اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

متي‮ ‬يصبح الناقد رئيسا للجمهورية‮..‬؟

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

وأصبح أستاذ الجامعة بنتائج صندوق الانتخاب في‮ ‬مصر رئيسا للجمهورية،‮ ‬أظن‮ ‬يمكنني‮ ‬الآن‮ - ‬والآن فقط‮ - ‬أن أكتب عن حلم وصول الناقد في‮ ‬يوم ما لمنصب الرئيس‮..‬؟،‮ ‬أفلاطون في‮ ‬جمهوريته تكلم عن قيمة الفيلسوف‮/ ‬الرئيس،‮ ‬أعتقد أن هذه هي‮ ‬أول بادرة لبزوغ‮ ‬فكرة الناقد الرئيس‮. ‬ويعتبر"منصف المرزوقي‮" ‬رئيس تونس الحالي‮ ‬هو خير مثال حي‮ ‬لوصول المفكر/الناقد إلي‮ ‬منصب الرياسة‮. ‬
في‮ ‬تاريخ مصر الحديث توجد قائمة طويلة من أسماء كبري‮ ‬لأشخاص كانوا في‮ ‬الأصل نقادا مبدعين ووصلوا إلي‮ ‬مناصب رسمية في‮ ‬الدولة،لكن أقصي‮ ‬ماوصلوا إليه في‮ ‬صعودهم لهرم السلطة كان‮ ‬–بالكتير‮- ‬منصب وزير،‮ ‬أبرز هؤلاء النقاد الوزراء كان عميد الأدب العربي‮ (‬طه حسين‮) ‬الذي‮ ‬وصل إلي‮ ‬منصب وزير المعارف وكان هو الناقد الأدبي‮ ‬الأهم والأكثر شهرة في‮ ‬وقت توليه الوزارة‮. ‬ثم من بعده بسنوات جاء"ثروت عكاشة‮" ‬الذي‮ ‬وصل لمنصب وزير الثقافة في‮ ‬حكومة ثورة‮ ‬يوليو1952م لأنه من الضباط الأحرار،‮ ‬وقد كان وحتي‮ ‬نهاية رحلته ناقدا تشكيليا بامتياز تشهد له موسوعية أعماله وترجماته الفنيةالضخمة‮ . ‬أسماء كثيرة ربما أعرف بعضها ولا أعرف أكثرها،أذكر منهم الآن الوزير"بدر الدين أبوغازي‮" ‬– وهو والد وزير الثقافة السابق د.عماد أبوغازي‮- ‬وقد كان‮ "‬بدر الدين‮" ‬ناقدا تشكيليا مهما في‮ ‬زمنه‮. ‬
‮"‬سيد قطب‮" ‬أيضا كان ناقدا أدبيا قبل أن‮ ‬يتحول إلي‮ ‬المفكر والمُنظِر الثاني‮ ‬لجماعة الإخوان المسلمين والقائد الروحي‮ ‬لكثير من ساسة اليوم من قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين وصلوا للحكم في‮ ‬مصر،‮ ‬وأظنه لو كان حيا بيننا اليوم لأصبح دليلا قويا‮ ‬يجسد وصول كلمة الناقد المتحولة إلي‮ ‬الدعوة الدينية والأخلاقية إلي‮ ‬السلطة،ربما بفضل تطور أفكاره النقدية الاجتماعية وتشكل‮  ‬رؤاه الجهادية والأخلاقية في‮ ‬صورة سياسات وممارسات عرفتها الناس من جماعة الإخوان طوال عقود مضت‮. ‬
في‮ ‬معهد الفنون المسرحية لم‮ ‬يكن كثير من الدارسين بقسم الدراما والنقد‮ ‬يشغل باله كثيرا بفكرة الناقد/الزعيم،‮ ‬قليلون هم من كانوا‮ ‬يعرفون قيمة الناقد وقدرته علي‮ ‬رصد النقائص وسد الثغرات،‮ ‬الناقد الفقير المغمور المجهول الاسم لا‮ ‬يصلح أن‮ ‬يكون رئيسا‮ ‬يتبعه الناس ويأتمرون بأمره،‮ ‬بينما الناقد الشهير اللامع‮ ‬يمكن أن‮ ‬يغير جيلا بأكمله إن هو عرف طموحاتهم وتحرك من أوجاعهم‮ ‬،كان‮ ‬يدميني‮ ‬أن كثيرا من زملائنا من طلبة قسمي‮ ‬التمثيل والديكور كانوا‮ ‬ينظرون لنا نحن طلبة قسم الدراما والنقد علي‮ ‬أننا‮ "‬شوية عيال بتاعة ورقة وقلم وغاويين دح وحفظ كتب و‮..-‬وبس‮-"‬،وأنهم‮ ‬–وهم فقط‮- ‬كممثلين وممثلات أو مصممي‮ ‬ومنفذي‮ ‬فن الديكور وحدهم من لهم حق الإبداع وممارسة لعبة الفن والتجديد والابتكار،‮ ‬لا‮ ‬يعرفون‮ - ‬ولا‮ ‬يعرف طلبة النقد في‮ ‬غالبيتهم أيضا‮- ‬أن دورة حياة الفنان المبدع تبدأ به مبدعا صغيرا في‮ ‬مجاله لتنتهي‮ ‬به ناقدا كبيرا لنفسه أولا،‮ ‬ثم للآخرين وللدنيا كلها من حوله فيما بعد،‮ ‬ولهذا‮ ‬يستطيع إدارة عالمه بحكمة بليغة وحنكة متمرسة،‮- ‬ومن لا‮ ‬يصدقني‮ ‬فليشاهد الممثل الخبير‮ (‬محمود حميدة‮) ‬في‮ ‬حواراته بلقاءاته التليفزيونية فهو خير مثال علي‮ ‬ما أقول‮- ‬وليتابع مصائر كل لاعبي‮ ‬كرة القدم الخبراء الذين تحولوا بعد تقاعدهم إما لمعلقين ونقاد رياضيين‮ ‬يعلقون علي‮ ‬المباريات أو لمدربين وقادة لفرق رياضية‮ ‬يعتمدون علي‮ ‬خبراتهم النقدية في‮ ‬تحريك فرقهم ولاعبيهم لإبداع كل جديد وممتع‮. ‬
هل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون الناقد الحر‮ (‬أي‮ ‬المتحرر من كل قيد وخوف‮) ‬المستقل‮ (‬أي‮ ‬غير الراغب في‮ ‬أي‮ ‬مكسب مادي‮ ‬دنيوي‮ ‬من عمله كناقد‮)‬،‮ ‬أقول هل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون هذا المزعج الدائم قليل الرضا عن الواقع رئيسا‮ ‬يعتلي‮ ‬قمة هرم السلطة الحاكمة بكل‮ ‬غشوميتها وعماها وجمودها وتصلب شرايين بيروقراطيتها الأبدي؟‮!‬،‮ ‬وكيف‮ ‬يحكم هذا الناقد المثقف‮ ‬–بالضرورة‮- ‬قلعة السلطة المحتمية بأسلاك البيروقراطية الشائكة‮  ‬وجدران أسوارها العالية وحوائطها السميكة المنيعة وجنودها المتكلسين المتصلبين،‮ ‬هؤلاء الجنود وتلك الجدران والحوائط التي‮ ‬حافظت علي‮ ‬طقوس ونواميس الفساد في‮ ‬كيفية حكم العباد طوال القرون الطويلة الماضية في‮ ‬بر وادي‮ ‬النيل،‮ ‬عن طريق تبديد وتدمير كل قيم الجمال والعدل والحق التي‮ ‬خلقها الله للناس‮. ‬وإذا كان الناقد عدوا للبيروقراطية،‮ ‬مادام صحيحا معافي‮ ‬من كل خبث وسوء،‮ ‬وليس عبدا لها وخادما لمطالبها إذا كان فاسدا خبيثا،‮ ‬فكيف إذا وصل إلي‮ ‬سدة الحكم‮ ‬يمكنه نسف هذه البيروقراطية؟‮.‬
البيروقراطية آفة السلطة وآلتها العقيمة التي‮ ‬تقتل كل إبداع وتعطل كل فكر وتجهض كل سعي‮ ‬التقدم للمستقبل‮ ‬،البيروقراطية تلك الماكينة الساعية لتدمير المستقبل بمخالب كهنتها وتروس وعاظها وألسنة سدنتها وكلابها،‮ ‬والناقد‮ ‬يقف وحده ضد كل هؤلاء متسلحا بالمعرفة والرفض الواعي،‮ ‬الناقد لا‮ ‬يحب أولئك الجهلة المحبوسين في‮ ‬ظلمات كهوف التعاليم الدينية الرثة والأقوال البالية،‮ ‬ويكره كذلك المسجونين وراء سطور القوانين المملة الجامدة والسخيفة؟،‮ ‬كيف لهؤلاء أن‮ ‬يحكمهم ناقد هدفه الأول هو القضاء عليهم وتدمير فسادهم المستشري‮ ‬في‮ ‬الكون؟‮ ‬،كيف‮  ‬وهم رعيته الواجب عليه حمايتهم ورعاية شؤونهم ومتابعة همومهم،‮ ‬في‮ ‬ظني‮ ‬أن الناقد الحق لن‮ ‬يصل إلي‮ ‬سلطة الرياسة مهما تغيرت البلاد ومن عليها،‮ ‬ذلك أن الناقد الحق‮ ‬يعتلي‮ ‬عرش القلق الحر ليتقن لحن التوتر الأبدي‮ ‬ويعزف مقطوعته المتمردة،‮ ‬لذلك لا‮ ‬يعجبه الاستقرار أوالسكون أبدا،‮ ‬والناقد المخلص لعمله‮ ‬يمتشق سيف المصلح الاجتماعي‮ ‬ويرفع راية الإصلاح القيمي‮ ‬طوال الوقت،‮ ‬فلا‮ ‬يتخلي‮ ‬عنهما إلا بالموت،‮ ‬تشغله فكرة السعي‮ ‬نحو الأجمل والأفضل دائما،‮ ‬لهذا‮ ‬يهتم بكشف عيوب الحياة ومعرفة نقائص أفعال الناس،‮ ‬متخذا من ذائقته ومعرفته وخبرته المتحصلة من وجوده في‮ ‬العالم دروعا وقائية لمواجهة فساد الكون،‮ ‬وهو‮ ‬يذوب تماما من أجل الوصول للكمال ويتعذب ويعاني‮ ‬من أجل رفض وهدم كل قبيح،‮ ‬يقوم بتفجير قنابل الحث علي‮ ‬الإبداع مرة ويتمني‮ ‬تكسير أصنام الجمود والتكرار البادية علي‮ ‬السلوكيات والأفعال مرات ومرات‮ ‬،‮ ‬ثم ها هو‮ ‬يسعي‮ ‬بجِدٍ‮ ‬وكدٍ‮ ‬لتحطيم أوثان التقاليد في‮ ‬العقول وذم قيود التزمت والتشدد بالتمرد الدائم والمستمر من أجل تغيير العالم ونقل الواقع القائم نحو المتخيل الأفضل‮.‬

 

محسن الميرغني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here