اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

قُدسية العلم الثقافة الثالثة‮.. ‬والقَهْقَري

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الكتاب المطبوع بعد الألماني‮ ‬وايتنبرج في‮ ‬مُستهل عصر النهضة‮ »‬في‮ ‬العلوم والآداب‮« ‬صدرت الكُتب بدءًا من عام‮ ‬1500‮ ‬ميلادية،‮ ‬ثم كُتب فنون الموسيقي‮ ‬بدءًا من عام‮ ‬1550‮ ‬ميلادية تقريبا‮. ‬من الطبيعي‮ ‬أن تؤثر مرحلة‮ »‬الثقافتان‮« ‬السابقة تأثيرا قويا في‮ ‬ازدياد المُقبلين علي‮ ‬قراءة الكتاب الثقافي،‮ ‬واقتنائه في‮ ‬مكتبات البيوت بعد أن تعّرض لها وخصّها بالتحليل والتفسير علماء وكُتاب لهم من الخبرة والدراية الكثير من المعرفة وتجارب الكتاب وتشكيله في‮ ‬شكل‮ ‬يختلف عن شكل الأطروحات العلمية‮ (‬وهو ما نأخذ به نحن الآن في‮ ‬مصر،‮ ‬لكن في‮ ‬زمن متأخر‮)‬،‮ ‬ولابُد له أن‮ ‬يكون متأخرا‮ - ‬أُنشئت جامعة القاهرة‮ - ‬الجامعة الأهلية سابقا عام‮ ‬1908‮ ‬ميلادية‮. ‬فأين كان لنا التفريق بين الرسالة العلمية وبين طْبع نفس الرسالة في‮ ‬صورة الكتاب؟ حمدا لله أن عرفنا الفرق الواسع والشاسع بين الرسالة والكتاب والذي‮ ‬ينتشر طبعا بآلاف النسخ،‮ ‬وبين القُراء ومُحبي‮ ‬القراءة من بين الجماهير بالملايين‮.‬
يُوجّه المؤلف والناشر جون بروكمان‮ ‬John Brockman‮ ‬أحد ناشري‮ ‬الكتاب في‮ ‬مدينة نيويورك النظر إلي‮ ‬تصنيف الكتاب‮ (‬المختلف تصنيفا عن الرسائل العلمية وخاصة الأدبية والفنية منها‮ - ‬إلي‮ ‬هذا النمو المُتصل والاستمرارية الملحوظة في‮ ‬ازدياد أعداد قُراء الكتاب في‮ ‬الولايات المتحدة وكذلك في‮ ‬أوروبا في‮ ‬كتابه المُعنون‮ (‬The Third Culture‮ - ‬الثقافة الثالثة‮ -) ‬New York and London: Simon And Schuster‮ ‬عام‮ ‬1995‮ ‬ميلادية ليعرض جوهريات وأساسيات،‮ ‬وتحوّلات ثقافية مهمة لإبراز دور الثقافة الثالثة التي‮ ‬تحمل الهموم العصرية للثقافة والفكر الحديث‮. ‬
إذن،‮ ‬يدور الحديث‮ - ‬وبالعلم،‮ ‬ومن أجل الحفاظ علي‮ ‬قُدسيته الآن في‮ ‬العقد الأخير من القرن العشرين‮ (‬1995‮) ‬عن جديد‮ ‬يتجاوز مهمات الثقافة الثانية،‮ ‬ويتخطاها عامدا مُتعمدا،‮ ‬في‮ ‬غَضَّ‮ ‬البصر عن الإنتلكتواليين وجماعات المفكرين والفلاسفة الأدبيين،‮ ‬إلي‮ ‬فريق ثقافي‮ (‬ثالث‮) ‬يتعهد الثقافة الثالثة وتوجيهها إلي‮ ‬ثقافة‮ ‬يومية‮ - ‬وتقليدية‮ - ‬ومعتادة مهمتها التثقيف والتنوير لجماهير عريضة الآن تُعد بالملايين،‮ ‬وليس ثقافة للنُخبة المتعلمة فقط‮ (‬نسبة الأمية في‮ ‬أمريكا وأغلب الدول الأوروبية لا تتجاوز الواحد في‮ ‬المائة تماما‮) ‬المصدر‮: ‬World Atlas‮.‬
‮- ‬العارفون بالقراءة والكتابة‮ ‬Literacy
أمريكا‮ ‬99.8٪،‮ ‬إيسلنده‮ ‬99.9٪،‮ ‬اتحاد الجمهوريات السوفيتية‮ ‬99٪،‮ ‬المجر‮ ‬99٪،‮ ‬أندورّا‮ ‬Les Valls D’andorra‮ ‬100٪‮ ‬اليابان‮ ‬99٪،‮ ‬الصين‮ ‬65٪،‮ ‬موريتانيا‮ ‬17‮ ‬٪،‮ ‬المغرب‮ ‬33‮ ‬٪،‮ ‬جمهورية مصر العربية‮ ‬44‮ ‬٪،‮ ‬باكستان‮ ‬26‮ ‬٪،‮ ‬السودان‮ ‬15‮ ‬٪‮ ‬،‮ ‬بوركينا فاسوّ‮ ‬9‮ ‬٪،‮ ‬الصومال‮ ‬12‮ ‬٪،‮ ‬النيجر‮ ‬10‮ ‬٪‮. ‬ومن‮ ‬يرغب في‮ ‬الاستضافة فليُعد إلي‮ ‬إحصاء الأمم المتحدة عام‮ ‬1994‮ ‬ليشاهد المزيد والمزيد‮. ‬هذه أمثلة فقط حتي‮ ‬نعي‮ ‬المركز الثقافي‮ ‬آنذاك،‮ ‬بين دول تنهض لتُجدد ثقافة عمومية وعامة لجماهيرها،‮ ‬وبين دول أخري‮ ‬تفتقر إلي‮ ‬مدارس ابتدائية أو معلمين أو أبنية تعليمية تحفظ لإنسانها الصغير بذور التعلم والمعرفة،‮ ‬ولا أقول نظرية المعرفة‮. ‬
إن أعظم ما أتت به الثقافة الثالثة‮ (‬في‮ ‬شكل الكتاب‮) ‬وهو ما نراه مُمتدا حتي‮ ‬اليوم‮ - ‬والحمد لله لأننا نتعلم منه الكثير والغريب علينا هو‮: ‬انضباطات الإنسانيات التي‮ ‬تقوم علي‮ ‬الدلالية،‮ ‬وتستند علي‮ ‬المرجعية الذاتية في‮ ‬التفسيرات والتأويلات،‮ ‬وفي‮ ‬تحصين‮ ‬يُشبه التأكيد واليقين علي‮ ‬إجابات عقلانية‮ - ‬وعقلية‮. ‬كل هذه الجهود في‮ ‬الثقافة الثالثة اتجهت‮ - ‬وبقوة إلي‮ - ‬العلم الشعبي‮ ‬المُيسَّر‮. ‬وفي‮ ‬إعلاء وترويج للأفكار الثقافية الثالثة الجديدة،‮ ‬وإلي‮ ‬تركيب الأفكار والإفادات الروائية والقصصية،‮ ‬والنُصوص المبتكرة حول العلم والعلوم،‮ ‬وكذا إلي‮ ‬المسرحيات والشعر‮. ‬كُتب ومؤلفات نابضة وغير عادية،‮ ‬وإحصائيات عن تيارات العلم الحديث في‮ ‬السيكولوجيا والتربية والعلوم الطبية والهندسية،‮ ‬والنتائج المعرفية حول الطبيعة،‮ ‬واختصار عبارات الأدب المُتكلَّف في‮ ‬غير طائل‮. ‬والنتيجة‮: ‬ثورات علمية أو قُل هي‮ ‬في‮ ‬الحقيقة سلسلة من الثورات في‮ ‬مختلف الفروع العلمية تحفظ لمؤلفيها مكانتهم،‮ ‬كان همُّهم الأول والأخير تسجيل الانتصارات العلمية في‮ ‬أكثر من‮ (‬60‮) ‬ستين مُجلدا راقيا‮ ‬ينضح بالعلم،‮ ‬وبالقرائن والحجج العلمية الرهينة،‮ ‬ودفعها عبر الكتاب إلي‮ ‬الملايين والملايين من الناس الفُراء في‮ ‬سوق الكتاب‮. ‬
هذه ثقافة ثالثة لم‮ ‬يشهدها العالم من قبل،‮ ‬خرجت من نيويورك لتجتاز كل دول القارة الأوروبية وبعض دول قارة آسيا‮ (‬اليابان‮  ‬مثلا‮).‬
ثم انظر الآن‮:‬
1‮ - ‬قرار وزير الثقافة ورئيس المجلس الأعلي‮ ‬للثقافة رقم‮ ‬189‮ ‬لسنة‮ ‬2003‮ ‬ميلادية لتشكيل لجان فحص الأعمال الفنية لجائزة الدولة للإبداع الفني‮. ‬في‮ ‬المادة الأولي‮ - ‬ثالثا‮ - ‬إدارة خشبة مسرح،‮ ‬من ثلاثة أشخاص‮. ‬الاسم الأول أحد طلابي‮ ‬الدكاترة‮..‬،‮ ‬والاسم الثاني‮ ‬أ‮..... ‬واسمي‮ ‬هو الثالث‮. ‬طبعا ليست القضية هنا قضية ترتيب الأسماء،‮ ‬فهذه تفاهات مقصودة بالفعل‮. ‬لكن الذي‮ ‬أرنو إليه هو الذوق،‮ ‬والثقافة،‮ ‬ثم معرفة أقدار الناس ثقافةً‮ ‬وعلما‮. ‬وكيف بقرار ممهور بتوقيع الوزير،‮  ‬وخاتم الدولة‮ - ‬النسر،‮ ‬ولا‮ ‬يُراعي‮ ‬فيه الذوق ولا التاريخ ولا الثقافة؟ كان بوسعي‮ ‬الاعتراض ساعتها،‮ ‬لكن لماّ‮ ‬كُنت لا أعبأ لهذه الصغائر فقد امتثلت للأمر‮.. ‬لأمر المعرفة الثقافية وليس لقرار السيد الوزير‮. ‬علّه‮ ‬يعرف مقادير الثقافة وموازينها‮.‬
2‮ - ‬يأتي‮ ‬شاب رقيق الحاشية،‮ ‬وغاية في‮ ‬الأدب واللياقة كما عرفته من مقابلتين طوال حياتي‮. ‬لكنه علي‮ ‬الوجه الآخر‮ (‬يجيد النكات الرفيعة‮) ‬ليقابل بها المسئول الثقافي‮ ‬الأول،‮ ‬شيء جميل ومُفرح لاشك،‮ ‬ولا ضرارة في‮ ‬ذلك‮. ‬يُخرج مسرحية ناجحة حقا من الشباب في‮ ‬مركز أنشيء خصيصا له ولا ضير في‮ ‬ذلك‮. ‬وتُجّر مصيبة مصر الأولي‮ ‬بدعوة كريمة لها من وزارة الثقافة،‮ ‬ليُمنح الشاب جائزة الدولة للتفوق بعدها‮! ‬لا تعليق علي‮ ‬السلوك الثقافي‮ ‬الجميل‮ - ‬الحقاّني‮!.‬
3‮ - ‬ثم زميلنا الناقد المحترم الذي‮ ‬توفي‮ - ‬رحمة الله عليه ألف رحمة‮ - ‬ليُفرض بمنحه جائزة الدولة التقديرية،‮ ‬وهو ما لا أعترض عليه‮. ‬لكنني‮ ‬أدين هذه اللجنة أو‮ ‬غالبيتها التي‮ ‬عملت لتسعة شهور في‮ ‬فحص أوراق المتقدمين،‮ ‬وفي‮ ‬لحظة واحدة تضيع كل تقييماتها وقراراتها‮. ‬وعندما أراجع الموقف الثقافي‮ ‬في‮ ‬بلد متخلف في‮ ‬عصر رئيس لا‮ ‬يقل تخلفا عن الوطن،‮ ‬أتقبل الصورة ذاتها‮. ‬ألم‮ ‬يكن‮ ‬يجدر بواحد،‮ ‬واحد فقط أن‮ ‬يعترض علي‮ ‬هذا الهدر في‮ ‬الزمن،‮ ‬وتقليب الرأي‮ ‬لاختيارٍ‮ ‬علمي‮ ‬وقانوني؟
4‮ - ‬ثم،‮ ‬حكاية طالب الدراسات العليا الفلسطيني‮ ‬نادر مصطفي‮ ‬محمد القنّه‮. ‬والتي‮ ‬تكشف عن ضعف الثقافة التعليمية في‮ ‬البحوث العلمية الفنية‮. ‬لا أُطيل حتي‮ ‬لا أُزعج القراء،‮ ‬لكنني‮ ‬أضرب مثالا واحدا لحادثة كنتُ‮ ‬شاهدا عليها أمام الله والتاريخ‮.‬
كان الطالب قد تقدّم بدراسة علمية لنيل شهادة الماجستير من معهد الفنون المسرحية في‮ ‬القاهرة،‮ ‬عندما كان‮ ‬يعمل صحفيا بدولة الكويت،‮ ‬ولا‮ ‬يزال‮. ‬تُوضع أمامه العراقيل لوأد المناقشة في‮ ‬آخر رحلته‮. ‬ويتوسط كُتاب مصر وعلماؤها‮ (‬محمد عودة،‮ ‬سعد الدين وهبه،‮ ‬محمد زكي‮ ‬العشماوي،‮ ‬حتي‮ ‬وصل الأمر إلي‮ ‬تدخل‮ ‬ياسر عرفات‮ - ‬لدي‮ ‬وزارة الثقافة التابع لها هذا المعهد‮. ‬لكن بلا جدوي‮) ‬يحمل الطالب الفلسطيني‮ ‬رسالته إلي‮ ‬إنجلترا،‮ ‬ويساعده الله فوق عالم البشر،‮ ‬وأتحمل مشاركتي‮ ‬في‮ ‬الإشراف الثاني‮ ‬علي‮ ‬رسالته مع د‮. ‬ر.ج.ل‮. ‬فون زوباخ‮ ‬R.G.L.Von Zugbach،‮ ‬وتُناقش الرسالة في‮ ‬المملكة المتحدة‮ - ‬جامعة‮ ‬Knightbridge University‮. ‬ثم‮ ‬يأتي‮ ‬المولي‮ ‬عز وجل بمعجزته‮. ‬قرار اللجنة أن الرسالة أعلي‮ ‬مستوي‮ ‬من الماجستير‮ - ‬التي‮ ‬عوّقوها في‮ ‬مصر‮ - ‬ليُمنح السيد نادر القنه درجة دكتوراه الفلسفة في‮ ‬الدراما‮ (‬وهو نظام معمول به في‮ ‬بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية‮).. ‬أي‮ ‬بلا درجة الماجستير السابقة علي‮ ‬الدكتوراه‮.‬
ليس لي‮ ‬هدف من كتابة هذه الوقائع إلا أن أقول‮:  ‬بأن في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬أُنشئت فيه جامعة كامبردج في‮ ‬القرن‮ (‬13‮) ‬الثالث عشر الميلادي،‮ ‬كُنا نحن‮ - ‬المصريون‮ - ‬أذكي‮ ‬منهم،‮ ‬وأقدر علي‮ ‬فحص الرسائل العلمية،‮ ‬والثقافية بصفة خاصة‮!!!‬
ولذلك فرغُت ثقافتنا،‮ ‬لأنها لا تنتبه إلي‮ ‬الحقيقة التي‮ ‬هي‮ ‬المصدر،‮ ‬والانطلاقة السليمة الصحيحة،‮ ‬وهي‮ ‬البوابة التي‮ ‬يتسلل إليها كل من أراد ثقافة‮ (‬علي‮ ‬مزاجه‮) ‬لا،‮ ‬وإلباسها القوانين الشرعية‮. ‬وما الحزب الوطني‮ ‬إلا صورة جليّة بسلوكياته الرائعة‮! ‬التي‮ ‬لاتزال مصر تعاني‮ ‬منها حتي‮ ‬بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير المجيدة‮. ‬لكن الله موجود في‮ ‬الوجود الأعلي‮ ‬والأرضي‮. ‬حفظ الله مصر،‮ ‬وحفظ الله الوطن‮.‬
ملحوظة هامة
من الأمانة القول بأنّ‮ ‬عقد تسعينيات القرن الماضي‮ ‬قد حدث تطور لا‮ ‬يمكن إنكاره في‮ ‬قطاع ثقافة الفنون التشكيلية،‮ ‬وقطاع الآثار‮. ‬وكان الحدثان بفضل وزارة الثقافة في‮ ‬عهد السيد فاروق حسني،‮ ‬وفي‮ ‬نفس عهده أيضا أنشئت الإدارات المختلفة الإدارية العديدة،‮ ‬وتعيين ضُباط لا أعرف من الجيش أو الشرطة‮ (‬كما شهدتُ‮ ‬بعيني‮ ‬في‮ ‬مسرح العرائس‮) ‬في‮ ‬وظائف إدارية تافهة‮ (‬عيب‮!). ‬فالوزارة مليئة بالعاطلين الذين‮ ‬يُكلفون الثقافة المال الكثير‮. ‬وألم‮ ‬يكف هؤلاء معاشاتهم حتي‮ ‬يقفزوا علي‮ ‬وزارة الثقافة وميزانية إنتاج الفنون؟

 

د‮. ‬كمال الدين عيد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here