اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الدراما وتجسيد الصحابة والخلفاء الراشدين‮ ..‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

فعلها‮ (‬حاتم علي‮) ‬بقلم(وليد سيف‮) ‬ارتكبا سويا الجريمة،وجسدا صحابة الرسول،‮ ‬المسألة في‮ ‬رأيي‮ ‬ليست في‮ ‬التجسيد،‮ ‬ولكنها في‮ ‬عرض شخصيات لا‮ ‬يقدر واحد من أشباه الدعاة وملوك النفط ورؤساء الجمهوريات المتأسلمين أن‮ ‬يطعنوا في‮ ‬أفعالهم التي‮ ‬تظهر فعلا في‮ ‬الأحداث الدرامية ويراها المتفرجون كما‮ ‬يرون واقعهم،‮ ‬التجسيد‮ ‬يفضح أكاذيب الأدعياء ويعري‮ ‬السوءات،‮ ‬أشباه الدعاة‮ ‬يعرفون أن التجسيد سيعريهم فيصبحون بلا ستر ولا‮ ‬غطاء أمام جماهيرهم المتحررة من الخوف،‮ ‬احتكار الحقيقة والمعرفة كان سر تألق ونجومية‮  ‬الكاهن والشامان والساحر في‮ ‬قبائل وشعوب المجتمعات البدائية،‮ ‬قديما في‮ ‬مصر احتكر كهنة المعابد معرفة أسرار وطقوس الصلوات الدينية وحجبوها عن العامة،‮  ‬قاموا بها في‮ ‬الغرف المغلقة،‮ ‬واعتبروها سر سلطتهم التي‮ ‬يستحيل إظهارها للجميع،‮ ‬لذا كانوا ذوي‮ ‬سلطة مطلقة علي‮ ‬العقول والقلوب وحتي‮ ‬علي‮ ‬الحاكم الفرعون والملك المسمي‮ ‬بابن الإله،‮ ‬في‮ ‬العصور الوسطي‮  ‬داخل الكنيسة خطف الممثل المضحك والمهرج الأنظار من قساوسة الهيكل أثناء تجسيد مسرحيات المعجزات والأسرار فطردته الكنيسة،‮ ‬الممثل استخف بهم وبسلطتهم الزائفة وحررالنص،‮  ‬خارج الكنيسة ومن الشارع بدأ بعث الممثل الحقيقي‮ ‬في‮ ‬تاريخ الدراما الحديث،‮ ‬تشير كتب التاريخ إلي‮ ‬الممثلين المطاردين من سلطة الحاكم بتصريح من‮ ‬غشومية وسلطة رجل الدين علي‮ ‬العقول والقلوب،‮ ‬رجل الدين‮ ‬يكره الممثل لأنه‮ ‬يعريه ويكشف عوراته للناس،‮ ‬لأن الممثل‮ ‬يسخر منه ويكشف عيوبه وتناقضاته للناس،‮ ‬رجل الدين‮ ‬يحاول أن تبدو صورته مثاليا ملائكيا خالصا من كل عيب،‮ ‬حتي‮ ‬ولو كان فاسد العقيدة كافرا في‮ ‬سره بما‮ ‬يلقنه لبسطاء الناس من تراتيل،‮ ‬أن تكون نجما‮  ‬وتدر ألوفا من الدينارات والدولارات لمجرد ظهورك علي‮ ‬شاشة كفقيه وداعية ومبلغ‮ ‬للدعوة،‮ ‬أجدي‮ ‬مئة مرة من أن‮ ‬يؤدي‮ ‬ممثل عنك هذا الدور،‮ ‬شيوخ النفط‮  ‬وأشباه الدعاة‮ ‬يعشقون النجومية والتألق علي‮ ‬الشاشات،‮ ‬وفي‮ ‬قلوب البسطاء والفقراء الجهلاء قليلي‮ ‬الوعي‮ ‬والإدراك،‮ ‬الدراما تسحب البساط من تحت أقدامهم لأنها تسلبهم جمهورهم الفقير،‮ ‬الدراما تنير العقل إن كانت دراما فاعلة وجادة‮ ‬،وتجلي‮ ‬الوجدان إن لم تكن استهلاكية وعاهرة،‮ ‬لن تجد شيوخ النفط‮ ‬يهاجمون تعري‮ ‬ممثلة علي‮ ‬الشاشة بقدر ما‮ ‬يهاجمون تجسيد شخصيات حقيقية في‮ ‬التاريخ الإسلامي،‮ ‬إنهم‮ ‬يقفون عاجزين أمام تجسد من لا‮ ‬يستطيعون القدح فيهم كأنهم مغشي‮ ‬عليهم فهم لا‮ ‬يبصرون،‮ ‬في‮ ‬إحدي‮ ‬محاضرات مادة الدراما بالسنة الأولي‮ ‬لي‮ ‬بقسم الدراما سألت أستاذي‮ ‬د‮. ‬عبدالمعطي‮ ‬شعراوي‮ - ‬وهو من قدامي‮ ‬ورواد فقهاء أساتذة مادة الدراما اليونانية والرومانية في‮ ‬مصر‮- ‬لماذا نغفل أوجه الشبه بين القصص القرآني‮ ‬وبين الدرامات الشعبية والتاريخية للأساطير التي‮ ‬ندرسها ؟‮! ..‬قصة‮ " ‬يوسف وزليخا‮"  ‬و"هيبوليت‮" ‬،‮ ‬قصة‮ "‬إبراهيم وإسماعيل الذبيح‮ "‬،‮"‬أجاممنون وابنته إيفيجيينيا‮"  ‬وقصص أخري‮ ‬كثيرة بها من أوجه الشبه ما‮ ‬يشير أن هناك مصدرًا ما للفكرة سابقًا عن الآخر،‮ ‬الأسطورة تسبق الكتاب المقدس والقرآن في‮ ‬الوجود التاريخي،‮ ‬أستاذي‮ ‬ابتسم،‮ ‬كانت إجابته واضحة وصريحة‮ "...‬الابتعاد عما‮ ‬يثير المشاكل طوق نجاة في‮ ‬مصر‮.."‬،‮ ‬لم أقتنع وظللت أحرق روحي‮ ‬بحثا عن المبررات والدوافع والأسباب العقلية التي‮ ‬تقض دعاوي‮ ‬شيوخ النفط‮  ‬المتزمتين‮ - ‬أمثال محمد بن عبدالوهاب مبدع الوهابية‮- ‬بتحريم التجسيد للبشر الصالحين من الصحابة والأنبياء،‮ ‬القرآن‮ ‬يستخدم الحكي‮ ‬والتجسيد بالتصوير بكلمات ويضرب الأمثلة للناس لعلهم‮ ‬يعقلون،‮ ‬القرآن‮ ‬يعلمنا بالأمثال ويقول لنا إن النبي‮ ‬بشر مثلنا ولكنه‮ ‬يوحي‮ ‬إليه،‮ ‬أدعياء الدعاة وأشباه العلماء تجار الدين‮ ‬يقولون إن النبي‮ ‬والرسول‮  ‬والصحابة الصالحين سر مكنون وكنز مدفون،‮ ‬يوهمون البسطاء والأميين أنهم هم وحدهم معهم مفاتيح الكنز،‮ ‬هم فقط‮ ‬يملكون حق الحكي‮ ‬والشرح والتفسير والتأويل وكل من عداهم لا‮ ‬يملك هذا الحق،‮ ‬يحاولون أن‮ ‬يفعلوا مافعله كهنة المعابد قديما‮ ‬غير أنهم لا‮ ‬يدركون أن الإسلام لا‮ ‬يعرف الكهانة،‮ ‬في‮ ‬مرحلة مبكرة في‮ ‬السينما المصرية حاول‮ (‬يوسف وهبي‮)  ‬تقديم فيلم بإنتاج ضخم‮ ‬يؤدي‮ ‬فيه شخصية النبي‮ ‬محمد‮ (‬عليه الصلاة والسلام‮)‬،‮ ‬فقامت الدنيا وأثار الموضوع جدلاً‮ ‬هائلا‮ ‬،‮ ‬لم تتوقف الموجات الصادمة لعقول قصيرة البصر والتبصر بشأن قضية ظهور الأنبياء والشخصيات الدينية عموماً،‮ ‬في‮ ‬وسائط التعبير والتجسيد الدرامي‮ ‬المختلفة من مسرح وسينما إلي‮ ‬دراما تليفزيونية،‮ ‬فهذه الوسائط بحكم حداثتها لم تعرف أي‮ ‬اجتهادات وفتاوي‮ ‬من أئمة الفقه الإسلامي‮ ‬في‮ ‬زمن مؤسّسيه ورواده المعروفين لدعاة التحريم،‮ ‬لذلك لزم علي‮ ‬المعاصرين التشكيك في‮ ‬أحقية العالم المعاصر أن‮ ‬يناقش القضية في‮ ‬إطار تغير الوعي‮ ‬ومستوي‮ ‬الفكر والتفكير‮.‬
في‮ ‬نهاية الأربعينيات ثارت الدنيا ولم تقعد علي‮ ‬الباحث‮ (‬محمد أحمد خلف الله‮) ‬بسبب دراستة لموضوع‮ "‬الفن القصصي‮ ‬في‮ ‬القرآن الكريم‮"‬،‮ ‬الصراع كان سياسيا بالدرجة الأولي‮ ‬ولكن تم تغليفه بالدين ليكتسب قداسة،‮ ‬في‮ ‬ستينيات القرن الماضي‮ ‬كتب‮ (‬سيد قطب‮) ‬دراسته‮ "‬التصوير الفني‮ ‬في‮ ‬القرآن‮"‬،‮ ‬بالطبع تختلف زاوية الرؤية بينهما،‮ ‬ولكن المساس‮  ‬بالفكرة ومناقشة قضية مشروعية التجسيد في‮ ‬الدين الإسلامي‮ ‬لم‮ ‬يتغير موقعها في‮ ‬المجتمعات الإسلامية كثيرا،‮ ‬وحتي‮ ‬عقد الستينيات ظلت قضية مسرحية‮ "‬الحسين ثائرا‮.. ‬وشهيدا‮" ‬لـ‮ (‬عبدالرحمن الشرقاوي‮) ‬هي‮ ‬الأهم والأكثر شهرة ورواجا بين المشتغلين بالفن والدراما في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬كانت هذه هي‮ ‬الموجة الأولي‮ ‬التي‮ ‬نحرت في‮ ‬صخور العقول الغاشمة والغشيمة‮ ‬،‮ ‬ومع ظهور نسخة فيلم‮ "‬الرسالة‮" ‬لـ‮ (‬مصطفي‮ ‬العقاد‮) ‬في‮ ‬الثمانينيات ظهرت موجه جديدة من الاعتراضات علي‮ ‬ظهور شخصية‮ (‬حمزة بن عبدالمطلب‮) ‬وصحابة آخرين في‮ ‬الفيلم مما أخر ظهوره علي‮ ‬شاشات التليفزيون المصري‮ ‬والعربي،‮ ‬تلتها موجة‮ "‬يوسف شاهين‮" ‬بتقديمه فيلم‮ (‬المهاجر‮) ‬في‮ ‬بداية التسعينيات،‮ ‬القصة مطابقة تماما لقصة‮ ‬يوسف الصديق،‮ ‬السلطة الدينية ألزمت السلطة السياسية بوضع القضية في‮ ‬الدرج،‮ ‬فيما وضع‮ (‬شاهين‮) ‬نفسه في‮ ‬مصاف عظماء السينما العالمية،‮ ‬في‮ ‬العقد الأخير فرضت الدراما الإيرانية الموقف وقدمت قصصا مجسدة للأنبياء دون أن تظهر ملامحهم،‮ ‬في‮ ‬مصر هاجمت الكنيسة فيلمًا مصريًا سيظهر(السيد المسيح‮) ‬في‮ ‬نسخة مصرية،‮ ‬بالرغم من أنها لا تمانع في‮ ‬ظهوره في‮ ‬النسخ الغربية،‮ ‬الكنيسة لا تختلف عن الأزهر في‮ ‬موقفها،‮ ‬في‮ ‬العام الماضي‮ ‬ظهرت شخصيتا‮ (‬الحسن والحسين‮) ‬ابنا‮ (‬علي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب‮) ‬و(معاوية بن أبي‮ ‬سفيان‮)..‬التكنولوجيا حررت العقول والأبصار من سلطة الحجب والمنع الكنسي‮ ‬والأزهري،‮ ‬تماما كما حررت الشعوب من الظلم والبطش،‮ ‬حطمت كهنوت رجال‮ ‬يدعون أن فهمهم للدين هو الصواب الوحيد،‮ ‬فعلها(حاتم علي‮) ‬وفتح بوابة القرن الحادي‮ ‬والعشرين أمام الفن الذي‮ ‬أخلص ويخلص له منذ عقدين كاملين،‮" ‬الدش والإنترنت‮" ‬سحبا بساط الحقيقة من تحت أقدام شيوخ النفط وقساوسة السلطة،‮ ‬ووضعاه أمام أعين الحزب الأكبر شعبية في‮ ‬واقع الثورات العربية المتلاحقة(حزب الكنبة‮) .. ‬فعلها‮ (‬حاتم علي‮)  ‬وأظهر‮ (‬عمر ابن الخطاب‮) ‬و(أبوبكر الصديق‮) ‬و(عثمان بن عفان‮) ‬أبطالا من حم ودم‮..  (‬حاتم علي‮) ‬الذي‮ ‬قدم عربون كفاءة لجريمته الرائعة طوال عقد كامل من الإبداع القائم علي‮ ‬الكتابة الدرامية الجادة‮ ‬غير الاستهلاكية‮ ‬،‮ ‬منذ‮ (‬صلاح الدين‮ ‬– 2001 )(‮ ‬صقر قريش2002)(ربيع قرطبة‮ ‬ 2003 )(التغريبة الفلسطينية‮ ‬2004) (‮ ‬ملوك الطوائف‮ -‬2005 ‮  )‬ختاما بـ‮ (‬الملك فاروق‮ -‬ (2007وهو‮ ‬يرسم بقلم الشاعر(وليد سيف‮) ‬لوحاته الدرامية والفنية بتقنيات حركة وتصوير وسرد جديد ومختلف تماما عن الخرف المصري‮ ‬للدرامات الدينية والتاريخية المهترئة‮.‬

 

كتب‮: ‬محسن الميرغني‮ ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here