اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‬الكتابة السيكودرامية للنص المسرحي تطبيقا علي‮ ‬نص‮ "‬أمر مكتبي‮"

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

نادرة تلك النصوص المسرحية السيكودرامية الخالصة
فمع أننا نعيش الأزمات النفسية جنبا إلي‮ ‬جنب مع الأزمات الاقتصادية والثقافية والسياسية منذ زمن بعيد إلاّ‮ ‬أننا لا نعرف من بين كتابنا المسرحيين وأدبائنا الروائيين والشعراء من أبدع نصا سيكودراميا‮ ‬،‮ ‬سواء تأثر بتحليلات النظرية الفرويدية أم تتبع خطوات‮ ( ‬جاكوب مورينو‮) ‬رائد التوجه السيكودرامي‮ ‬كوسيلة علاجية ذات أثر ناجع‮. ‬ولا ندري‮ ‬أكان ذلك بسبب ندرة تعامل الكتاب مع حالات سيكلوجية تصلح لتناولها دراميا أو لانعدام ممارساتهم التطبيقية خوضا في‮ ‬هذا اللون من الكتابة أو لعدم احتكاكهم المباشر بمجال الطب النفسي‮ ‬،‮ ‬أو لصعوبة الكتابة في‮ ‬ذلك اللون من الدراما‮ . ‬
نحن لا نعرف من الكتابات الدرامية النفسية‮ ‬غير القليل ومنها كتابات‮ ( ‬كافكا‮ ) ‬و‮( ‬دستوفسكي‮ ) ‬في‮ ‬الرواية‮. ‬وفي‮ ‬مسرحنا العربي‮ ‬ربما مالت كتابات‮ ‬يوسف إدريس في‮ ‬مسرحية‮( ‬المهزلة الأرضية‮)- ‬تحديدا وفي‮ ‬بعض قصصه ورواياته‮- ‬نحو بناء الصورة الدرامية بناء قائما علي‮ ‬تشريح البعد النفسي‮ ‬للشخصية فضلا عن نص هنا ونص هناك لآخرين مثل‮ (‬أرض لا تنبت الزهور‮ ) ‬لمحمود دياب‮ ‬،‮ ‬ونص‮ (‬الدنس‮) ‬لحسن أحمد حسن‮ ‬،‮ ‬وإن انتميا لأسلوب مسرح القسوة‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يعول علي‮ ‬الطقس وإسقاط شحنات الكبت،‮ ‬والتطهر من سمات القسوة العالقة بالمرجعيات الثقافية ومظاهرها في‮ ‬سلوك الشخصية الدرامية‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬النحو الذي‮ ‬عني‮ ‬بتصويره‮ (‬ألفريد جاري‮) ‬و(أنتونان آرتو‮) ‬في‮ ‬فرنسا‮ .‬
غير أني‮ ‬فوجئت بنص سيكودرامي‮ ‬أرسله لي‮ ‬الكاتب المسرحي‮ ‬محمد إسماعيل القناوي‮ ‬،‮ ‬هو تعبير أصيل عن المسرحية السيكودرامية‮ ‬،‮ ‬ففيه من صدق التعبير عن الصورة السيكودرامية الكثير الذي‮ ‬يقطع بأن لصاحبه خبرة وثيقة الصلة بمجال التمريض النفسي‮ . ‬وقد صدق حدسي‮ ‬بذلك عندما عرفت أن الكاتب‮ ‬يعمل في‮ ‬مجال الطب النفسي‮ ‬فعلا‮ .‬
لقد توقفت طويلا عند اللوحة الافتتاحية لنصه(أمر مكتبي‮) ‬ففيها تركيز‮ ‬يؤكد صدق معايشته لتجربة شخصيته السيكولوجية‮ ‬،‮ ‬فوجدت أن من حقه علي‮ ‬الحركة النقدية أن تحتفي‮ ‬بنصه هذا بصفته كاتبا سيكودراميا حقيقيا‮ ‬،‮ ‬يكتب عن خبرة عملية بمجال العلاج النفساني‮ ‬،‮ ‬وقد تمثلت خبرته في‮ ‬الصيغة الدرامية البليغة للافتتاحية ببنيتها اللغوية المنضوية تحت إطار عام‮ ‬،‮ ‬جامع لجزئيات تشف عن خصوصية تعبير كل شخصية‮ ‬،‮ ‬وعمومية الحالة النفسية لجميع الشخصيات بما‮ ‬يؤكد المبدأ العلمي‮ ( ‬الجزئي‮ ‬يتأثر بالكلي‮ ‬والعكس صحيح‮) ‬فالعلاقة بينهما جدلية طالما اجتمعا في‮ ‬حيز واحد زمنيا ومكانيا‮. " ‬يقول د‮. ‬مدحت أبوبكر‮ "‬يخلص الكاتب السيكودرامي‮ ‬لثنائية الوعي‮ ‬واللاوعي‮ ‬عندما‮ ‬يعيش داخل ذاته ثم‮ ‬يتركها‮" ‬وهكذا رأينا المؤلف هنا،‮ ‬حيث‮ ‬يوقفنا أمام ثلاثة نماذج بشرية‮ ‬غير سوية‮ ‬يعيش كل منها داخل ذاته،‮ ‬وهي‮ ‬غير متكيّفة مع وسطها الاجتماعي،‮ ‬غير متكيفة مع بعضها بعضا‮. ‬تتمحور فكرة النص حول مقولة إنه‮( ‬لا مكان للأسوياء في‮ ‬مجتمع المرضي‮ ‬النفسانيين‮.) ‬أما البنية الدرامية النفسية للغة الحوار،‮ ‬فقد تأسست علي‮ ‬التنويع بين أسلوب الإضمار وأسلوب الصمت‮ ‬،‮ ‬مع تنويع أدواره‮ ‬،‮ ‬حيث تشكل لغة إضمار الشخصية وصمتها عن البوح عما بداخلها حقيقة الواقع النفسي‮ ‬الذي‮ ‬تعيشه الشخصية‮ . ‬وبهذا تمكن المؤلف من تشخيص حالة إسقاط كل شخصية لمكبوتاتها‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬هيئة أفعال تلحق الضرر بالحالة السوية التي‮ ‬تتواجد معها‮ :‬
‮" ( ‬يدخل مرعي‮ ‬في‮ ‬بؤرة ضوء‮ ) "‬مرعي‮: ‬كل‮ ‬يوم أشوف الناس أحس إني‮ ‬ذئب وهمّا‮... (‬صمت‮) ‬غنم كل‮ ‬يوم‮." (‬عوض‮: ‬يدخل عوض في‮ ‬بؤرة ضوء أخري‮) ‬كل‮ ‬يوم أشوف الناس أحس إني‮ ...‬تعبان وهمّا‮... ‬بيض الحمام اللذيذ‮ (‬صمت‮) ‬كل‮ ‬يوم‮"‬
‮"‬سامي‮: (‬يدخل سامي‮ ‬في‮ ‬بؤرة ثالثة‮) ‬كل‮ ‬يوم أشوف الناس أحس إني‮(‬لحظة صمت طويلة‮) ‬أحس إني‮ ‬صرصار وهمّا حيدوسوني‮" (‬صابر‮: ‬يدخل من عمق المسرح في‮ ‬بؤرة ضوء بينما‮ ‬يظلم علي‮ ‬الشخصيات الأخري‮) ‬كل‮ ‬يوم أشوف الناس،‮ ‬أشوفهم‮ ‬،‮ ‬أعيش معاهم‮ ‬،‮ ‬أخانقهم أصالحهم‮ ‬،‮ ‬أكلمهم،أخاصمهم،أشكي‮ ‬منهم ليهم‮ ‬،‮ ‬ابتسم لهم‮ ‬،‮ ‬أعيّط في‮ ‬مناديلهم‮ ‬،‮ ‬أحسهم‮ .. (‬صمت‮) ‬كل‮ ‬يوم‮.( ‬تخفت الإضاءة تدريجيا حتي‮ ‬الإظلام التام‮) ‬تقوم البنية الدرامية لهذه التقديمة الدرامية علي‮ ‬تقنية القطع والوصل لتجسيد حالة العزلة النفسية‮ ‬،‮ ‬فكل شخصية من الشخصيات المرضية الثلاث تعيش في‮ ‬جزيرة نفسية منعزلة عن الآخرين المتواجدين معها‮ ‬،‮ ‬نحن أمام قطيع بشري،‮ ‬كل عضو‮ ‬يعيش داخل ذاته وينغلق عليها‮ ‬،‮ ‬ووجود الشخصية السوية‮ ( ‬صابر‮) ‬هو استثناء له عواقبه الوخيمة‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬غير متكيف مع ذلك القطيع الآدمي‮ ‬غير السوي‮. ‬ولكي‮ ‬يجسد المؤلف ذلك التباين فيما بين الشخصية السوية والشخصيات السيكو‮ ‬يعّول علي‮ ‬البعد الذاتي‮ ‬منفردا في‮ ‬بناء الشخصية السيكودرامية في‮ ‬حالة انعدام التوازن النفسي‮ ‬اعتمادا علي‮ ‬سلوكها القولي‮ ‬والحركي‮ ‬اللاإرادي‮ ‬المتقطع الأوصال فيما بين التعبير عن الإحساس والنتيجة المترتبة عليه،‮ ‬وذلك بتوظيف تقنية الصمت أسلوبا للفصل بين الإحساس والنتيجة‮. ‬فضلا عن توظيف النص الموازي‮ ( ‬البؤر الضوئية والإظلام‮) ‬لتوكيد العزلة النفسية الفردية‮. ‬فبالصمت والبؤر الضوئية والإظلام جسد المؤلف جمالية البنية السيكودرامية‮.‬

 

د‮. ‬أبو الحسن سلام

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here