اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

حداثة شكسبير قراءات متعددة وثراء لا‮ ‬ينتهي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 


ويؤكد الباحث علي‮ ‬أن نقد‮ »‬صمويل جونسون‮« ‬كان آخر نقد لشكسبير‮ ‬يضعه فيه الناقد في‮ ‬سياقه ككاتب مسرحي‮ ‬لا كشخص‮ ‬غير عادي‮ ‬بكل ما تحمله هذه الصفة من مزايا وعيوب وقد اتخذ ما تلاه من نقد عدة تفسيرات،‮ ‬فالتفسيرات التقليدية الكلاسيكية كانت تربط بينه ككاتب وبين‮ »‬العصر الإليزابيثي‮« ‬الذي‮ ‬عاش فيه وجوهر رؤية المنتمين إلي‮ ‬تلك‮ »‬المدرسة النقدية‮« ‬أن شكسبير قد عبر في‮ ‬إبداعه عن رؤي‮ ‬عصره ولكنه‮ ‬يحرص مع ذلك علي‮ ‬إبراز خصال أو صفات إنسانية عامة لها علاقة بالعصر الحديث،‮ ‬أما بعض أنصار المدرسة الماركسية الجديدة ذات الرؤية السياسية فيفسرون إبداعه‮ - ‬رغم تنوع موقفهم منه‮ - ‬علي‮ ‬أنه مكرس لتأييد النظام الإقطاعي‮ ‬بكل ما‮ ‬يحمله من أيديولوجية بطريركية‮ (‬أبوية‮) ‬وهم في‮ ‬نقدهم‮ ‬يهدفون بصفة عامة إلي‮ ‬توصيل مقولة أيديولوجية بعينها‮.‬
ويري‮ »‬التاريخيون الجدد‮« ‬والذين‮ ‬يهتمون بكل التفاصيل الاجتماعية في‮ ‬عصر شكسبير أنه‮ ‬يعبر عن عصر محدد ولا‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي‮ ‬كل العصور وأنه بالتالي‮ ‬كان مؤيداً‮ ‬للنسق الاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬وجد مجتمعه عليه،‮ ‬وفي‮ ‬إطار المعارك الأدبية المعاصرة حول مفهوم النوع أو الجنس لم‮ ‬يسلم شكسبير من اتهام النقد النسوي‮ ‬له بأنه شاعر متعصب للرجال من خلال تأييده للنسق الاجتماعي‮ ‬الأبوي‮ ‬رغم ميله الواضح إلي‮ ‬المزج بين أدوار الجنسين في‮ ‬حالة الشخصيات التي‮ ‬تتخفي‮ ‬في‮ ‬زي‮ ‬شخصيات أخري،‮ ‬ورغم ميله إلي‮ ‬تقديم شخصيات نسائية قوية مثل‮ »‬بورشيا‮« ‬في‮ »‬تاجر البندقية‮«.‬
ويتحفظ د‮. ‬إسماعيل سراج الدين‮« ‬علي‮ ‬المنظور‮ »‬التفكيكي‮« ‬وما بعد‮ »‬البنيوي‮« ‬من زاويتين الأولي‮ ‬أنه‮ ‬يختصر النص أو العمل الفني‮ ‬إلي‮ ‬مجرد مجال للخطاب بدلاً‮ ‬من أن‮ ‬ينظر إليه علي‮ ‬أنه تجربة ثرية وموحية،‮ ‬إذ‮ ‬يقيس نقاده مقتطفات من النص للتدليل علي‮ ‬صحة مقولاتهم حول عدة موضوعات تتعلق باللغة والرغبة والقانون والجسد وغيرها ومثل هذا العمل التفكيكي‮ ‬لا‮ ‬يأخذ السياق التاريخي‮ ‬بعين الاعتبار،‮ ‬أما الزاوية الثانية فإن المسرحية‮ ‬يجب أن تدرس من وجهة نظره كعمل متكامل لأن أخذ مقتطفات من مسرحيات شكسبير لتطبيق التحليل التفكيكي‮ ‬عليها‮ ‬يغفل الكيان الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬تنتمي‮ ‬إليه هذه الأجزاء‮.‬
ورغم أن هناك مدارس أخري‮ ‬أبرزها‮ »‬مدرسة التحليل النفسي‮« ‬إلا أن المؤلف‮ ‬يريد أن‮ ‬يحدد موقفه من هذه القراءات النقدية فقط علي‮ ‬سبيل المثال ليفرغ‮ ‬إلي‮ ‬تقديم ما أسماه‮ »‬القراءة الجديدة‮« ‬لأعمال شكسبير‮.‬
‮< ‬القراءة الجديدة
من أبرز المؤيدين لهذا النوع من القراءة الناقد‮ »‬كيرنان رايان‮« ‬ويستلزم هذا النقد قراءة المسرحية ككيان متكامل إلي‮ ‬جانب تحليل جوانبها المختلفة،‮ ‬ولكن ما هي‮ ‬المعايير أو المقاييس التي‮ ‬توضح كيفية هذا التعامل مع النص؟
هناك أربعة أسئلة‮ ‬يتعين علينا طرحها عند التعامل مع أي‮ ‬مسرحية وهي‮:‬
1‮- ‬إلي‮ ‬أي‮ ‬مدي‮ ‬تنجح المسرحية في‮ ‬تحدي‮ ‬مبادئ‮ »‬النظم الاجتماعية‮« ‬التي‮ ‬كانت تحكم عصر شكسبير‮  ‬أو تلك التي‮ ‬تحكم عصرنا؟
2‮- ‬إلي‮ ‬أي‮ ‬مدي‮ ‬وبأي‮ ‬وسائل دقيقة‮ ‬يؤكد النص علي‮ ‬هذه المبادئ أو‮ ‬يقويها؟
3‮- ‬هل‮ ‬ينقسم العمل‮ (‬النص‮) ‬علي‮ ‬نفسه،‮ ‬وهل‮ ‬يتحدي‮ ‬نفسه في‮ ‬مرحلة ما؟ هل‮ ‬يتحدي‮ ‬مبادئ مثل‮ »‬التقسيم الطبقي‮« ‬أو‮ »‬النطق البطريركي‮ ‬الأبوي‮«‬؟
4‮- ‬إذا كانت المسرحية قد نجحت في‮ ‬تحدي‮ ‬مثل هذه المبادئ فهل تشير إلي‮ ‬إمكانية وجود وسائل أخري‮ ‬لتنظيم المجتمع الإنساني‮ ‬والعلاقات الإنسانية،‮ ‬وهل هذه الوسائل الأخري‮ ‬مناسبة لعصرنا ولظروفنا؟
لقد تعين علي‮ ‬الباحث هنا أن‮ ‬يعود إلي‮ ‬فكرة الرؤية الشاملة والسياق التاريخي‮ ‬في‮ ‬محاولة للإجابة علي‮ ‬الأسئلة الأربعة المذكورة والانطلاق لتحليل مسرحيتي‮ »‬تاجر البندقية‮« ‬و»عطيل‮« ‬بناء علي‮ ‬ما‮ ‬ينتهي‮ ‬إليه في‮ ‬هذا الصدد،‮ ‬فعلي‮ ‬خلاف ما ذهب إليه البعض تكشف الدراسة الجادة أن شكسبير قد تحدي‮ ‬التقاليد الاجتماعية المتمثلة في‮ »‬النظام الطبقي‮« ‬والمتعلقة بمفاهيم الشرف والنوع والجنس ويمثل إبداعه احتفالاً‮ ‬بالموقف الإنساني‮ ‬ككل وتتعلق برجال ونساء ضد المجتمع‮ ‬يحلمون بما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون عليه هذا المجتمع،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬تحدي‮ ‬الحال الذي‮ ‬وجدوا عليه مجتمعهم في‮ ‬أوضح صورة ممكنة،‮ ‬وفي‮ ‬هذا احتفال بالروح الإنسانية المنتصرة وحتي‮ ‬تغني،‮ ‬وفي‮ ‬هذا نوع من البحث الدءوب في‮ ‬قضايا الذات والآخر والفرد والمجتمع وفي‮ ‬مغزي‮ ‬الحياة بوجه عام‮ »‬أكون أو لا أكون‮«‬،‮ ‬وأعمال شكسبير لا تتناول ذلك بصورة دعائية أو سياسية،‮ ‬وإنما تتناوله عن طريق التلميح والغموض،‮ ‬وهذا‮ ‬يجذب المتلقي‮ ‬لهذه الأعمال فكريا ويؤثر فيه عاطفيا و»السياق التاريخي‮« ‬الذي‮ ‬أتاح لشكسبير‮  ‬الفرصة لتقديم مثل هذا الإنتاج الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬لكل العصور‮ ‬يبدو لنا علي‮ ‬النحو التالي‮: ‬
لقد ساهمت عدة عوامل في‮ ‬تكوين‮ »‬المناخ الثقافي‮« ‬في‮ »‬عصر شكسبير‮« ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يكن عصراً‮ ‬عادياً‮ ‬في‮ ‬التاريخ الإنجليزي،‮ ‬فقد كان هناك صراع مع الكنيسة وازدهار للمذهب الإنساني‮ ‬يضاف إلي‮ ‬ذلك بزوغ‮ »‬الخطاب العقلي‮« ‬أي‮ ‬أننا أمام علامات للنهضة أدت إلي‮ ‬حدوث تحولات في‮ ‬المجتمع الإنجليزي‮ ‬فقد كان‮ »‬النظام الاقطاعي‮« ‬في‮ ‬طريقه للانهيار ليحل محله بطريقة تدريجية‮ »‬النظام البورجوازي‮« ‬وكانت إنجلترا في‮ ‬طريقها لأن تصبح قوة أوربية عظمي،‮ ‬كما كانت‮ »‬طبقة التجار‮« ‬أخذة في‮ ‬الازدهار وبصفة عامة كان العصر عصرا انتقاليا،‮ ‬وقد كان‮ »‬المسرح الإليزابيثي‮« ‬منتجا فريدا لفترة تاريخية قصيرة كانت هي‮ ‬الوسيط الهام بين المسرح والمجتمع وقد تضافرت بعض العناصر فجعلت هذا المسرح مهيأ لاستقبال موهبون مثل‮ ‬
شكسبير ومن هذه العناصر الآتي‮:‬
1‮- ‬كان لدي‮ ‬الكتاب المسرحيين رؤية خاصة بهم للمجتمع أكثر شمولية من تلك الرؤية التي‮ ‬تنبع من طبقة اجتماعية بعينها،‮ ‬فقد كانوا‮ ‬يستطيعون أن‮ ‬يمزجوا بين نزعات إقطاعية وملكية وإنسانية وبرجوازية وشعبية في‮ ‬خليط فريد‮.‬
2‮- ‬كان جمهور المسرح في‮ ‬هذه الفترة‮ ‬يتكون من اتجاهات متباينة فقد جذبت المسارح العامة الجماهير من مختلف‮ »‬الطبقات الاجتماعية‮« ‬يختلطون ببعضهم ويكون عليهم أن‮ ‬يتناولوا في‮ ‬أحاديثهم موضوعات تهم المجتمع‮.‬
3‮- ‬كانت المسارح أماكن‮ ‬يستمتع فيها الناس بقدر أكبر من الحرية‮.‬
لم‮ ‬يبق أمامنا بعد هذا العرض إذن إلا أن نتتبع تحليل إسماعيل سراج الدين لمسرحية‮ »‬تاجر البندقية‮« ‬باعتبارها مصنفة علي‮ ‬أنها‮ »‬كوميديا‮«‬،‮ ‬ومسرحية‮ »‬عطيل‮« ‬باعتبارها من أبرز‮ »‬تراجيديات شكسبير‮«.‬
‮< ‬تاجر البندقية ومعاداة السامية
قدمت مسرحية‮ »‬تاجر البندقية‮« ‬شخصية‮ »‬شيلوك‮« ‬بشيء من القسوة كنموذج شرير ولأن هذا التصور لا‮ ‬يناسب ظروف عصرنا من الناحية السياسية فقد وصف الكثيرون هذه المسرحية بأنها معادية للسامية،‮ ‬ولكن هذا الوصف لا‮ ‬يلتفت إلي‮ ‬الصوت المضاد الذي‮ ‬نلمحه طوال المسرحية إذ عن طريقه‮ ‬يمكن أن نراها بوصفها تعبيراً‮ ‬عن القيم الإنسانية في‮ ‬مواجهة مجتمع عرقي‮ ‬متعصب لفئة معينة،‮ ‬وهذا المفهوم بلغ‮ ‬ذروته في‮ ‬تعنيف‮ »‬شيلوك‮« ‬للمسيحيين بسبب سلوكهم تجاه اليهود ومضمون كلامه‮ ‬يصلح لأن‮ ‬يكون أساسا جدليا لأي‮ ‬أقلية‮ ‬يتعرض للاضطهاد،‮ ‬وعلي‮ ‬ذلك فإن هذا القول‮ ‬ينطبق مثلا علي‮ ‬الفلسطينيين في‮ ‬الأرض المحتلة،‮ ‬كما‮ ‬ينطبق علي‮ ‬المسلمين في‮ ‬البوسنة أو الهنود الحمر‮ »‬في‮ ‬أمريكا اللاتينية‮« ‬أو اليهود الذين عانوا علي‮ ‬يد النازية في‮ ‬ألمانيا‮.‬
يقول شكسبير علي‮ ‬لسان‮ »‬شيلوك‮« ‬أليس لليهودي‮ ‬عينان؟ أليس له‮ ‬يدان وأعضاء وأبعاد وأحاسيس ومشاعر،‮ ‬ألا‮ ‬يأكل الطعام نفسه،‮ ‬ألا تجرحه الأسلحة ذاتها،‮ ‬ألا‮ ‬يعاني‮ ‬من ذات الأمراض ويستخدم ذات الأدوية ليشفي،‮ ‬ألا‮ ‬يشعر بالحر في‮ ‬الصيف ويشعر بالبرد في‮ ‬الشتاء تماما مثلما‮ ‬يفعل المسيحي؟‮.. ‬ألا نشبهكم في‮ ‬أنني‮ ‬سأقوم بتطبيق الشر الذي‮ ‬تعلمونني‮ ‬إياه،‮ ‬وسأطبقه بقوة،‮ ‬وسأتفوق علي‮ ‬التعليمات التي‮ ‬يعطوني‮ ‬إياها‮.‬
ويعقب د‮. ‬إسماعيل علي‮ ‬ذلك بقوله‮ »‬انظر حولك في‮ ‬أمور العالم اليوم وقم باستبدال كلمتي‮ »‬يهودي‮ ‬ومسيحي‮« ‬بأي‮ ‬كلمتين أخريين بينهما علاقة قمع واستبداد وسينطبق هذا القول علي‮ ‬الحالة التي‮ ‬نتناولها تمام الانطباق،‮ ‬وفي‮ ‬هذا‮ ‬يقول رايان‮: ‬يفجر قول شيلوك هذا رؤية تؤمن بالمساواة وتقوم علي‮ ‬أننا جميعا سواء نشترك في‮ ‬القدرات والاحتياجات ذاتها،‮ ‬ولما كان الأمر كذلك فكل أشكال التفرقة بين البشر مدانة‮«.‬
ومعني‮ ‬هذا أن المسرحية تقدم رؤية مضادة لمفهومنا وبالتالي‮ ‬تقوم بتفكيك القراءة التقليدية للمسرحية‮.‬
والمشكلة الأخري‮ ‬التي‮ ‬تتعرض لها المسرحية هي‮ ‬التفرقة بين الجنسين فالبطل الحقيقي‮ ‬لهذه المسرحية هي‮ »‬بورشيا‮« ‬فهي‮ ‬امرأة ذكية لماحة عميقة الفكر فصيحة اللغة وتقوم بالدفاع عن‮ »‬باسانيو‮« ‬عندما تتخفي‮ ‬في‮ ‬زي‮ ‬رجل،‮ ‬فالمجتمع لم‮ ‬يكن ليتقبل قيامها بدور المحامي‮ ‬كامرأة لأنه لا‮ ‬يري‮ ‬المرأة ندا للرجال،‮ ‬ودون خوض في‮ ‬مزيد من التفاصيل التي‮ ‬تتطلب أن‮ ‬يكون القارئ ملما بالنص إلماما وافيا حتي‮ ‬يمكنه المتابعة،‮ ‬فالفكرة التي‮ ‬تعبر عنها المسرحية من وجهة نظر هذه القراءة الجديدة هي‮ ‬التحضر الظاهري‮ ‬لقوانين مجتمع البندقية،‮ ‬كما تناقش قضية التفوق الظاهري‮ ‬للرجل علي‮ ‬المرأة‮ ‬
فلسان حال شكسبير‮ ‬يقول أن الأمور ليست كما نراها في‮ ‬ظاهرها،‮ ‬إن‮ »‬بورشيا‮« ‬التي‮ ‬تتعرض للقمع في‮ ‬المسرحية تماثل في‮ ‬موقفها موقف شيلوك اليهودي‮ ‬الذي‮ ‬تعرض للقمع هو أيضا ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون هذا التركيب صدفة،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن إلا أن تكون هذه الأمور مقصودة ونابعة من كاتب في‮ ‬قامة شكسبير‮!‬
‮< ‬مسرحية‮ »‬عطيل‮« ‬بين الغيرة والعنصرية
يري‮ ‬مؤلف الكتاب أن الرؤية التقليدية لمسرحية‮ »‬عطيل‮« ‬تذهب إلي‮ ‬أنها تدور حول‮ »‬غيرة عطيل‮« ‬ومهارة‮ »‬إياجو‮« ‬في‮ ‬إثارتها ورغم صحة ذلك فالقراءة الجديدة للمسرحية تعتبر‮ »‬الغيرة‮« ‬مسألة هامشية لأن قوة المسرحية تنبع من أنها تعني‮ ‬بدراسة‮ »‬العنصرية‮« ‬وتنظر هذه القراءة للمسرحية علي‮ ‬أنها زواج‮ »‬عطيل‮« ‬البربري‮ ‬أسود اللون من‮ »‬ديدمونة‮« ‬البيضاء‮.‬
و»عطيل‮« ‬لا‮ ‬يخلو من العيوب رغم أنه شخصية نبيلة‮ »‬فإياجو‮« ‬يتسبب في‮ ‬سقوطه لغيرته الزائدة ولكن هذه الرؤية تفتقد الاهتمام بمبررات الكراهية التي‮ ‬يحملها‮ »‬إياجو‮« ‬لعطيل،‮ ‬وكراهيته له هي‮ ‬أحد الجوانب الهامة التي‮ ‬يقدمها شكسبير لمفهوم العنصرية بوجه عام ويري‮ ‬المؤلف أن مشكلة عزل‮ »‬عطيل‮« ‬وغربته عن نفسه وعن المجتمع تمثل جانبا هاما من جوانب هذا المفهوم،‮ ‬وهذا هو قدر المهاجرين الذي‮ ‬يعيشون في‮ ‬مجتمع لا‮ ‬يقبلهم بصورة تحقق لهم الاندماج فيه ومساواتهم بأبنائه مهما كانت إنجازاتهم كذلك فإن المسرحية تناقش السياق الاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬يحرم الإنسان من التصرف طبقا لما‮ ‬يراه بصورة طبيعية فهل لنا أن نري‮ ‬هنا واقعا بديلاً‮ ‬يمكن لعطيل وديدمونة فيه أن‮ ‬يستمتعا بالحب وأن‮ ‬يحييا معا بدون إثارة الكراهية لدي‮ ‬الآخرين أمثال‮ »‬إياجو‮«.‬
‮< ‬تعقيب لابد منه
أما بعد‮.. ‬كان هذا هو العرض لذلك الكتاب القيم الذي‮ ‬يثير الكثير من الآراء والقضايا ويحث قارئه علي‮ ‬التحرر من أسر الأفكار الجاهزة والأكلشيهات المعروفة في‮ ‬التعامل مع إبداع شكسبير وغيره من المبدعين وقد حرص كاتب هذه السطور علي‮ ‬الالتزام بلغة الكتاب التزاما حرفيا في‮ ‬كثير من المواضع حرصا من علي‮ ‬توصيل المعني‮ ‬الدقيق المقصود ولكن كثيرًا مما ورد به من أفكار قابل للمناقشة وخاصة فيما‮ ‬يتعلق بشخصية‮ »‬شيلوك‮« ‬وقد سبق أن قمت بترجمة حوار دار بين المخرج الألماني‮ ‬الجنسية‮ »‬اليهودي‮ ‬الأصل‮« »‬بيتر تساديك‮« ‬الذي‮ ‬صال وجال في‮ ‬إخراج مسرحيات شكسبير‮ ‬
برؤي‮ ‬عصرية كما قام بإخراج مسرحية‮ »‬تاجر البندقية‮« ‬ثلاث مرات وقد أجري‮ ‬هذا الحوار معه‮ »‬أوليفييه أورتولاني‮« ‬ونشر بمجلة المسرح الألمانية‮ » ‬Theater Heute‮« ‬1992‮ ‬تحت عنوان‮ »‬أفضل أن أكون المجرم لا الضحية‮« ‬وحواره لا‮ ‬يعكس فقط أفكاره وآراءه في‮ ‬كيفية التعامل مع النصوص التي‮ ‬قام بإخراجها وإنما‮ ‬يكشف أيضا كيف تحول الفكر اليهودي‮ ‬من الترويج لعقدتي‮ ‬المطاردة والاضطهاد إلي‮ ‬الترويج لقيم وأساليب أخري‮ ‬أبرزها‮ »‬العدوان‮« ‬الذي‮ ‬يصل إلي‮ ‬حد الإجرام وذلك من خلال تفسيره لشخصية‮ »‬شيلوك‮« ‬فهو‮ ‬يقول‮: ‬لقد أردت بعد أن أخرجت هذه المسرحية ثلاث مرات أن أري‮ ‬ما الذي‮ ‬يحدث إذا ما قدمت بأسلوب عصري‮ ‬وبأن نكف عن التركيز علي‮ ‬أسلوب وطريقة تحدث اليهودي‮.‬
ويسأل‮: ‬كيف‮ ‬يمكن للمرء أن‮ ‬يجد ما‮ ‬يستخرجه من هذا النص‮.. ‬إنني‮ ‬أحفظ هذا النص عن ظهر قلب ولا شك أنه شيء‮ ‬يمجه الذوق أن تسمع هذه العبارة‮ »‬أليس لليهودي‮ ‬عينان؟‮!« ‬إنني‮ ‬أصبح في‮ ‬حالة سيئة عندما أسمع مثل هذا الكلام وأري‮ ‬ما‮ ‬يصاحب ذلك من حركات ونظرة الشهيد ثم تكتمل المهزلة‮.‬
وفي‮ ‬موضع آخر‮ ‬يقول‮: ‬لقد تغير موقفي‮ ‬كثيراً‮ ‬من هذه المسرحية‮.. ‬لم تعد بالنسبة لي‮ ‬تدور حول العداء للسامية فأنا لم أكن من المهتمين بذلك بطريقة منبرية وآخر‮ »‬شيلوك‮« ‬قدمته شاهدت وقتها ما الذي‮ ‬يحدث عندما‮ ‬يؤدي‮ ‬الدور علي‮ ‬أنه‮ ‬يهودي‮ ‬قذر مثير للاشمئزاز إلي‮ ‬أقصي‮ ‬ما‮ ‬يمكن للإنسان حقيقة أن‮ ‬يتصوره‮.. ‬كيف كان‮ ‬يؤدي‮ ‬أيام‮ »‬شكسبير‮.. ‬يهودي‮ ‬قذر‮.. ‬هزأة؟‮!« ‬يستطيع الإنسان أن‮ ‬يلعبه علي‮ ‬هذا النحو أن كان‮ ‬يريد ذلك‮.. ‬والآن‮ ‬يبدو رد فعلي‮ ‬في‮ ‬مواجهة مشكلة العداء للسامية باردا‮.. ‬لقد اهتممت بأن أقلب الأمور فيما‮ ‬يتعلق‮ »‬بشيلوك‮« ‬لأجعله‮ ‬يكاد‮ ‬يكون لاذعاً‮ ‬حقيقياً‮ ‬كما لو كان لسان حاله‮ ‬يقول‮: ‬أنا لا أعبأ بحماقة تصرفاتكم‮.. ‬إنني‮ ‬أربح المال وإذا كان ذلك لا‮ ‬يروقكم فليكن وعندما تطأوني‮ ‬بالأقدام فسأفعل نفس الشيء بشدة‮.. ‬تلك قصة بسيطة ولكنها مزعجة بعض الشيء ولها علاقة في‮ ‬عقلي‮ ‬الواعي‮ ‬بإسرائيل كما أن لها علاقة بما نلاحظة منذ عدة سنوات مما أصبح‮ ‬غير مستحب‮.. ‬يهودي‮ ‬ولكنه ليس ضحية‮.. ‬لقد تعود الناس لآلاف السنين علي‮ ‬كون اليهودي‮ ‬أضحية وكبش فداء‮.. ‬وهذا التلاعب بين الضحية والمجرم لم‮ ‬يعد له فجأة أي‮ ‬تأثير علي‮ ‬إسرائيل‮.. ‬أنهم لا‮ ‬يريدون أن‮ ‬يكونوا ضحايا والأفضل أن‮ ‬يكونوا مجرمين،‮ ‬وهذا هو عنوان شخصية‮ »‬شيلوك‮« ‬فالأفضل أن‮ ‬يكون مجرما عن أن‮ ‬يكون الضحية وأري‮ ‬أن ذلك صحيح لأني‮ ‬أفضل أنا الآخر ذلك‮.. ‬ليس لأني‮ ‬يهودي‮.. ‬مطلقا‮!!‬
هذا التخريج الذي‮ ‬يلصقه‮ »‬بيتر تساديك‮« ‬بالشخصية أهو تفسير تسمح به هذه القراءة المتطرفة للمسرحية؟ وهل تعد رؤيته الإخراجية هذه رد فعل للواقع المعاصر أم هي‮ ‬قراءة جديدة للنص الشكسبيري؟ ألا‮ ‬يفتح ذلك الباب علي‮ ‬مصراعيه لقراءات أخري؟
أعتقد أن الإجابة تقتضي‮ ‬أن نعيد قراءة النص مرة أخري،‮ ‬وأن نعيد قراءة ما كتبه د‮. ‬إسماعيل سراج الدين قراءة جديدة تدفعنا إلي‮ ‬قراءة إبداع شكسبير وغيره بروح جديدة ثم نناقش ما ورد بهذا الكتاب مرة أخري‮.‬

د. محمد شيحة

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here