اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الأدباتية نواة للمسرح الشعبي‮ ‬الهزلي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الأدباتية هي‮ ‬صيغة الجمع من أدباتي‮ ‬والأدباتي‮ ‬هو اللفظ الدارج الساخر لكلمة أديب‮ ‬، والأدباتية طائفة من الفنانين الشعبيين الذين‮ ‬يتمتعون بقدرة فائقة علي‮ ‬ارتجال الشعر والتحاور بشكل مُقفي‮ ‬بل والتسول من خلال أبيات تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬الشعر الفكاهي‮ ‬أو الحلمنتيشي‮ ‬كما أُطلق عليه فيما بعد وهذه الطائفة كانت تنتشر في‮ ‬المدن الصغيرة في‮ ‬المواسم والموالد وفي‮ ‬الأرياف في‮ ‬أعقاب مواسم الحصاد لاستجداء الأهالي‮ ‬بشعرهم الفكاهي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬والزجل الساخر الذي‮ ‬يتناول العادات والتقاليد بالنقد الساخر ومن ذلك حديثهم عن زوج الاثنين أو حماة الزوج التي‮ ‬تتسبب في‮ ‬خلق المشاكل لزوج إبنتها أو الزوجة الغبية التي‮ ‬لا تنتهي‮ ‬طلباتها‮ ‬غير الضرورية أو التي‮ ‬تغير‮ ‬غيرة عمياء‮  ‬علي‮ ‬زوجها مما‮ ‬يتسبب في‮ ‬خراب البيوت أو تلك التي‮ ‬تعشق تقليد الأخريات في‮ ‬كل شيء ظاهري‮ ‬سواء كان هذا التقليد في‮ ‬مصلحتها أو ضد مصلحتها وفي‮ ‬نفس الوقت لا تهتم ببيتها ونظافته من الداخل ولا بأولادها أو زوجها‮ ( ‬من بره الله الله ومن جوة‮ ‬يعلم الله‮ ) ‬وكذلك الزوج المغفل الذي‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬ما‮ ‬يدور في‮ ‬بيته من وراء ظهره‮ ‬، وهم‮ ‬يقصدون من وراء ذلك طرح القصص الظريفة والمسلية التي‮ ‬يضحك عليها من‮ ‬يستمع إليها من جمهورهم ثم‮ ‬يجزل لهم في‮ ‬العطاء‮ . ‬والأدباتية فريق‮ ‬يكون عدده ثلاثة أفراد أو أكثر‮ ‬يتوسطهم شيخ الأدباتية وهو ضخم الجثة في‮ ‬الغالب الأعم وهو من‮ ‬يتولي‮ ‬الإنشاد ثم تتبعه البطانة التي‮ ‬تقوم بالترديد من خلفه لما‮ ‬يقول أو تردد مردات فقط بشكل متكرر،‮ ‬وكان شيخ الأدباتية‮ ‬يحمل آلة موسيقية تشبه‮ ( ‬بازة‮ ) ‬المسحراتي‮ ‬وهي‮ ‬عبارة عن حق من النحاس مشدود عليها رق من جلد السمك ويدق عليها بقطعة من الجلد السميك وهي‮ ‬تصدر صوتا"رنانا‮" ‬عاليا"مكون من مجموعة من‮ ( ‬الدمات‮ ) ‬التي‮ ‬قد لا تتغير من لحن إلي‮ ‬آخر فكل الكلام مُوقع بشكل واحد تقريبا‮ " ‬، وكان فريق الأدباتية‮ ‬يقوم بصباغة وجوههم باللون الأبيض‮ ( ‬دقيق في‮ ‬الغالب‮ ) ‬ويقومون بالتخطيط عليه باللون الأصفر والأحمر إمعانا‮" ‬في‮ ‬تقديم صورة كاريكاتورية لهم وكانت ملابسهم تتكون مما‮ ‬يشبهه البرنوسة‮ ( ‬عباءة مغربية‮ ) ‬وتكون أيضا‮" ‬من قماش مخطط بخطوط طولية ملونة‮ ( ‬أقلام‮ ) ‬، وكانوا‮ ‬يضعون علي‮ ‬رؤوسهم طرابيش حمراء بلا خوصة ويتم كبس تلك الطرابيش علي‮ ‬الرأس حتي‮ ‬تصل وتغطي‮ ‬الأذنين في‮ ‬شكل ساخر مضحك‮ ‬، وأهم مايميز تلك الطرابيش هو‮ ( ‬الزر‮ ) ‬الطويل جدا‮" ( ‬زر مغربي‮ ‬أيضا"مبالغ‮ ‬في‮ ‬طوله‮ ) ‬والذي‮ ‬ينتهي‮ ‬في‮ ‬معظم الأحوال بكرة من القماش الملون تتحرك في‮ ‬كل اتجاه عندما‮ ‬يتمايل الأدباتي‮ ‬برأسه أثناء الغناء وكأن حركة الكرة أو الزر هي‮ ‬صورة مرئية للإيقاع الذي‮ ‬يعزفونه مصاحبا‮ " ‬للغناء‮ . ‬كانت طائفة الأدباتية تبدأ كلامها بالحمد لرب العالمين كالتالي‮ ( ‬الحمدو لربن مقتدري‮ .. ‬خلق الأوراقا علي‮ ‬الشجري‮  ‬وهي‮ ‬افتتاحية إجبارية ويمكن أن تشمل الصلاة علي‮ ‬النبي‮ ( ‬صلي‮ ‬الله عليه وسلم‮ ) ‬كالتالي‮ ( ‬الحمدو لربي‮ ‬العالمينا‮.. ‬وصلاتون ع الهادي‮ ‬نبينا‮ ) ‬ثم تبدأ الفرقة في‮ ‬استعراض الموضوع النقدي‮ ‬الساخر كالتالي‮ ( ‬أنا الأديب الأدباتي‮ .. ‬غلب حماري‮ ‬مع مراتي‮ ( ‬قرعه وعاملالي‮ ‬زواتي‮ .. ‬ونفسها تلبس حبرة‮ ) ‬أو‮ ( ‬أنا الأديب المتصيت‮ .... ‬اتجمع بقي‮ ‬ولا تعيط‮ ) ‬إلهي‮ ‬عقلك‮ ‬يتخيط‮ .. ‬وعليا كمان لضم الإبرة‮ ). ‬وكانت طائفة الأدباتية تعد طائفة شعراء هزليين وربما كانوا هم ورثة المداحين الذين اعتادوا مدح أسيادهم من الحكام والأمراء والتغني‮ ‬بمحاسنهم بغية العطاء‮ ‬غير المحدود وإذا لم‮ ‬يرضوا بما أُعطوا تحول مديحهم إلي‮ ‬الهجاء‮ ‬، فقد كانت هناك طائفة من الأدباتية تسمي‮ ‬طائفة المواوية تقف أمام أبواب أهل القرية بابا‮" ‬بابا‮" ‬تمدح رب البيت بإسمه حتي‮ ‬تري‮ ‬المنح والهدايا والعطايا فإذا ما كان عطاء رب البيت جزلا‮" ‬زاد المديح‮  ‬والثناء أما إذا كان العطاء ضئيلا‮" ‬انقلب المديح إلي‮ ‬هجاء لاذع وساخر ومحتويا‮ "‬علي‮ ‬الألفاظ التي‮ ‬استخدمها أهل البيت في‮ ‬الرد عليهم‮ ‬، ولذا فقد كان الناس‮ ( ‬خاصة علية القوم‮ ) ‬يتجنبون هجاءهم بجزل العطايا والمنح لهم‮ . ‬كما اشتهر الأدباتية بقلب الشعر الجاد إلي‮ ‬شعر ساخر مضحك فكانوا‮ ‬يعارضون معني‮ ‬القصائد الجادة ويوافقون وزنها وقد كان لحسن الحظ التسجيل الوثائقي‮ ‬لما حدث بين عبد الله النديم ومجموعة من الأدباتية بمجلة‮ ( ‬الأستاذ‮ ) ‬الدور الكبير في‮ ‬حفظ الكثير من المناظرات الأدبية‮  ‬والشعر الذي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬حضور البديهه واللجاجة في‮ ‬الطلب والإلحاح في‮ ‬السؤال‮ ‬، حيث إلتقي‮ ‬عبد الله النديم أثناء إقامته بمدينة طنطا مع اثنين من الأدباتية بادروه بالسؤال‮ ( ‬أنعم بقرشك‮ ‬يا جندي‮ .. ‬ولا اكسناأماليافندي‮ ) ‬إلا أنا وحياتك عندي‮ .. ‬بقي‮ ‬لي‮ ‬شهرين جوعان‮ ) ‬فرد عليه النديم علي‮ ‬سبيل المزاح‮  ( ‬أمافلوس أنا ماديشي‮ .. ‬وإنت تقوللي‮ ‬مامشيشي‮ ) ‬يطلع عليا حشيشي‮ .. ‬أقوم أملصلك لودان‮ ) ‬، واستمرت مناظرتهم لما‮ ‬يقارب الساعة مما دفع شاهين باشا‮ (‬وهو الباشا الذي‮ ‬كان‮ ‬يقيم عنده النديم بطنطا‮ ) ‬إلي‮ ‬استدعاء شيخ الأدباتية الشيخ داوود والحاج إسماعيل وهم من أمهر الأدباتية المعروف عنهم قدرتهم علي‮ ‬الارتجال لعقد مباراة‮ ‬يحضرها لفيف من المدعويين للضحك والاستمتاع‮ ‬، وكانت هذه المباراة مشروطة بدفع ألف قرش صاغ‮ ‬للأدباتية حال فوزهم أو ضربهم بالكرباج حين خسارتهم أمام عبد الله النديم‮ ‬، وبدأت المبادرة من الشيخ داوود بقوله‮ ( ‬أول كلامي‮ ‬حمد الله‮ .. ‬ثم الصلاتو علي‮ ‬الهادي‮ ) ‬ماذا تريد‮ ‬ياعبد الله‮ .. ‬قدام أميرنا وأسيادي‮ ) ‬فرد عليه النديم علي‮ ‬الفور‮ ( ‬أنا أريد أحمد ربي‮ .. ‬بعد الصلاة علي‮ ‬المختار‮) ‬وإن كنت تطمع في‮ ‬أدبي‮ .. ‬أسمعك حُسن الأشعار‮ ) ‬واستمر النديم‮ ‬يساجلهم في‮ ‬كل بحور الشعرحتي‮ ‬عجزوا جميعا‮" ‬بعد ما‮ ‬يزيد علي‮ ‬الساعات الثلاث وعندها عدل الباشا شاهين عن ضرب الأدباتية وأكتفي‮ ‬بإعطائهم نصف الألف قرش فقط لا‮ ‬غير‮ . ‬وحديثا‮" ‬قدم الفنان حسين طنطاوي‮ ‬علي‮ ‬نسق الأدباتية برنامجه الأشهر‮ ( ‬مع السمسمية‮ ) ‬في‮ ‬الإذاعة المصرية من إخراج بابا شارو‮ ( ‬محمد محمود شعبان‮) ‬وأداء وغناء فنان المونولوج‮ ( ‬سيد الملاَح‮ ) ‬مستعينا‮" ‬بآلة السمسمية البورسعيدية بدلا‮" ‬من طبلة الأدباتي‮ ‬وقدم ومضات رمضانية كان الناس‮ ‬يتابعونها‮ ‬يوميا‮" ‬باهتمام كبير وكانت تغطي‮ ‬الكثير من الموضوعات الاجتماعية النقدية ومنها علي‮ ‬سبيل المثال‮ - ‬السيجارة في‮ ‬رمضان‮ - ‬ليلة القدر‮ -‬افرح بالعيد والتي‮ ‬قال فيها‮ ( ‬ودع رمضانا إذا ولا‮.. ‬وأفرح بالعيدي‮ ‬إذا هلا‮ ) ‬وبنظرة عامة علي‮ ‬تلك الطائفة‮ (‬الأدباتية‮) ‬التي‮ ‬كان عملها‮ ‬يندرج تحت التسول والاستجداء ولكن بطلاقة لسان في‮ ‬الشعر والزجل والارتجال والظهور بمظهر مضحك ليتجمع من حوله العامة والإنشاد أو الغناء والعزف الموسيقي‮ ‬والأداء وتقسيم الطائفة إلي‮ ‬منشد ومرددين نستطيع أن نستثمر هذه الظاهرة المسرحية العربية التي‮ ‬لا تحتاج أيضا‮" ‬إلي‮ ‬مكان ثابت مغلق ويمكن لفرقة الساحة التابعة للبيت الفني‮ ‬للمسرح أن تتبني‮ ‬هذه الصورة المسرحية والتي‮ ‬يمكن من خلالها تقديم الكثير من العروض الشعبية الهزلية الساخرة التي‮ ‬تندرج تحت مسمي‮ - ‬الجروتسكية الأولية‮  -‬والتي‮ ‬استفاد منها عروض الفودفيل في‮ ‬أوربا ونحن بكل أسف تناسيناها وأهملناها وأصبحت من ذكرياتنا الفنية المخجلة‮ ‬_ طائفة الأدباتية تصلح لإعادة استنباتها اليوم فهي‮ ‬ظاهرة مسرحية عربية لا تحتاج إلي‮ ‬تقنيات أو تعقيدات أو تكنولوجيا ولا حتي‮ ‬مبالغ‮ ‬إنتاجية ضخمة‮.‬

 

فتحي‮ ‬الكوفي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٧

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here