اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الشخصية الدينية في‮ ‬الدراما‮ ... ‬مصادر متنوعة ومقاومة للتجريد

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

هناك إنجاز ما قد تحقق علي‮ ‬مستوي‮ ‬العقل العربي‮ ..  ‬إنجاز صامت برغم ثوريته‮ .. ‬وعميق وحاد برغم خفوته و دم بروز دلائل كبري‮ ‬عليه‮ ‬،‮ ‬إنجاز‮ ‬يبدو وكأنه ولد في‮ ‬هامش العقل الذي‮ ‬تهيمن عليه حالياً‮ ‬أصوات متشددة وتجريدية تنطلق من‮ ‬يقين بأن هناك أصل واحد ووحيد‮ ‬يمكن رد كل تجل إليه،‮ ‬كما تؤمن أن هذا الأصل قد وجد ومعه نقيضه الذي‮ ‬يحاربه ويناهضه‮ ‬،‮ ‬ينتعش في‮ ‬ظل خموده‮ ‬،‮ ‬ويتصاعد عند هبوطه‮ .. ‬أحياناً‮ ‬ما‮ ‬يطلق عليه النقيض‮ (‬الغرب‮) ‬،‮ ‬وأحياناً‮ ‬ما‮ ‬يطلق عليه بلفظ فضفاض و‮ ‬غائم‮ (‬أعداء الإسلام‮ ).... ‬ولكن ذلك الإنجاز‮ ‬يبدو وكأنه قد تخطي‮ ‬تلك الهيمنة الظاهرية وحفر لنفسه مسار وأوجد حقول ومجالات عمل بعيداً‮ ‬عن الخطاب الديني‮ ‬المتشدد أو حتي‮ ‬التقليدي‮. ‬
ربما‮ ‬يبدو لفظ إنجاز وكأنه ترحيب تبشيري‮ ‬،‮ ‬وربما‮ ‬يبدو أيضاً‮ ‬تضخيما من حجم مسلسل ديني‮ ‬يتناول شخصية واحد من كبار الصحابة وثاني‮ ‬خلفاء الراشدين‮ (‬عمر بن الخطاب‮) ‬،‮ ‬ولكن وعلي‮ ‬الرغم من ذلك فإن ما‮ ‬يقصد هنا من ذلك اللفظ هو التأكيد علي‮ ‬بروز حدث جديد داخل الخطاب الديني‮ ‬والاجتماعي‮ ‬للحد الذي‮ ‬جعل من الممكن أن‮ ‬يعرض علي‮ ‬شاشات التلفزة العربية مسلسل‮ ‬يتناول شخصية لطالما ظلت محرمة علي‮ ‬التجسيد سواء عن طريق الرسم أو الأداء‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أن هناك تراكما ما قد تحقق داخل العقل العربي‮ ‬خلال سنوات أو قرون جعل من الممكن أن تتخطي‮ ‬العقلية المسلمة‮/ ‬السنية التجريد الذي‮ ‬كانت تحيا فيه وتهبط إلي‮ ‬عالم التجسيد‮ .‬
ومن هنا فإن ما نقصده بالإنجاز هو تحقق لتحول عميق وإضافة لممكنات جديدة وإمكانيات جديدة‮ .. ‬وهو ما‮ ‬يتجاوز بالطبع أي‮ ‬مسلسل‮ .‬
ويمكن لتفهم طبيعة وحجم ذلك التحول الابتعاد قليلاً‮ ‬عن ذلك الاشتباك اليومي‮ ‬والمرير بين القوي‮ ‬السياسية المتناحرة والعودة إلي‮ ‬زمن‮ ‬يبدو أكثر استقراراً‮ ‬ومحسوم لصالح قوة عسكرية مهيمنة تفرض خطابها وأفكارها علي‮ ‬المجتمع وتقوم بقمع أي‮ ‬خطاب معارض‮ ‬،‮ ‬ونقصد هنا فترة الستينيات حين كانت الدولة تتبني‮ ‬خطا اشتراكيا قوميا صريحا وتحمل عداء دمويا تجاه أي‮ ‬مشروع مخالف حتي‮ ‬لو كان ذلك الخلاف شديد الخفوت‮ .‬
في‮ ‬ذلك الوقت وتحت سيطرة تلك الدولة‮ (‬التي‮ ‬تبدو منتمية لقيم مناهضة لقيم الإسلام السياسي‮) ‬منع عرض‮ (‬الحسين ثائراً‮) ‬للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي‮ ‬والمخرج كرم مطاوع‮ ‬،‮ ‬وذلك لاعتراض الرقابة والأزهر علي‮ ‬تجسيد شخصية‮ (‬الحسين بن علي‮) ‬علي‮ ‬خشبة المسرح‮ .. ‬وهو ما واجهه المخرج بأن قام بمد فترة البروفات وعرض المسرحية لمدة ثلاثين‮ ‬يوماً‮ ‬تحت مسمي‮ (‬بروفة جنرال‮ / ‬نهائية‮) ‬ودعوة الكثير من المهتمين والمثقفين الإعلاميين لحضور العرض تحت ذلك الستار‮ ... ‬ولكن علي‮ ‬المستوي‮ ‬الرسمي‮ ‬فإن العرض منع من العرض ولم‮ ‬يفتح أبوابه للجمهور‮.‬
من هنا تبرز قوة وثورية عرض مسلسل‮ ‬يتناول شخصية من كبار الصحابة في‮ ‬ذلك الوقت‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يستدعي‮ ‬البحث في‮ ‬المصادر التي‮ ‬جعلت من الممكن لذلك المسلسل أن‮ ‬يكتب ويقدم عبر شاشات التلفزة‮ ‬،‮ ‬بل وفي‮ ‬المصادر التي‮ ‬جعلت من الممكن أن‮ ‬يتم التفكير في‮ ‬تقديم تلك الشخصية عبر الدراما التليفزيونية من الأساس‮ .. ‬علي‮ ‬الرغم من ذلك الصعود الكبير للتيار الديني‮  ‬سواء السياسي‮ ‬أو العقائدي‮ .. ‬وهو ما‮ ‬يمكن أن تتصاعد قيمته الثورية عبر تحليل الخطاب النقدي‮ ‬و الإعلامي‮ ‬المصاحب له والذي‮ ‬استخدم لعبارات التيار المتشدد وأحتلها وقام بإعادة تكوين الحقل الذي‮ ‬تتحرك فيه للدفاع عن المسلسل‮ .‬
ولعل أول تلك المصادر هو تخلص الإعلام التدريجي‮ ‬من هيمنة الدولة المباشر‮ .. ‬فعلي‮ ‬خلاف المسرح الذي‮ ‬كان ولم‮ ‬يزل إلي‮ ‬الآن تحت الرعاية والرقابة الاجتماعية والسياسية وهيمنة الدولة عليه‮ ‬،‮ ‬فإن الدراما التليفزيونية تحررت من تلك الرقابة المباشرة وذلك الحضور المباشر و الصريح للنظام السياسي‮ ‬داخل المؤسسات الإعلامية‮... ‬وتحولها إلي‮ ‬فضاء مشترك متعدد الهويات‮ ‬يمكن فيه لطبق أستقبال التحرر من هيمنة الدولة المصرية أو السعودية بالانحراف جهة اليمين أو اليسار وبكبسة زر واحدة‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فإن تلك المساحات الجديدة التي‮ ‬اكتسبها الفضاء العربي‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬القنوات الفضائية أو علي‮ ‬مستوي‮ ‬الارتباط بالفضاء الإلكتروني‮(‬شبكة الإنترنت‮) ‬جعلت من الطبيعي‮ ‬تراجع السلطة الرقابية للمؤسسات الدينية فلم‮ ‬يعد للفتاوي‮ ‬المحرمة إنتاج أو مشاهدة الأعمال الفنية نفس القوة التنفيذية التي‮ ‬كانت تمتلكها في‮ ‬الماضي‮ ‬،‮ ‬ولم تعد هناك سلطات رقابية قادرة علي‮ ‬تنفيذ طلبات بعدم عرض أعمال بعينها وحجبها‮ .. ‬بل إن حتي‮ ‬الدعاوي‮ ‬القضائية لم تعد تمتلك ذات الصلاحية مع تمدد الفضاء وعدم وجود هيمنة كاملة لدولة عليه من ناحية وصعود قوي‮ ‬مناوئة لمنع أو حجب القنوات التليفزيونية حتي‮ ‬داخل التيارات الدينية المتشددة‮ .‬
أما ثاني‮ ‬تلك المصادر فهي‮ ‬تعود للوضع التاريخي‮ ‬الفريد الذي‮ ‬تمر به المنطقة وفتح المجال أمام كافة القوي‮ ‬لتطرح ذواتها وأفكارها في‮ ‬ظل حالة السيولة التي‮ ‬خلفتها الثورات العربية التي‮ ‬هدمت أنظمة القمع الكبري‮ ‬في‮ ‬المنطقة كما وضعت مشروع الإسلام السياسي‮ ‬تحت تهديد حقيقي‮ ‬قد‮ ‬يفتته أو‮ ‬يكشفه‮ .. ‬وبالتالي‮ ‬صار من الطبيعي‮ ‬في‮ ‬ظل تحلل السلطة القديمة وجود مساحات حرة‮ ‬غير محكومة سواء بشكل مؤقت أو بشكل دائم‮ .‬
ثالث تلك المصادر‮ ‬يمكن أن نجده في‮ ‬تقلص المساحات الفارقة بين الثقافات في‮ ‬المنطقة وربما كان الحضور الكبير للدرامات التركية والإيرانية أثرا مباشرا في‮ ‬إتاحة الكثير من المحرمات علي‮ ‬الدراما العربية‮ ‬،‮ ‬فلقد ظهرت مسلسلات تحاكي‮ ‬الدراما التركية ذات التوجه الميلودرامي‮ ‬أو الرومانسي‮ ‬،‮ ‬كما ظهرت وبالمقابل درامات تليفزيونية تقدم موضوعات تاريخية ودينية بشكل ملحمي‮ ‬في‮ ‬محاكاة للدراما الإيرانية‮ .‬
والمحاكاة هنا ربما ترتبط بالمقام الأول بمحاولة استغلال العناصر الفنية‮  ‬التي‮ ‬أسهمت في‮ ‬نجاح تلك الدرامات ورواجها بين المتفرجين العرب‮ ‬،‮ ‬لكنها تعبر في‮ ‬مستوي‮ ‬آخر عن اكتشاف الفنانين والمبدعين العرب لوجود فراغ‮ ‬كبير شغلته تلك الدرامات الشرقية‮ (‬التركية‮ /‬الإيرانية‮) ‬ويكشف أيضاً‮ ‬عن وجود قوي‮ ‬داخل المجتمعات العربية تمتلك القدرة والصلاحية لفرض ذوقها الجمالي‮ ‬والفني‮ ‬برغم السلطات الدينية و المدنية المعارضة‮ .‬
وعبر تلك المصادر المباشرة‮ ‬يمكن أن نري‮ ‬عشرات المصادر والقوي‮ ‬التي‮ ‬ساهمت بشكل‮ ‬غير مباشر في‮ ‬إمكانية تحقق ذلك الإنجاز‮ .‬
ولكن ومن جانب آخر فإن تلك المصادر وتفاعلها تضع المسرح كفن حي‮ ‬ومباشر في‮ ‬مواجهة أزمته الحقيقية التي‮ ‬ربما لن‮ ‬يتمكن من تجاوزها قريباً‮ .. ‬أزمة علاقته بالمجتمع وسلطاته و كيفية إعادة ترتيب تلك العلاقات بما‮ ‬يهب المسرح أكبر مساحة من الحرية وأعمق اتصال ممكن مع المجتمع‮ .‬

 

محمد مسعد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٧

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here