اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الجسم والفراغ .. منطلقات نظرية عاملة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 


في‮ ‬مقدمة تحليل العلاقة بين الجسم المسرحي‮ ‬والفراغ‮ ‬المسرحي،‮ ‬سوف نتناول عدة أمور أساسية لكي‮ ‬تعلي‮ ‬من شأن نظرية المسرح الخالص التي‮ ‬ترتبط بمنطلقات نظرية عامة،‮ ‬وفي‮ ‬هذا المستوي‮ ‬ينتقل الأمر من الجسم إلي‮ ‬الذات،‮ ‬ويطرح نفسه باعتباره سؤالاً‮ ‬عن العلاقة بين الذات والمكان،‮ ‬بمعني‮ ‬إدراك الذات للعالم الخارجي،‮ ‬وكما نعرف،‮ ‬تتحدد الملامح المكانية وفقا للجسم‮ (‬والذات تحدد الأماكن وفقا لإدراكها‮): ‬يتم تحديد وضع وشكل المكان‮ (‬فوق‮ - ‬تحت‮ - ‬يمين‮ - ‬يسار‮) ‬بواسطة الذات‮/ ‬الجسم الذي‮ ‬يضع حدود المكان علي‮ ‬أساس الرؤية واللمس،‮ ‬ويتأمله،‮ ‬وفي‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يتأمل ذاته‮. ‬ولذلك‮ ‬يعكس الجسم‮/ ‬الذات نفسه علي‮ ‬الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬يوجد فيه‮. ‬وهذا صحيح ليس فقط فيما‮ ‬يتعلق بالأماكن الاصطناعية،‮ ‬بل أيضا فيما‮ ‬يتعلق بالبيئة الطبيعية،‮ ‬فالطبيعة‮ ‬يتم إدراكها علي‮ ‬مستوي‮ ‬أساسي‮ ‬بواسطة الذات وفقا للقدرات والطاقة الإدراكية لمسافتها وقربها وطولها وعمقها وتهديدها وأمانها وتساميها وجمالها،‮ ‬وكل هذه أماكن طبيعية في‮ ‬ذاتها،‮ ‬ولذلك‮ ‬يمكننا أن نصف العلاقة بين الجسم والفراغ‮ ‬بالقول إن الجسم هو الذي‮ ‬يحدد ويؤسس العلاقات في‮ ‬الفراغ،‮ ‬وأن علاقته بالفراغ‮ ‬علاقة قبلية،‮ ‬وأن الجسم‮ (‬حتي‮ ‬لو كان المكان مستقلا عنه‮) ‬يمثل الفراغ‮ ‬دائما ويجعله مقبولا وجميلا أو خطيرا‮.‬
وعلي‮ ‬المستوي‮ ‬الجمالي‮ - ‬والعرض المسرحي‮ ‬بلا شك ظاهرة جمالية‮ - ‬فإن المشكلة‮ ‬يجب أن ننظر إليها بشكل مختلف،‮ ‬إذ‮ ‬يجب أن نراها من منظور العملية الفنية،‮ ‬فالموضوعات الجمالية تتميز بتصنيفات فردية مستقلة‮ ‬يتم تنقيتها وإطلاقها،‮ ‬ورغم المنطلقات الإدراكية المتضمنة في‮ ‬العمل الفني‮ ‬ذاته،‮ ‬فإنها تري‮ ‬ويتم تأملها تبعا لذلك،‮ ‬ويسمح لنا تاريخ المسرح الحديث أن نتتبع ظهور التصنيفات المسرحية الفردية المنفصلة،‮ ‬وبالتحديد استقلالها الذي‮ ‬يحدد ويمثل العروض والأداء الفردي‮ ‬في‮ ‬تطور المسرح الحديث‮.‬
وفي‮ ‬مسرح القرن العشرين،‮ ‬نجد أن‮ »‬الفراغ‮ ‬المسرحي‮« ‬هو التصنيف الذي‮ ‬اندرجت تحته أغلب التغيرات والمواضع المفاهيمية‮. ‬وأسلوبه في‮ ‬التعامل مع الجسم‮ (‬والعكس‮) ‬متعدد الطبقات،‮ ‬إذ إنه‮ ‬يمتد من الإيهامية في‮ ‬بناء الديكور والمفاهيمية المبنية فيما‮ ‬يتعلق بمكانة الإعداد المستقل للنشاط البدني،‮ ‬إنها بالضبط مفاهيمية الفراغ‮ ‬المسرحي‮ ‬التي‮ ‬بدأت بظهور مسرح طبيعي‮ (‬وفقا للنزعة الطبيعية للمحددات الثلاثة التي‮ ‬كانت تقدمها البيئة بشكل مباشر في‮ ‬إعداد المشاهد‮) ‬يؤثر في‮ ‬مفاهيمية استقلال الجسم المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يتم إجباره علي‮ ‬التخلي‮ ‬عن السمة الزخرفية والنسق الإيمائي‮ ‬لكي‮ ‬يؤسس نفسه كجسم مستقل ومتزامن مع الفراغ‮.‬
‮< ‬علاقة الديكور
مادام المسرح تحكمه تقاليد الإيهام الذي‮ ‬يهدف إلي‮ ‬تقديم العالم المثالي‮ (‬وفقا لجماليات الحق والخير والجمال‮) ‬وتحقيق تطابق اصطناعي‮ ‬ويهدف إلي‮ ‬التسلية،‮ ‬فإن دور الفراغ‮ ‬بالنسبة للجسم هو زخرفي‮ ‬وثانوي‮ ‬بالقياس إلي‮ ‬مفاهيمه البصرية والملموسة،‮ ‬ونتحدث هنا عن الفراغ‮ ‬باعتباره ستارة خلفية من القماش،‮ ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬ليست تصنيفا مستقلا،‮ ‬بل إنها تتوظف كخلفية زخرفية ومشهد منظوري،‮ ‬وهي‮ ‬ليست معنية بتكملة أو حتي‮ ‬تفسير أي‮ ‬شيء،‮ ‬بل تظل جامدة،‮ ‬لكي‮ ‬تزين وتزخرف‮. ‬ولا توجد صلة بين الخلفية والمقدمة‮ (‬أو الممثل‮) ‬سواء علي‮ ‬المستوي‮ ‬البدني‮ ‬أو الدلالي،‮ ‬أو الفكري،‮ ‬إنها علاقة زخرفية تنبع من تداعي‮ ‬مبني‮ ‬علي‮ ‬انطباع عام وموجه إلي‮ ‬مذاق ووجدان الطبقة المتوسطة،‮ ‬والأخيرة تحتاج إلي‮ ‬الزخرفة،‮ ‬في‮ ‬الواقع داخل هذا الإطار حتي‮ ‬تصبح عواطفها مثالية ونموذجية في‮ ‬التطهير العام‮.‬
ولكن لماذا نتحدث عن الديكور،‮ ‬في‮ ‬حين أن قصدنا هو شرح العلاقة بين الجسم الفراغ‮ ‬في‮ ‬المسرح الحديث؟ صحيح أن الجسم تحت تأثير الحاجة إلي‮ ‬مكان مسرحي‮ ‬مستقل تغيرت مكانته ومفهومه بشكل أساسي،‮ ‬ونتج عن ذلك استقلال تصميم خشبة المسرح،‮ ‬وأدي‮ ‬هذا إلي‮ ‬فهم لإعداد المشهد باعتباره شكلا مؤسساتيا للفن‮ ‬يخلق علاقات ذات معني‮ (‬فكري‮ ‬ودلالي‮) ‬بين الجسم والفراغ‮ ‬في‮ ‬المسرح الحديث،‮ ‬ومع ذلك،‮ ‬عندما نفحص العلاقة بين الجسم والفراغ‮ ‬التي‮ ‬تري‮ ‬العروض مقيدة بتقاليد عرفية‮ (‬بمعني‮ ‬أن العروض تقدم تقاليد مسرح الطبقة الوسطي‮ ‬الذي‮ ‬يرتبط عادة بربرتوار مؤسسات المسرح القومية‮) ‬ما تزال في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬تصميم مشاهد ذات ديكور،‮ ‬لأن المشهد معد لتقديم تفسيرات،‮ ‬ومن أجل تكملة الممثل والحبكة،‮ ‬كما أن الممثل‮ ‬يحتاج أيضا لمثل هذا المشهد الشارح بسبب التقاليد التي‮ ‬تمليها الحبكة والعقدة الدرامية‮.. ‬إلخ‮. ‬ويمكن أن‮ ‬يكون السبب في‮ ‬مثل هذه العلاقة موجود في‮ ‬حقيقة أنه في‮ ‬سياق هذه العروض لا نستطيع أن نتحدث عن الجسم باعتباره تصنيف منفصل،‮ ‬كما أننا لا نستطيع أن نتحدث عن التصنيف المستقل للدور الذي‮ ‬يملي‮ ‬كل تصنيفات العروض،‮ ‬ففي‮ ‬بناء الدور،‮ ‬وفي‮ ‬تحقيق التقمص والتوحد بالدور‮ ‬يسير الجسم والفراغ‮ ‬جنبا إلي‮ ‬جنب،‮ ‬وفي‮ ‬بناء الدور تكون علاقتهما تبادل زخرفي،‮ ‬ولكنها زخرفة تقوم علي‮ ‬المشاركة العامة،‮ ‬ويتم تحديدها بواسطة إشارات مثالية وسيمسيوطيقية عن طريق الشكل والمضمون،‮ ‬ولذلك فإن التحدث عن استقلال الجسم والفراغ‮ ‬أمر خارج العلاقة الأساسية للدور،‮ ‬لأن المكان المستقل‮ ‬يجب أن‮ ‬يصاحبه جسم مستقل‮.‬
وسنحاول تحليل المسألة ونحددها نظريا من خلال العلاقة الزخرفية‮ ‬غير التقليدية في‮ ‬الأداء المسرحي،‮ ‬وفي‮ ‬هذا السياق نلاحظ أن مكانة ووظيفة الفراغ‮ ‬هي‮ ‬الذي‮ ‬تتم مواجهته‮ (‬استعاريا‮) ‬بالجسم المستقل‮ (‬الذي‮ ‬يؤكد في‮ ‬حالات معينة هذا التوجه الجذري‮ ‬الذي‮ ‬يحتاج كما‮ ‬يقول‮ »‬بيتر بروك‮« ‬إلي‮ ‬المساحة الخالية‮) ‬وهو الذي‮ ‬يزعم لنفسه نمطا سلوكيا تجاهه ويشير إليه بدرجات اختلاف معينة لا تتجاهله أو تهمشه،‮ ‬حتي‮ ‬عندما‮ ‬ينفي‮ ‬الجسم الفراغ‮ ‬فإنه‮ ‬يبعثه مع استقلاليته بشكل متناقض‮.‬
البناء المفاهيمي‮: ‬الجسم‮ ‬يقيم في‮ ‬الفراغ
بمصطلح البناء المفاهيمي‮ ‬نعني‮ ‬أنواع الفراغ‮ ‬المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يوجد كبناء جديد والتي‮ ‬يمكن أن تتلاءم معها كل العروض المسرحية،‮ ‬إذ لم‮ ‬يعد الأمر مجرد تحويل سينوجرافي‮ ‬لعلبة إيطالية،‮ ‬بل هو بناء محكم‮ ‬يعكس مكونات العرض الأخري،‮ ‬ويتوظف هذا البناء،‮ ‬بشكل أساسي،‮ ‬كعالم جديد مستقل‮ ‬يمكن من خلاله فهم وظائف الجسم وحركاته والمشاهدين،‮ ‬وهذا التأثير متبادل بالطبع‮: ‬فمثلما‮ ‬يحتاج الجسم المستقل فراغا جديدا لحركته،‮ ‬فإن الفراغ‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬جسم متحول ومختلف‮. ‬والجسم في‮ ‬هذا الفراغ‮ ‬الخاص مجبر علي‮ ‬اتخاذ توجه معين نحو مفهوم الفراغ،‮ ‬والمشهد المبني‮ ‬يقدم لنا بمعني‮ ‬جديد ومنظور جديد نشاهده من خلاله،‮ ‬وهذا مطابق للبناء المفاهيمي‮ ‬الذي‮ ‬يعكس باستمرار رؤية المشاهدين ويحدد لرؤيتهم أهدافا جديدة‮ (‬يصنفها ويقودها ويوجهها إلي‮ ‬أسفل وأعلي‮) ‬ويكملها ويجعلها موضوعية،‮ ‬وهناك ملمح آخر للبناء هو المعني‮ ‬الجديد والشكل الجديد للجسم الفعال‮ (‬وغير الفعال‮) ‬داخله،‮ ‬وبدلا من الديكور،‮ ‬يحدث التركيب عند مستوي‮ ‬كلي‮ ‬مطلق،‮ ‬حيث‮ ‬يتوظف الجسم كمشارك فعال في‮ ‬العالم الجديد باعتباره المبشر والحالم،‮ ‬وهذا التركيب المطلق‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬تحول الجسم نفسه وانعكاسه الذي‮ ‬يظهر باستمرار داخل العالم المبني‮ ‬وكأنه تجريد لجسم حقيقي‮ ‬ويحاول أن‮ ‬يؤسسه كجسم جديد في‮ ‬فراغ‮ ‬جديد‮.‬
العلاقة التجريدية‮: ‬الفراغ‮ ‬يسكن في‮ ‬الجسم
لو عدنا إلي‮ ‬منطلقنا الأول‮ »‬الجسم/الذات‮« ‬باعتباره الكينونة التي‮ ‬تؤسس وتحدد وتصف وتفهم الفراغ،‮ ‬عندئذ‮ ‬يمكننا وصف علاقتهما التجريدية لجوهرية حداثية الذات‮ (‬المنتشرة بشكل مستقل في‮ ‬مفهوم الجسم‮) ‬والتي‮ ‬من خلال إيماءات رقص مستقل متعدد الطبقات،‮ ‬يؤسس ويحدد ويصمم الفراغ،‮ ‬وتصبح العلاقة المكانية الأصلية‮ (‬يمين‮ - ‬يسار‮ - ‬فوق‮ - ‬تحت‮ - ‬بعيد‮ - ‬قريب‮ - ‬عالي‮ ‬منخفض‮) ‬منتشرة وتتوظف بشكل منفصل،‮ ‬لدرجة أنها‮ ‬يمكن أن تكون محسوسة عندما نشاهد الجسم‮ ‬يرقص في‮ ‬الفراغ،‮ ‬فالجسم من خلال حركات الرقص المرسومة‮ (‬أو المرتجلة‮) ‬وحدها،‮ ‬يؤسس مفهومنا الإدراكي‮ ‬للمشهد‮. ‬ويؤدي‮ ‬بنا التفكير الحداثي‮/ ‬البنيوي‮ ‬في‮ ‬العلاقة بين الجسم والفراغ‮ ‬إلي‮ ‬أدني‮ ‬المفاهيم،‮ ‬علاوة علي‮ ‬سلسلة كاملة من الاكتشافات النظرية والفنية للعلاقة بين الجسم والفراغ،‮ ‬وكبرياء المكان الممنوح للجسم كشكل أساسي‮ ‬ووسيلة للتعبير قادرة علي‮ ‬تشكيل وبناء الفراغ،‮ ‬لأن الجسم البشري‮ ‬يمتزج مع الفراغ‮ ‬البصري‮ ‬المدرك‮.‬
ولذلك‮ ‬يمننا أن نقول إن الفراغ‮ ‬يسكن الجسم الذي‮ ‬يستطيع من خلال عملية التجريد‮ (‬حركة إيمائية مرسومة بشكل مستقل‮) ‬أن‮ ‬يتفاعل مع العلاقات المكانية،‮ ‬ورغم ذلك،‮ ‬لا تعنينا العلاقة بين الجسم الراقص والفراغ،‮ ‬فهي‮ ‬تستحق دراسة مستقلة،‮ ‬فالجسم في‮ ‬علاقته بالفراغ‮ ‬يؤسس نفسه من خلال علاقات شكلية معدة توحد وتنتج مشهدًا ذا حركية،‮ ‬والفراغ‮ ‬يضم الجسم ويجعله‮ ‬يتوظف بشكل أفضل في‮ ‬المساحة الخالية،‮ ‬وتتحقق إقامة الفراغ‮ ‬في‮ ‬الجسم عندما‮ ‬يرتبط بالمحتوي‮ ‬المفاهيمي،‮ ‬وليس فقط بأي‮ ‬تتابع للشكل في‮ ‬فن الرقص والإيماء‮. ‬ففي‮ ‬عرض‮ »‬جرترود شتاين‮« ‬إخراج‮ »‬فلاديمير ريبنيك‮« ‬ننظر إلي‮ ‬الجسم الذي‮ ‬يسكنه المكان،‮ ‬وهو جسم مرتبط بالزمن‮ (‬الذي‮ ‬هو مستقل وسائد في‮ ‬العرض‮)‬،‮ ‬وفي‮ ‬هذا التركيب المذهل تصل الأحداث ذروتها في‮ ‬المشهد الأخير عندما‮ ‬يقوم الجسم بحركة تتابعية بطيئة ومتوترة عبر خشبة المسرح،‮ ‬وفي‮ ‬البداية‮ (‬علي‮ ‬أحد جانبي‮ ‬المسرح‮) ‬يشدنا جسم الممثل بإيماءاته وهو‮ ‬يحدد لنا الطريق الذي‮ ‬ينوي‮ ‬السير فيه،‮ (‬وبالنسبة لإدراكنا الذي‮ ‬تعود علي‮ ‬المونتاج والتحريك‮) ‬ينقل الجسم المتوتر في‮ ‬كل خطوة وحركة خطية الفراغ‮ ‬الممتد إلي‮ ‬ما لا نهاية‮: ‬يغير المسار ويغير علاقته اللانهائية‮ (‬وهو أمر‮ ‬غير قابل للتخيل بالنسبة لوعينا‮) ‬إلي‮ ‬تعبير مسرحي‮ ‬جمالي‮ ‬مؤثر وملموس،‮ ‬فالجسم في‮ ‬ذاته‮ ‬يحمل قدرة مذهلة علي‮ ‬اللعب،‮ ‬ويميز في‮ ‬نفس الوقت حدود ولا نهائية الفراغ‮.‬
ولذلك لا تقدم لنا العلاقة التجريدية مادة سينوجرافية مفصلة،‮ ‬وحتي‮ ‬إن فعلت ذلك،‮ ‬فإن هذه المادية تختزل إلي‮ ‬علامات رمزية ومركبة،‮ ‬إن الجسم نفسه هو الذي‮ ‬يختزل الفراغ‮ ‬ويوسعه ويزوده بالمعني‮ ‬في‮ ‬علاقات مكانية من خلال حركته المتعمدة والمرسومة جيدا والشكل المتفاني،‮ ‬إن أبعاد ووظيفة الفراغ‮ ‬هي‮ ‬بالأساس حركية،‮ ‬ورغم ذلك فإن الجسم‮ ‬يفهمه بشكل إدراكي،‮ ‬ويكونا مثاليين وسيمانطيقيين داخل العلاقات الإدراكية‮.‬
العلاقة المادية‮: ‬الجسم والفراغ‮ ‬يقدم كل منهما الآخر
في‮ ‬العلاقة المادية،‮ ‬توضع تصنيفات الجسم والفراغ‮ ‬بطريقة تجعل كليهما مستقلين،‮ ‬فلا‮ ‬يمارس أي‮ ‬منهما سيطرة سيمانطيقية أو فكرية أو حقيقية علي‮ ‬الآخر،‮ ‬ولذلك فهي‮ ‬العلاقة التي‮ ‬يفهم فيها الفراغ‮ ‬ولا‮ ‬يتأسس باعتباره البناء الذي‮ ‬يتطلب في‮ ‬جوهره جسمه،‮ ‬العلاقة التي‮ ‬لا‮ ‬يحاول فيها الجسم أن‮ ‬يحاكي‮ ‬تفاعل محركه الأساسي،‮ ‬الذي‮ ‬يجر العلاقات المكانية إلي‮ ‬علاقاتها الحركية،‮ ‬وبدلا من ذلك‮ ‬يتلاقيان‮ (‬يتلامسان‮) ‬عند مستوي‮ ‬التعايش المادي‮ ‬النقي،‮ ‬الذي‮ ‬يفهم بشكل مختلف في‮ ‬كل أداء فردي،‮ ‬والذي‮ ‬يظل معتمدا بشكل جدي‮ ‬علي‮ ‬الحقيقة واتصال الحواس المادي‮ ‬والفعلي‮ ‬علي‮ ‬خشبة المسرح‮.‬
وللوهلة الأولي‮ ‬يبدو منطلق الاستقلال المطلق لكلا النوعين متناقضا،‮ ‬لأننا نعرف أن الجسم لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتحرك في‮ ‬المكان الذي‮ ‬لا‮ ‬يسمح له بهذه الحركة بسبب الطبيعة الدقيقة للحركة‮ (‬فلو أني‮ ‬بدين لن أستطيع المرور من فتحة ضيقة مهما حاولت ذلك‮)‬،‮ ‬يحتاج الاستقلال الحقيقي‮ ‬للمكان المادي‮ ‬الفعلي‮ ‬إلي‮ ‬إعداد‮/ ‬تحديد‮/ ‬توسيع‮ (‬امتداد‮) ‬معين للحركة البدنية المنضبطة عن طريق قابليته للحركة،‮ ‬فالجسم‮ ‬يشكل نفسه بالنسبة إلي‮ ‬البيئة المكانية،‮ ‬ورغم ذلك‮ ‬يمكننا أن نتحدث عن الحدود الفعلية للجسم في‮ ‬مستوي‮ ‬الحركة اليومية العادية،‮ ‬بينما لا‮ ‬يمكننا أن نتحدث بشكل قاطع ومحدد عن الجسم التعبيري‮ ‬المسرحي،‮ ‬وأعني‮ ‬بذلك الجسم كموضوع لصورة جمالية،‮ ‬وبالمقارنة،‮ ‬فإن الجسم المسرحي‮ ‬يواجه ويتعايش مع فراغ‮ ‬مستقل جماليًا،‮ ‬يمكن أن تنسب إليه استقلالية تامة،‮ ‬وكأنه موجود في‮ ‬حالة تعايش مادي‮ ‬مع فراغ‮ ‬مساو له ويؤسس ذاته كجسم صادي‮ ‬متحرر ومتحقق‮.‬
العلاقة المادية إذن هي‮ ‬علاقة المدرك الذي‮ ‬يفهم الفراغ‮ ‬من خلال الحركة ويشكلها،‮ ‬بينما الجسم من الناحية الأخري،‮ ‬من خلال انصياعه البدني‮ ‬وقوته هو الذي‮ ‬يحدد الفراغ‮ ‬بشكل مادي‮ ‬وفعلي،‮ ‬والمشاهد‮ ‬يراقب علاقة الجسم المادي‮ ‬المتكافلة والمستقلة في‮ ‬الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬تنبع منه الوظائف الرمزية والعملية‮.‬
ومن خلال العلاقة متعددة الطبقات بين الفراغ‮ ‬المسرحي‮ ‬والجسم المسرحي،‮ ‬يمكننا بالفعل أن نري‮ ‬كيف أن استقلال الأنواع الفردية‮ ‬يحدث في‮ ‬تاريخ المسرح الحديث،‮ ‬ومدي‮ ‬تأثير هذه الاستقلالية علي‮ ‬مفهوم العرض المسرحي‮.‬
فالسعي‮ ‬لاستقلالية فراغ‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬تغير جوهر بعض المكونات الجمالية للعرض المسرحي‮. ‬إن هذه الاستقلالية تدفعها لأن تجد نفسها داخل جماليات جديدة،‮ ‬وقد رصدنا بعض العلاقات الأساسية بين الجسم والفراغ‮ ‬والتي‮ ‬يمكن أن توجد في‮ ‬المسرح الحديث،‮ ‬فالجسم والفراغ‮ ‬يعملان في‮ ‬علاقة مرنة تتأصل في‮ ‬الإدراك المفاهيمي‮ ‬المستمر لاستقلالهما وإمكانية ازدهارهما داخل العرض المسرحي‮.‬

 

تأليف‮: ‬بويانا كونست
ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧١
أخر تعديل في الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2013 14:22

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here