اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المندرون‮.. ‬والملهاة المرتجلة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

نحن شديدو الولع بكل ما‮ ‬يأتينا من الغرب وخاصة في‮ ‬الفن بشكل عام وفي‮ ‬فن التمثيل وفن المسرح بشكل خاص‮ ‬, فنحن تلاميذ مجتهدون لكل المناهج الغربية التي‮ ‬تهل علينا عبر المدارس الفنية المختلفة وسرعان ما نتأثر بكل مايقوم به أصحاب القبعات المرتفعة من تجارب مسرحية نتبناها فيما بعد في‮ ‬مناخنا العربي‮ ‬ونقيم لها الورش التدريبية ونتطوع للدفاع عن مبادئها ونصبح سدنة لمعابدها عندنا حتي‮ ‬تتغير في‮ ‬الخارج لنتغير معها بالتبعية ونختلف حتي‮ ‬عن أنفسنا من جديد‮ . ‬ومن الأشكال الحديثة التي‮ ‬وردت إلينا عبر شاشات التليفزيون ما‮ ‬يسمي‮ ( ‬إستاند آب كوميدي‮ ) ‬حيث‮ ‬يقف ممثل وحيد ليواجه الجمهور ويبدأ في‮ ‬الترفيه عنهم وإضحاكهم من خلال نص مكتوب ومُعد مُسبقاً‮ ‬لهذا الغرض ويبدأ الممثل في‮ ‬دغدغة حواس الجمهور حتي‮ ‬يجني‮ ‬منهم بعضاً‮ ‬من التصفيق والتهليل والقليل من الضحكات‮ ‬غير المكتملة والتي‮ ‬تخرج في‮ ‬كثير من الأحوال بشكل مجامل لهذا الممثل الذي‮ ‬يواجه بمفرده جمهورا‮ ‬ً‮ ‬جاء بغرض الفرفشة والترويح عن النفس‮ . ‬هذا الشكل الفني‮ ‬قد سبق للمجتمعات العربية القديمة أن عرفته حيث كان من عادة الملوك قديما‮ ‬ً‮ ‬أن‮ ‬يستدعوا في‮ ‬مجالس الأًنس الخاصة بهم من‮ ‬يضحكهم ويسليهم ويجلب لهم البهجة والسرور أو من‮ ‬يسامرهم بأنواع قصص السمر والحكايات الغريبة المضحكة‮ ‬, ومجموعة المُندّرين كانت بالطبع من الجماعات التي‮ ‬يؤول إليها إلقاء النكات وتقديم الأفعال المضحكة لإضحاك الملوك‮ ‬, وكان‮ ‬يتحتم علي‮ ‬المُندّر أن‮ ‬يبهر العقول ويلهب في‮ ‬المستمعين نيران العواطف ليجذبهم إليه‮ . ‬ويجب علي‮ ‬المُندّر أيضا‮ ‬ً‮ ‬أن‮ ‬يتمتع باللباقة وطلاقة اللسان والتمتع بالثقافة الواسعة والمعرفة التامة المستفيضة لأحوال السامعين وطبائعهم ليستطيع من خلال معرفته تلك أن‮ ‬يقرأ ما بداخلهم ويتمكن من فك الشفرات والرموز النفسية لمشاهديه وأن‮ ‬يكون علي‮ ‬دراية بالأخبار والحوادث والسير الشعبية والحروب والانتصارات والأساطير والأمثال الدارجة والأشعار فهو في‮ ‬النهاية‮ ‬يعتبر المُعلم ناقل الخبرات وصانع الأعاجيب‮ ‬, ويمكن وصفه حديثا‮ ‬ً‮ ‬بأنه نوع من الممثلين النادرين الذين‮ ‬يُصيغون ويصنعون موضوعاتهم ويؤدونها بأنفسهم‮ ‬, أي‮ ‬أنه ممثل مرتجل‮ . ‬فالمُندّرون هم أصحاب النوادر والمُلح ولديهم القدرة علي‮ ‬المحادثة والمضاحكة لمجالس علية القوم والحكام والأمراء‮ ‬– والمُندّر إذا كان‮ ‬يماثل في‮ ‬عمله الممثل المرتجل المضحك إلا أنه‮ ‬يختلف معه في‮ ‬كونه‮ ‬يذهب إلي‮ ‬جماهيره حيث هم ليحصل علي‮ ‬عطاياهم بالصورة التي‮ ‬يقررونها بأنفسهم‮ ‬– وربما عاش المُندّر عالة علي‮ ‬أسرة ميسورة الحال بعينها أو علي‮ ‬مجموعة من الأسر الثرية التي‮ ‬تستطيب حديثه ومعشره‮ ‬– كما كان علي‮ ‬المُندّر أن‮ ‬يجيد فن التمثيل الصامت ويمتلك القدرة علي‮ ‬السيطرة علي‮ ‬عضلات وجهه وجسده بالكامل‮ ‬, فهو فنان للملهاة المرتجلة التي‮ ‬لايعلم هو إلي‮ ‬أي‮ ‬مدي‮ ‬سيذهب به الارتجال وما سوف تفرضه الظروف الطارئة في‮ ‬كثير من الأحيان‮ . ‬ولابد كذلك أن‮ ‬يكون حاضر النكتة سريع البديهة صاحب حديث مؤثر في‮ ‬العامة والخاصة وقد‮ ‬يكون مُغنيا‮ ‬ً‮ ‬وملحنا‮ ‬ً‮ ‬, كما كان المُندّر‮ ‬يبتكر أنواعا‮ ‬ً‮ ‬من الملابس المضحكة والتي‮ ‬تثير الضحك بمجرد رؤيتها أو ارتدائه لها كما فعل‮ ( ‬أشعب‮ ) ‬عند دخوله علي‮ ‬الوليد بن‮ ‬يزيد بدمشق‮ ‬– فقد لبس تبانا‮ ‬ً‮ ( ‬سروال قصير‮ ‬يصل إلي‮ ‬الركبتين‮ ) ‬وجعل في‮ ‬هذا التبان ذنب قرد وشد إلي‮ ‬رجليه أجراسا‮ ‬ً‮ ‬وعلق في‮ ‬عنقه جلاجل مثل جلاجل الخيل‮ ‬– وقد تذكرنا هذه الحالة بحال مهرجي‮ ‬الملوك والسلاطين في‮ ‬النصوص المسرحية أو ما‮ ‬يطلق عليه بهلول السلطان أو مُضحك الملك والذي‮ ‬كان في‮ ‬مقدوره أن‮ ‬يدس السم في‮ ‬العسل في‮ ‬أحيان كثيرة بعد أن‮ ‬يطلب الأمان من سيده والذي‮ ‬قد‮ ‬يعطيه الحق في‮ ‬التطاول علي‮ ‬الحاشية الخاصة أو الوزراء المقربين‮ . ‬ومرّ‮ ‬الوقت علي‮ ‬مجالس المُندّرين وتطورت أو تبدلت فقد أصبحت تعج بالضحك الرخيص الذي‮ ‬قد‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬الغمز واللمز كما كان في‮ ‬مجالس أبناء الرشيد الثلاثة‮ (‬الأمين والمأمون والمعتصم‮)‬،‮ ‬وكان‮ ‬يمثل المُندّرين في‮ ‬تلك العصور‮ ( ‬أبو العِبر‮ ) ‬والذي‮ ‬أدخل تطورا‮ ‬ً‮ ‬ملموسا‮ ‬ًعلي‮ ‬المجالس السابقة حيث أشرك معه أكثر من شخص لمساعدته وأكثر من شخص للقيام بأداء مؤثرات صوتية وكذلك أدخل الإكسسوارات الكثيرة والملابس الغريبة لخلق طُرفة ومشاهدة مسرحية مكتملة ضاحكة مُسلية‮. ‬ومن أشهر المُندّرين الذين ساهموا بدس السم في‮ ‬العسل من خلال تأليف مُسبق‮ ‬يروي‮ ‬حكاية عن إحدي‮ ‬الشخصيات التي‮ ‬يعرفها الجميع حيث‮ ‬يفتضح أمرها ويكشف بواطن شرورها للحاضرين دون مباشرة هو المُندّر‮ ( ‬علوية‮ ) ‬المغني‮ ‬, حيث قام بتأليف حكاية عن القاضي‮ ‬الخلنجي‮ ‬ووزعها علي‮ ‬الزفافين والمخنثين الذين أظهروا تلك الحكاية بتشخيصهم لها فتم لهم فضح القاضي‮ ‬الخلنجي‮ ‬حتي‮ ‬أنه استعفي‮ ‬من القضاء ورحل عن المدينة‮ ‬– وهنا نجد صورة درامية كاملة حيث التأليف والتجسيد بإبداع ونقل عيوب وسلوك الشخص المسيء إلي‮ ‬العامة‮ ‬– فقد قدم لنا‮ (‬علوية‮) ‬نقدا‮ ‬ً‮ ‬ساخرا‮ ‬ًعن القاضي‮ ‬الخلنجي‮ ‬بعد اشتهار أمره بين الناس وانتشار القصة بين العامة حتي‮ ‬فطنوا إلي‮ ‬المقصود منها وشاع الأمر بينهم حتي‮ ‬أحدثت تلك الحادثة تأثيرها الاجتماعي‮ ‬باستعفاء القاضي‮ ‬من منصبه مما‮ ‬يدل علي‮ ‬أن ما تم تقديمه من فن كان علي‮ ‬درجة عالية من الجودة والإتقان وإلا ما كان له هذا الأثر الاجتماعي‮ ‬البالغ‮ ‬– وربما كانت تلك الحادثة واحدة من الحالات النادرة التي‮ ‬كُتب لها نص مسبقا‮ ‬ً‮ ‬حيث كان المُندّرين الأوائل‮ ‬يعملون بلا تحضير وبدون نص مكتوب وكان جمهورهم‮ ‬يعرف أن ما‮ ‬يقوله المُندّر ليس مكتوبا‮ ‬ً‮ ‬ويكفي‮ ‬أن‮ ‬يكون موضوعا‮ ‬ً‮ ‬معروفا‮ ‬ً‮ ‬من قِبلهم ولكنهم‮ ‬يشاهدون الأداء حيث المتعة والفائدة والتسلية في‮ ‬وجبة فنية دسمة‮ . ‬ومن نماذج المُندّرين العرب‮ (‬سعد القرقرة‮) ‬مضحك النعمان بن المُنذر قبل الإسلام و(دبية‮) ‬و(الغاضري‮) ‬بعد الإسلام ثم‮ (‬أشعب‮) ‬الذي‮ ‬اشتهر بفضوله ونوادره المضحكة ومواقفه الكوميدية المتعددة وهو‮ (‬شعيب بن جبير‮) ‬و‮ (‬عبيد بن أشعب‮) ‬و‮ (‬عثمان بن دراج‮) ‬المُكني‮ ‬بأبي‮ ‬سعيد و‮ (‬أبو الشبل البجمي‮) ‬و‮ (‬عاصم بن وهب‮) ‬و‮ (‬حكم الوادي‮) ‬و(علوية‮) ‬و‮ (‬أبو العِبر‮) ‬و‮ (‬أبو صدقة‮)  ‬وغيرهم الكثير‮ ‬, ومن الشخصيات التي‮ ‬أسكنها المؤلف المسرحي‮ ‬علي‮ ‬أحمد با كثير إحدي‮ ‬مسرحياته شخصية‮ (‬أبو دُلامة‮) ‬والتي‮ ‬كتب لها نصا‮ ‬ً‮ ‬مسرحيا‮ ‬ً‮ ‬بنفس الاسم‮ . ‬كل هذه الأسماء تدفعنا حتما‮ ‬ً‮ ‬للبحث عن تاريخهم وثقافاتهم والأحوال السياسية التي‮ ‬عاشوا فيها لنستبين نوعا‮ ‬ً‮ ‬من الفن العربي‮ ‬القديم‮ ‬يمكننا تقديمه اليوم بشكل قد‮ ‬يكون جديدا‮ ‬ً‮ ‬ولكنه شكل مرتبط بتاريخنا العربي‮ ‬حيث الملابس والديكورات العربية والزخارف العربية والموسيقي‮ ‬العربية والأهم من كل ماسبق هو استرجاع ملوك تلك العصور وإلقاء الضوء علي‮ ‬المناخ السياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬حكموا شعوبهم العربية من خلاله‮ ‬– فمن ليس له قديم ليس له جديد‮ ‬– حسبنا نعيد إلي‮ ‬الأذهان تلك الشخصيات المتفردة من أصحاب الأسماء الفنية التي‮ ‬تنبئ عن منهجهم الفني‮ ‬مثل شخصية‮ (‬أبو لمعة الأصلي‮) ‬والتي‮ ‬قدمها الفنان الراحل محمد أحمد المصري‮ ‬في‮ ‬الإذاعة المصرية حديثا‮ ‬ً‮ ‬– ومن هنا‮ ‬يمكننا إعادة استنبات بعض الشخصيات العربية القديمة في‮ ‬إطار اجتماعي‮ ‬سياسي‮ ‬حديث لتقديم النوادر العربية في‮ ‬إطار مسرحي‮ ‬غير مكلف ولا‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬العلبة الإيطالية في‮ ‬شيء ولا‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬التقنيات الحديثة سواء في‮ ‬الإضاءة أو في‮ ‬الموسيقي‮  - ‬وقد‮ ‬يكون لكل محافظة من محافظات مصر شخصيتها الخاصة بها كشخصية‮ (‬أبو العربي‮) ‬البورسعيدية،‮ ‬أو شخصية‮ (‬حمو‮) ‬الإسكندرانية أو شخصية‮ (‬أبو عجور‮) ‬في‮ ‬صعيد مصر أو شخصية‮ ( ‬زقزوق‮ ) ‬في‮ ‬الشرقية‮ ‬, أو علي‮ ‬الأقل قد توجد شخصية لكل إقليم ثقافي‮ ‬في‮ ‬مصر والشخصيات كثيرة والأسامي‮ ‬أكثر والنوادر والمُلح موجود منها القديم والجديد والمستحدث‮ ‬, كما أن طبيعة المُشاهد العربي‮ ‬تسمح بظهور تلك الشخصيات التي‮ ‬يمكنها تقديم عروض جماهيرية‮ ‬غير مكلفة‮ ‬– ومازال الباب مفتوحا‮ ‬ً‮ ‬لفرقة مسرح الساحة بالبيت الفني‮ ‬للمسرح للاستفادة من هذا الإرث الوفير‮ ‬– وقد‮ ‬يكون هناك فريق كامل من المُندّرين‮ ‬يستطيع تقديم سهرة مسرحية كوميدية دون الاعتماد علي‮ ‬نص مسرحي‮ ‬مكتوب‮ ‬, وقد تستوعب تلك السهرة مشاركة جمهور العرض فيما‮ ‬يُقدم‮ ‬– ويمكن أيضا‮ ‬ً‮ ‬تقديم صراع بين المُندّرين‮ ‬يشبه المبارزة الفنية التي‮ ‬تتم في‮ ‬فن الموّال الأحمر الذي‮ ‬يتراشق فيه اثنان من الشعراء المداحين أو المغنيين حفظة الأعمال الشعرية الهجائية والمرتجلين لها‮ . ‬المهم في‮ ‬هذا الموضوع هو البحث الدائم عن تلك الكنوز الفنية المدفونة والمطموسة المعالم ومحاولة الاستفادة منها علي‮ ‬مستوي‮ ‬الشكل والمضمون‮.‬

 

فتحي‮ ‬الكوفي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here