدس هو الأساس والأصل،‮ ‬فالمدنس طبيعة انزياحية‮ ‬يمثلها الإنسان،‮ ‬إنه الشذوذ النابع من الرغبة الفردية،‮ ‬والمقدس إرادة إلهية،‮ ‬دينية اعتقادية،‮ ‬قيم ووجدود‮. ‬ومن جانب آخر ترتبط المقاومة بمفهوم المقدس،‮ ‬المسرح المقدس،‮ ‬وهي‮ ‬حتما ستكون كذلك،‮ ‬بغض النظر عن شكل المقاومة،‮ ‬لأن الإنسان هو‮ " ‬ركيزة الفن الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يحقق استمراريته،‮ ‬وتجديده وتحول القيم الطقوسية إلي‮ ‬قيم جمالية‮"‬(19)
ويبقي‮ ‬موضوع المقاومة،‮ ‬مقاومة الاحتلال،‮ ‬هو الصورة الأجلي‮ ‬في‮ ‬الذهن،‮ ‬إنه الصورة الذهنية التي‮ ‬ترتسم في‮ ‬مخيلة الإنسان عندما‮ ‬يذكر كلمة مقاومة،‮ ‬فهو أشد أنواع المقاومة صرامة علي‮ ‬جميع المستويات الأخري،‮ ‬النفسية والجسدية والفكرية والوجود،‮ ‬وهل هناك أكثر قداسة من قضية الأرض والوطن التي‮ ‬تمثل الوجود؟
الهوامش‮: ‬
 -1 يوربيديس،‮ ‬مسرحيات‮ ‬يوربيديس،‮ ‬ترجمة أمين سلامة،‮ ‬مكتبة مدبولي،‮ ‬مصر القاهرة،‮ ‬بلا تاريخ‮  ‬ص239   
 -2 المصدر نفسه،‮ ‬ص272    
 -3 شكسبير،‮ ‬عطيل،‮ ‬ترجمة‮: ‬خليل مطران دار مارون عبود،‮ ‬بيروت الطبعة الثامنة‮ ‬1974   ص67
 -4 شكسبير،‮ ‬الملك لير،‮ ‬ترجمة كامل الكيلاني،‮  ‬دار المعارف ط12 مصر القاهرة،‮   ‬ص12
 -5 شكسبير هاملت،‮ ‬جامعة الدول العربية،‮ ‬الطبعة الثالثة،‮ ‬دار المعارف،‮ ‬مصر،‮ ‬القاهرة،‮ ‬بلا تاريخ‮  ‬ص149-148
 -6 هنري‮ ‬ابسن بيت الدمية،‮ ‬ترجمة كامل‮ ‬يوسف،‮ ‬دار المدي‮ ‬للثقافة والنشر،‮ ‬2007م‮  ‬ص‮ ‬95
 -7 المصدر نفسه،‮ ‬ص99   
 -8  المصدر نفسه ص103   
 -9 جان أنوي،‮ ‬انتيجون،‮ ‬ترجمة الفريد فرج وأدوارد الخراط مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة،‮ ‬1959   ص47-42
 -10  توفيق الحكيم،‮  ‬بيجماليون،‮ ‬مكتبة مصر،‮ ‬دار مصر للطباعة،‮ ‬لم تذكر السنة،‮ ‬ص‮ ‬108
 -11 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬109
 -12 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬116    
 -13 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬117  
 -14 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬120  
 -15 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮  ‬146
 -16 المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬153   
 -17 منصور عمايرة،‮ ‬أعمال مسرحية ج1، دار الياقوت للنشر والتوزيع،‮ ‬عمان الأردن،‮ ‬2001م ص‮ ‬35
 -18 حسن المنيعي،‮ ‬المسرح الحديث إشراقات واختيارات،‮ ‬المركز الدولي‮ ‬لدراسات الفرجة،‮ ‬ط1، المغرب،‮ ‬2009م‮.  ‬
 -19 المسرح الحديث إشراقات واختيارات‮ ‬،‮ ‬المرجع نفسه‮.‬
منصور عمايرة كاتب وناقد مسرحي‮ ‬أردني‮ ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here