اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المبني‮ ‬للمجهول في‮ ‬مسرح صباح الأنباري‮ ‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تحتل صيغة المبني‮ ‬للمجهول‮ ( ‬أو اللامحدد‮ ) ‬مرتبة متقدمة بين الخطوط العريضة لمسرح صباح الأنباري،‮ ‬فهي‮ ‬المسئولة عن تحويل الحركة والواقع إلي‮ ‬نشاط عاطفي‮ ‬وذهني،‮ ‬ثم إلي‮ ‬رموز عامة‮.‬
ولذلك تتحول الشخصيات من أبطال أو لاعبين علي‮ ‬خشبة المسرح لشرائح وإشارات الغاية منها التعبير عن الطبيعة الضمنية لفئة من المجتمع‮. ‬علي‮ ‬سبيل المثال‮: ‬الأطفال المجنحون‮ ‬يرمزون لفئة من الأبرياء كأنهم إبدال لصورة الملائكة الأطهار‮. ‬وأنكيدو وجلجامش‮ ‬يرمزان لمعني‮ ‬المقاتل والأب الطيب علي‮ ‬التوالي‮. ‬أما خمبابا فهو الطاغية‮. ‬بينما الغابة هي‮ ‬المجتمع الشرير المعاصر وكأنها نفس الرمز الثابت الذي‮ ‬يعكس قيمة تفيد التدمير والاغتراب كما فعل الفرسان الصعاليك(1) ‮ ‬و بشكل عام إن لاسم الصفة في‮ ‬هذه المسرحيات نفس معني‮ ‬الاسم الدال علي‮ ‬النوع‮. ‬ومن الواضح أنها صفات تميل للوجه الباكي‮ ‬من فن المسرح‮.. ‬الوجه الذي‮ ‬يذرف الدموع فقط‮. ‬
لقد ترك هذا الأسلوب من المجاز في‮ ‬الدراما مجالا مفتوحا للقارئ فما بالك بالمخرج‮. ‬لا شك أصبح عبء نصف التأويل من مهماته‮. ‬وهذا بعكس التقاليد المرعية في‮ ‬الفكر الطبيعي‮ ‬الكلاسيكي‮ ‬المرهون للعقل وليس الشعور،‮ ‬والذي‮ ‬لا‮ ‬يترك شيئا للصدفة والاجتهاد‮.  ‬
وترافق ذلك مع جملة إجراءات أخري‮ ‬من أهمها‮ ( ‬سوي‮ ‬حذف عناصر الملهاة الضاحكة‮) ‬غياب أدوات أساسية لا مناص منها‮.‬
أولا وفي‮ ‬المقدمة تفاصيل الديكور،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن نقوم نحن ببنائه وتخيله بحيث‮ ‬يحقق المعادلة الصعبة التي‮ ‬تساوي‮ ‬ما بين دور اللغز في‮ ‬التشويق‮ ( ‬وهذه ضرورة شعبية‮ ) ‬والإبهام‮ ( ‬وهذه ضرورة نخبوية‮). ‬إن مسرحية بلا ديكور تشبه رواية بلا شخصيات‮. ‬وهذا منعطف هام بدأ في‮ ‬فرنسا مع ظهور الرواية المضادة التي‮ ‬أرادت أن تعيد تصوير العالم،‮ ‬ولكن تركت لنا مهمة تفسيره‮. ‬هل نحن إذن علي‮ ‬عتبات فن المسرحية المضادة؟‮..‬علي‮ ‬أية حال أظن أن النثر في‮ ‬بواكيره اهتم بالإطار وبالبيئة المباشرة المؤثرة بالأحداث،‮ ‬فقط ليمارس دوره الرقابي‮ ‬الصارم،‮ ‬وليحاول إعادة تعريف رغباته‮. ‬لقد كان‮ ‬يتعرف علي‮ ‬نفسه وعلي‮ ‬أفكاره بغاية التصالح مع الموضوع‮.‬
وثانيا نوع الموسيقا الحاملة للرسالة،‮ ‬هل هي‮ ‬موسيقا عاطفية ناعمة أم أنها موسيقا شعبية وكرنفالية‮. ‬وهنا أري‮ ‬أن الموسيقي‮ ‬في‮ ‬المسرح بأهمية العروض والقافية في‮ ‬الشعر‮. ‬ويمكن أن تكون أداة مكملة للمعني‮ ‬أو مجرد ضرورة‮.. ‬يمكن أن تفسر الحكمة من الحوار أو أن تلعب دور قوالب جامدة تتكسر عليها حرية الدراما‮. ‬وبها‮ ‬يتحول الخوف الميلودرامي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬الرخيص إلي‮ ‬رعب من المأساة البشرية العامة‮. ‬
وأخيرا الأزياء لتوضيح موقع الشخصيات ومكانتها‮. ‬
ويبدو لي‮ ‬أن صباح الأنباري‮ ‬خصم عنيد لكل أصول التراجيديا الواقعية التي‮ ‬تستعمل الثياب الزاهية‮  ‬والمزركشة والأثاث الثقيل الذي‮ ‬يرمي‮ ‬بظل قاتم علي‮ ‬الأرض‮ ‬يناسب‮ ‬غياهب القدر وفجائعه ودمويته‮. ‬لقد كان الأثاث جزءا من أخلاق العصر و جزءا من البنية الخاصة لمجتمع شديد العمومية‮. ‬كما هو واقع الحال في‮ ‬معظم أعمال الأخوات برونتي‮ ‬وبعدها جين أوستن ذات النغمة الإصلاح‮ ‬– عاطفية،‮ ‬وفوق ذلك أعمال آرثر ميلر الكآبية التي‮ ‬تقطع بأحزانها نياط القلب‮. ‬لقد لعبت مثل هذه التفاصيل في‮ ‬الفلسفة الواقعية نفس الدور الذي‮ ‬كانت تلعبه الطبيعة عند الرومناسيين‮. ‬بمعني‮ ‬أنها كانت أداة مسخّرة لتعكس الجو النفسي‮ ‬و أحوال الروح و الوجدان‮.‬
وبالمثل كانت الشخصيات في‮ ‬هذه الأعمال أشبه بشخصيات تجريدية،‮ ‬بعيدة عن الواقع،‮ ‬ومهمومة بشئون القلب والوجدان المريض‮. ‬ولذلك أصبح من المقبول تجريد الأفكار أيضا وتصويرها بشكل رموز مباشرة،‮ ‬أو تحميل الأخلاق والسلوك إشارات تنم عن المنشأ الطبقي‮ ‬وليس لضرورات واقعية ولا أسباب معقولة‮.‬
وفي‮ ‬هذا السياق ظهرت العرّافة وبلورتها‮. ‬وكانت الغاية أن تتغلب علي‮ ‬الواقع وأن تفككه وليس بالضرورة أن تقرأ المستقبل،‮ ‬وكأنها تريد القفز من فوق الأسباب إلي‮ ‬النتائج مباشرة‮.‬
غير أنه إذا استفاد صباح الأنباري‮ ‬من هذه المعطيات فقد حولها من أداة إلي‮ ‬رمز،‮ ‬ومن ظاهرة عجيبة تساعد علي‮ ‬تخدير العقل وتحرير العاطفة إلي‮ ‬دلالة‮.‬
فهو في‮ ‬مسرحيته‮ ( ‬عندما‮ ‬يرقص الأطفال‮)‬(3) ‮ ‬لم‮ ‬يستعمل هذه الأداة الغريبة لكسر جدار المنطق وتحرير المكبوت،‮ ‬ولكنه طورها لتكون جزءا لا‮ ‬يتجزأ من واقع التخلف والتبعية الذي‮ ‬لا بد لنا من تحديه واكتشاف أنجع الوسائل للتغلب عليه‮.‬
وهنا‮ ‬يطيب لي‮ ‬أن أنوه كم كانت عرّافة العصر الوسيط في‮ ‬أوروبا مدعاة للتشاؤم‮. ‬دائما ذات وجه رفيع شاحب أو أسود‮. ‬وربما تنتمي‮ ‬لقبيلة من الغجر‮. ‬وترتدي‮ ‬الثياب المرعبة‮. ‬وتتكلم بأخشن صوت ممكن‮. ‬أو بلغة شكسبيرية دقيقة‮: ‬وجهها كوجه الماء الراكد‮ ‬– و‮ ‬يغشاه ما‮ ‬يغشي‮ ‬المستنقعات‮ ‬(4 )‮.‬
فقد كان فن العرافة الفكتوري‮ ‬لا‮ ‬يرتبط بنشاط المخيلة ولكن بهدف المخيلة‮. ‬وهذا هو شأن العرّافة التي‮ ‬صنعت مصير مكبث،‮ ‬ثم حولت مفهوم الحب العذري‮ ‬في‮ ‬وقت لاحق إلي‮ ‬سلطة علي‮ ‬الجسد باعتبار أنه مادة لموضوع عرقي‮. ‬حتي‮ ‬أصبح من الصعب القول أن هذه الشخصية هي‮ ‬مجرد علم مبسّط بالغيب‮. ‬لقد كانت أقرب لتعبير‮ ‬غير مباشر عن هزيمة أخلاق دالت دولتها‮. ‬وترتب علي‮ ‬ذلك تحول في‮ ‬مستوي‮ ‬الصور ثم في‮ ‬اتجاه تفسير الواقع‮. ‬
وليس هذا هو شأن عرّافة صباح الأنباري‮. ‬فهي‮ ‬في‮ ‬أفضل الأحوال وسيلة مساعدة تضيف للمعني‮ ‬بعض المعارف،‮ ‬وللجو الدرامي‮ ‬بعض الظواهر الطقوسية‮. ‬إنها لم تتحكم في‮ ‬مصير الشخصيات،‮ ‬بل قدمت البدائل وفضل القيمة،‮ ‬وضغطت لتحويل المأساة الباكية والدامعة إلي‮ ‬حزن له ما‮ ‬يبرره أو إلي‮ ‬لغز‮ ‬يمكن لبداهة الإنسان أن تتعرف عليه‮. ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنها لعبت نفس دور الوسيط الربوي‮ ‬الذي‮ ‬يكسب من كل الأطراف‮. ‬ووضعها ذلك في‮ ‬مكانة عطالة تراكمية‮ ‬غامضة لأنها مركبة أصلا من عطالة الواقع المكسور وعطالة البدائل السحرية‮.. ‬من المسافة التي‮ ‬تفصل بين اللاشعور و أسبابه‮ ( ‬كما‮ ‬يفضل لاكان أن‮ ‬يقول‮ ) ‬(5 )‮.‬
و إذا كانت مصادر الرعب في‮ ‬المأساة قد تحولت إلي‮ ‬شك بجدوي‮ ‬الحياة القصيرة‮. ‬باعتبار أنها أقصر من أن تؤمن للإنسان فرصة لتحقيق أمنياته وأحلامه‮. ‬فهي‮ ‬السبب الكامن وراء القسوة والعنف في‮ ‬المسرح العالمي‮ ‬ولا سيما عند أرتو‮. ‬ولكن عند صباح الأنباري‮ ‬يضاف لها رعب تقني‮ ‬يتلخص في‮ ‬تحطيم المفاهيم المتعارف عليها بفن المسرح‮. ‬مثلما فعل كلود سيمون مثلا في‮ ‬المستنبت الزجاجي‮ ‬حيث إن النص‮ ‬ينقسم إلي‮ ‬سطور ناقصة وكلمات مرتبة بشكل مثلث أو مستطيل وما أشبه‮. ‬أنه‮ ‬يلعب لعبته بواسطة بهلوانيات وغرائب بصرية‮. ‬وهذه هي‮ ‬الغاية علي‮ ‬ما أعتقد من الاعتماد علي‮ ‬الحركة والامتناع عن الكلام‮.‬
إن مصدر التباين إذن هو في‮ ‬الخلاف بين الوظائف‮.. ‬من ذهن رومنسي‮ ‬يمجد الألم والمعاناة ويراه مدخلا لتطهير النفس الخاطئة من عارها،‮ ‬إلي‮ ‬ذهن لامعقول‮ ‬ينظر بعين الشك والريبة لكل أشكال الدمار والشقاء والمعاناة‮.‬
لقد كان المبني‮ ‬للمجهول واللامحدد هو المسئول،‮ ‬برأيي،‮ ‬عن القسمة المنحازة لعناصر الرعب في‮ ‬النص‮. ‬فهو لا‮ ‬يحسب حساب الشكل المخيف الذي‮ ‬ترتجف منه الأوصال،‮ ‬ولا‮ ‬يرسم قلعة حصينة بشبابيك من حديد،‮ ‬أو بيتا كئيبا‮ ‬يغلق عليك أبواب الأمل والتفاؤل‮. ‬ولكنه دائما‮ ‬يهتم بالشخصيات الغامضة كالأشباح والأرواح والعفاريت وغير ذلك‮.‬
وهكذا تنقسم كل مسرحية إلي‮ ‬شكل بسيط من‮ ‬غير إفراط في‮ ‬الزخارف،‮ ‬ومضمون معقد ضائع بين مجموعة من الاحتمالات والمعاني‮. ‬أو بلغة هيجلية سطحية‮: ‬تنقسم إلي‮ ‬موضوع‮ ‬– صورة وذات‮ ‬– محتوي‮. ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن صباح الأنباري‮ ‬ينتمي‮ ‬لمرجعيات الذهن النهضوي‮ ‬الذي‮ ‬تتآلف فيه الأضداد‮ (‬بتعبير المرحوم ليسلي‮ ‬فيدلر‮) ‬حيث أن التناقض سمة ضرورية تعكس واقع الذهان المرضي،‮ ‬وفي‮ ‬نفس الوقت تسخر من أسباب الاضطراب الذي‮ ‬يمزق العالم(6 )‮.‬
ومن هنا‮ ‬يدخل أحيانا علي‮ ‬المشهد ما‮ ‬يقول عنه ليسلي‮ ‬فيدلير أيضا‮: ‬القرين‮ ‬(7 )، وهو خيال المرآة الحامل لمشاعر الاغتراب المسئولة عن تدمير البنية المتماسكة للشخص المعاصر،‮ ‬بحيث لا‮ ‬يستطيع في‮ ‬النتيجة أن‮ ‬يتعرّف علي‮ ‬نفسه،‮ ‬ولا أن‮ ‬يري‮ ‬الفرق بين الإدراك والإحساس‮. ‬ولكنه‮ ‬يتمكن أنطولوجياً‮ ‬من الانتباه لمأساته الخاصة‮: ‬كيف أنه بطل‮ ‬غير محدد،‮ ‬وكيف أنه نسخة فقط لشخص من درجة ثانية‮. ‬وكأنه‮ ‬يقول مع بطل قصة‮ ( ‬المرآة‮ ) ‬لهاروكي‮ ‬موراكامي‮: ‬إن انعكاس خيالي‮ ‬في‮ ‬المرآة لا‮ ‬يعكس حقيقتي(8 )‮. ‬وهذا‮ ‬يؤكد الفرق بين نشاط الإنسان الليلي‮ ‬ونشاط الإنسان النهاري(9)‮.‬ أو أنه‮ ‬يبين الفرق الملموس بين خيالات تنمو في‮ ‬اللاشعور وعالم الواقع‮. ‬وكأننا أمام نسخة تجريدية معدلة من دكتور جيكل ومستر هايد‮. ‬ولذلك تكون‮ ‬غايات ومقاصد الحياة مجرد احتمال وتكهن‮. ‬

 

بقلم‮ : ‬صالح الرزوق

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here