اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الدراماتورج‮ .. ‬وسؤال الجدوي‮ ‬في‮ ‬المسرح المصري

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

قبل عقود عاد طلاب الدراسات العليا من أمريكا وأوربا‮ ( ‬وعلي‮ ‬وجه خاص ألمانيا‮ ) ‬حاملين معهم مصطلحاً‮ ‬شديد الغموض والإبهام‮ (‬الدراماتورج‮)‬،‮ ‬وربما عاد سبب‮ ‬غموضه‮ (‬في‮ ‬تلك المرحلة‮) ‬إلي‮ ‬ندرة المحاولات جادة لترجمة ذلك المصطلح إلي‮ ‬اللغة العربية باستثناء محاولة‮  ‬د‮. ‬محمد صديق‮ (‬رحمه الله‮) ‬والتي‮ ‬توقف فيها عند وصف الدراماتورج بأنه‮ (‬شيف‮/ ‬طباخ‮ ) ‬وعرفه بأنه شخص‮ ‬يقوم بجمع المكونات الأولية للعمل المسرحي‮ ‬وتقديم المنتج النهائي‮ ‬للمتلقي‮ . ‬وعلي‮ ‬ما في‮ ‬هذه المحاولة من طموح إلا أنها تظل قابعة في‮ ‬عالم الوصف الخارجي‮ ‬لمهنة‮ ‬غامضة وغير مفهومة ومتداخلة مع مهن مسرحية أخري‮ (‬المؤلف‮/ ‬المخرج‮ / ‬الناقد‮) ...  ‬وهو ما جعله تعريف هش وبدائي‮ ‬للغاية،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يزل‮ ‬يمثل نموذجاً‮ ‬مثالياً‮ ‬للمحاولات الأولي‮ ‬والأساسية التي‮ ‬حاولت طرح تلك الوظيفة علي‮ ‬دولاب العمل المسرحي‮.‬
وبالتأكيد فإن عدم وجود ترجمة أو تعريف مكتمل لتلك المهنة جعل من الممكن‮ (‬بل ومن الطبيعي‮) ‬أن‮ ‬يتم شغل المصطلح من قبل أقرب المهن الدرامية‮ (‬المعد الدرامي‮)‬
لم‮ ‬يتم الأمر بمثل تلك الدقة والوعي‮ ‬من جانب الممارسين للإعداد المسرحي‮ ‬،‮ ‬لكن شيوع المصطلح وضبابية معناه جعل من الممكن شغله كما حدث مع مصطلح السينوغرافيا علي‮ ‬سبيل المثال‮ .‬
ولكن مع مرور الزمن أصبح من الممكن‮ - ‬ونتيجة لتراكم الكتابات النقدية والتعليمية والمقالات التوضيحية والتفسيرية‮.. ‬إلخ‮ ‬– ‮ ‬أن‮ ‬يجد الباحث الكثير من المواد التعريفية لمصطلح الدراما تورج وتعريف لمهنة الدراماتورجية وتحديد لمهامه بل والمهارات التي‮ ‬يجب توافرها فيه‮ ‬،‮ ‬ويمكن بالعودة لمحرك البحث جوجل العثور علي‮ ‬الكثير من المواد التوضيحية بل والمفسرة للاختلافات الدقيقه بين مهنة الدراماتورجي‮ ‬الأمريكي‮ ‬والدراماتورجي‮ ‬الإنجليزي‮ ‬والألماني‮ .. ‬إلخ
ومن هنا ربما لم تعد هناك حاجة لترجمة المصطلح تماماً‮ ‬مثل مصطلح السينوغرافيا الذي‮ ‬توطن داخل اللغة المهنية الخاصة بالمسرحيين‮ ‬،‮ ‬لكن أزمة الدراماتورج الحقيقية وعلي‮ ‬خلاف السينوغراف أنه لم‮ ‬يستطع التوطن داخل المهنه المسرحية أو إيجاد موقع له بالعملية الإنتاجية للعدد‮ (‬علي‮ ‬الرغم من توطنه الاصطلاحي‮) ‬من الأسباب‮ ‬يمكن أن نجملها في‮:‬
أن أقرب مسمي‮ ‬وظيفي‮ ‬لمهنة الدراماتورج داخل منظومة مسرح الدولة تحتله وظيفة الباحث المسرحي‮ ‬وهي‮ ‬مهنة شديدة الفقر والجمود تتوقف عند حدود إبداء الرأي‮ ‬في‮ ‬العمل المسرحي‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬عدم وجود علاقة بينها وبين الهيكل الإنتاجي‮ ‬للعرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعل من الصدام بين الباحثين والإدارة الفنية أمراً‮ ‬اعتيادياً‮ ‬بسبب إصرار الباحثين علي‮ ‬تحويل تقاريرهم إلي‮ ‬جزء فاعل في‮ ‬الخطط الإنتاجية لمسرح الدولة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬حين تحاول الإدارة والفنانون التملص من تلك السلطة المتعالية علي‮ ‬العرض المسرحي‮ ‬والمفارقة لواقع عملية الإنتاج عبر تهميشها أو تفتيتها‮ .. ‬إلخ‮ . ‬وبالتالي‮ ‬فإن بزوغ‮ ‬مهنة الدراماتورج‮ ‬يصبح أمراً‮ ‬شديد الصعوبة بل‮ ‬يدخل في‮ ‬طور الاستحالة ما لم تعاد هيكلة دور الباحثين وإعطائهم مهام الدراماتورج أثناء البروفات والعرض‮.‬
علي‮ ‬مستوي‮ ‬الهواة والفرق المستقلة وغيرها من أشكال الإنتاج الفقير‮ ‬يصعب تخيل أثقال العرض المسرحي‮ ‬بمهنة جديدة خاصة وأن الفرق الصغيرة ربما لا تحتاج لكثير من المهام الإنتاجية والفنية التي‮ ‬يتحملها الدراماتورج في‮ ‬الفرق الكبيرة والمستقرة مالياً‮ ‬وهيكلياً‮ .‬
الادعاء الدائم بندرة العناصر الصالحة للقيام بدور الدراماتورج‮ .. ‬وعلي‮ ‬غرابة و سخف مثل تلك الادعاءات إلا أنها تستمد وجاهتها من عدم وجود عناصر فنية أو نقدية مؤهلة للقيام بعملية تحول مهني‮ ‬نحو الدراماتورجية‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعود بالتأكيد لعدم وجود موقع فني‮ ‬ومالي‮ ‬داخل العرض المسرحي‮ ‬يحقق دخلاً‮ ‬ماديًا ومعنويًا ملائمًا‮ ‬يدفع لظهور مشتغلين بتلك المهنة وإحداث حالة تنافسية فيما بينها‮.‬
مهنة الدراماتورج مهنة مثقلة لميزانية العرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬تفترض وجود إصدار مصاحب للعرض لتعريف المتفرج بالنص والكاتب وفريق العرض وكذلك تحليل للنص وتقديم للمدرسة الفنية التي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليها العرض‮ .. ‬إلخ وهو ما‮ ‬يتجاوز بالتأكيد الصورة البدائية للبامفيلت الذي‮ ‬تحتجزه الإدارة لكبار الزوار لتوفير المصاريف الإنتاجية‮ !!! ‬وكذلك فإن دخول الدراماتورج علي‮ ‬خط إنتاج العرض المسرحي‮ ‬يستدعي‮ ‬تقليل سرعة عجلة الإنتاج و كبحها مما‮ ‬يعني‮ ‬إطالة فترة البروفات‮ .. ‬هو أمر مزعج بالتأكيد للكثير من ممارسي‮ ‬المهنة بسبب سياسات الإفقار التي‮ ‬تجعل من فترة البروفات فترة مرهقة مالياًً‮ ‬لميزانية المشاركين بالعرض دون عملية تعويض حقيقي‮.‬
بالمجمل فإن مهنة الدراماتورج تظل خارج العملية الإنتاجية لدواعي‮ ‬إنتاجية ولعدم وجود مردود مادي‮ ‬لممارستها حتي‮ ‬وإن توافرت الخبرات الكافية.وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬تعطيل الدراماتورج كمهنة وتحويله إلي‮ ‬مصطلح‮ ‬يمكن التشدق به من جانب بعض ممارسي‮ ‬المهنة مصرياً‮ ‬وعربياً‮ .. ‬أو الدعوة لإيجاد المهنة دون محاولة تخطي‮ ‬الصعوبات التي‮ ‬تواجه شرعنتها داخل العملية الإنتاجية والقبول بها‮ .‬
من هنا ربما كانت الدعوة لتفعيل مهنة الدراماتورج ترتبط بالأساس بالفرق الكبيرة والمستقرة لكنها ومن جانب آخر تظل‮ ‬غائبة بسبب عدم توافر إرادة سياسية أو إدارية لتخليص تلك المهنة من سياسات الإفقار التي‮ ‬مارسها النظام السياسي‮ ‬السابق والتي‮ ‬تصاعدت بعد الثورة في‮ ‬ظل سحب هيمنة تيار معادي‮ ‬للفنون علي‮ ‬الواقع السياسي‮ .‬
وعليه فإن الدعوة لعودة مهنة الدراماتورج لابد أن تعني‮ ‬فيما تعني‮ ‬رفع سياسات الإفقار‮ ‬،‮ ‬إعادة هيكلة المنظومة الإنتاجية بما‮ ‬يكفل واقعًا جديدًا صالحًا لنمو تلك المهنة‮ ‬،‮ ‬تنمية فرع دراسي‮ ‬بالمؤسسات التعليمية‮ (‬المسرحية‮) ‬لتدريب وتكوين عناصر صالحة للقيام بمهنة الدراماتورج‮ (‬حتي‮ ‬لو كان ذلك‮ ‬يعني‮ ‬إضافة مادة جديدة لدارسي‮ ‬قسم الدراما والنقد المسرحي‮) ‬،‮ ‬إعادة هيكلة وتقنين وضع الباحثين للقيام بدورهم الأساسي‮ ‬داخل منظومة إنتاج العرض المسرحي‮ ‬وليس كعناصر هامشية أو استشارية أو في‮ ‬أفضل الأحوال نقدية معزولة عن عملية الإنتاج المسرحي‮ .‬
تلك مجرد افتراضات تستدعي‮ ‬وجود تحرك جماعي‮ ‬ومنسق بين مؤسسات عديدة‮ (‬إدارية،‮ ‬تعليمية،‮ ‬تشريعية،‮ ‬مالية‮.. ‬إلخ‮) ‬وهو أمر مستبعد حالياً‮ ‬أو في‮ ‬المستقبل القريب بسبب الحالة العدائية التي‮ ‬يواجه بها المسرح والتي‮ ‬تجعل من النظر إليه كسلعة تعاني‮ ‬الكساد هي‮ ‬الأكثر انتشاراً‮ ‬تستدعي‮ ‬إنشاء إدارات للتسويق وليس كمنتج إبداعي‮ ‬يعاني‮ ‬من فشل إنتاجي‮ ‬يستدعي‮ ‬إعادة هيكلة لمنظومته الإنتاجية ودعمه مالياً‮ ‬ليخرج من أزمته‮.‬
وحتي‮ ‬يصبح ذلك ممكناً‮ ‬فلا تحلموا بأن‮ ‬يكون هناك دراماتورج في‮ ‬المسرح المصري‮.‬
محمد مسعد‮            ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here