اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

النخبة النقدية المستبدة‮ ... ‬والذوات المنغلقة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يمتاز تاريخ النقد بسلسلة متوالية من المساءلات والمراجعات للكتابات النقدية التي‮ ‬كتبها النقاد،‮ ‬وأصبح هدف أي‮ ‬تيار نقدي‮ ‬لكي‮ ‬يتأسس موقعه في‮ ‬أي‮ ‬سياق ثقافي‮ ‬ولكي‮ ‬يدلو بدلوه حول الإبداع،‮ ‬عليه أن‮ ‬يقوم بمراجعة تاريخ النقد وبعض اللحظات النقدية المهمة التي‮ ‬تصنع الاستجابات المختلفة حول الإبداع‮. ‬وتسمي‮ ‬هذه العملية المعرفية بنقد النقد،‮ ‬ينطلق من خلالها التيار النقدي‮ ‬الجديد بمراجعة أسلافه النقديين ومنهجهم النقدي‮ ‬وطريقة تعاملهم مع النص الإبداعي‮.‬
لقد تناولنا في‮ ‬مقالة سابقة أن النخبة النقدية‮ ‬يتحكم في‮ ‬مسار وجودها وتأسيسها كسلطة بعض العوامل التي‮ ‬لا ترتكز علي‮ ‬أبعاد منهجية فقط،‮ ‬بل تتأسس علي‮ ‬أسباب معرفية تختص بكيفية توصيل الكتابة النقدية إلي‮ ‬المتلقي‮ ‬أو بالأحري‮ ‬النسيج اللغوي‮ ‬لكتابة المقالات والتي‮ ‬ينبث في‮ ‬ثناياها مفاهيم الخطاب المعرفي‮ ‬السائد،‮ ‬ونتيجة لهذه الحبكة اللغوية‮ ‬يتشكل ما‮ ‬يسمي‮ ‬بالسلوك النقدي‮ ‬للنقاد،‮ ‬ويشمل السلوك النقدي‮ ‬خطاب الناقد إلي‮ ‬الناقد الزميل والمبدع والقارئ‮. ‬من ثم فإن قراءة النقاد‮ (‬نقد النقد‮) ‬لبعضهم البعض واختلافهم فيما بينهم قد‮ ‬يكون أحد الوسائل الهامة في‮ ‬صناعة الاستبداد النقدي‮. ‬
الناقد واستلهام نموذج أوديب‮:‬
لكي‮ ‬نرصد العلاقة بين الناقد الجديد بالناقد الحديث،‮ ‬يمكن أن نستعين بأفكار هارولد بلوم حول‮ "‬نظرية الشعر وقلق التأثر‮" ‬التي‮ ‬قال فيها أن إالشاعر الحديث‮ ‬يعاني‮ ‬إكرهاً‮ ‬أوديبياً‮ ‬للشاعر الذي‮ ‬سبقه الذي‮ ‬ولد ابتكارات أدبية جعلته‮ ‬يحتل مكانة رفيعة بوصفه‮ (‬الشاعر‮ / ‬الأصل‮)‬،‮ ‬وكأن الشعر هو قصيدة كبري‮ ‬ينسج أبياتها شعراء عظام عن طريق نقض سلطة الأب الشعري‮ ‬وهدم منطق الاستمرارية،‮ ‬وعلي‮ ‬كل شاعر لكي‮ ‬يحتل موقعه علي‮ ‬هذا‮ "‬الشعر‮ / ‬القصيدة‮" ‬أن‮ ‬ينقض أسلافه من الشعراء‮. ‬
من منظور مماثل‮ ‬يمكن القول إن جميع النقاد عبر العصور‮ ‬يشتركون في‮ ‬موضوع واحد عظيم‮ ‬يظل دائماً‮ ‬في‮ ‬حالة بناء مستمر،‮ ‬وهذا الموضوع هو الإبداع،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك مستويات المعني‮ ‬الإبداعي‮ ‬ولأشكال صناعته،‮ ‬بل إن معني‮ ‬لفظة الإبداع ذاته تختلف باختلاف الحضارات والثقافات والعصور‮. ‬وبما أن معني‮ ‬الإبداع‮ ‬يتغير ويتبدل،‮ ‬ولا‮ ‬يمثل جوهراً‮ ‬متعالياً،‮ ‬فإساءة القراءة النقدية‮ (‬القراءة النقدية الضالة‮) ‬تاريخياً‮ ‬تعد علامة صحية‮. ‬وتصبح العلاقة بين الناقد الجديد صاحب المعرفة النقدية الجديدة والناقد المؤسس كسلطة علاقة أوديبية،‮ ‬لأن الناقد الجديد‮ ‬يحاول أن‮ ‬يتجاوز سلفه النقدي‮ ‬بعد أن التهمه معرفياً‮ ‬قتله رمزياً‮ ‬عبر الكشف عن مأزق رؤيته للإبداع والنقد‮.‬
لذا،‮ ‬يعمل كل ناقد جديد علي‮ ‬إثبات ذاته وجدارته،‮ ‬ذلك من خلال تناول النصوص النقدية لسابقيه،‮ ‬ويحاول اقتحام الذاكرة النقدية وفرض سلطته عليها عن طريق إخراج‮ ‬غيره من تلك الذاكرة وطرده منها،‮ ‬التمرد علي‮ ‬الأب النقدي،‮ ‬مع الأخذ في‮ ‬الاعتبار أن التمرد‮ ‬يقتصر علي‮ ‬وظائفه ومحاولة قتله‮ (‬مجازياً‮) ‬عن طريق انتهاك معني‮ ‬سابق أو قديم بواسطة معني‮ ‬جديد‮. ‬
النخبة النقدية‮ : ‬أوديب‮ ... ‬والذات المتعالية‮  ‬
إذن نقد الناقد لسلفه النقدي‮ ‬من أهم أسباب الاعتراف به في‮ ‬المجتمع النقدي‮ ‬والثقافي،‮ ‬وهذه ظاهرة صحية،‮ ‬لكن قد‮ ‬يخرج نقد النقد من مساراته المعهودة للتواصل المعرفي،‮ ‬ويتحول النقد من آلية معرفية‮ ‬غرضها التبادل المعرفي،‮ ‬ليصبح وسيلة من وسائل الناقد لتأكيد ذاته وتفرده عن أسلافة النقديين،‮ ‬ويصبح هو في‮ ‬المرتبة الأعلي‮ ‬وما عداه هو أدني‮.. ‬فهذا الناقد المتسلح بمعرفة نقدية جديدة مثل التفكيكية أو السيميولوجية‮ ‬ينظر بازدراء لمن هم دون تياره،‮ ‬والآخر النقدي‮ ‬المعترف به نتيجة تراكم كتابته تاريخياً‮ ‬ينظر إلي‮ ‬كتابات هذه التيارات النقدية،‮ ‬ويصفها بأنها لاتضيف جديداً‮ ‬للإبداع وأنها بوابة الغزو الثقافي‮ ‬من الغرب تهبط علينا لهدم‮ ‬يقيننا النقدي‮.‬
في‮ ‬تلك الحالة من العدائية‮ ‬ينتفي‮ ‬النقد ويتحول من إطار الحوار إلي‮ ‬سجال معرفي‮ ‬ليس الغرض منه تبادل المعارف،‮ ‬بل تأكيد كل ناقد علي‮ ‬ذاته المتعالية وفوق أي‮ ‬نقد بوصفه‮ ‬يمتلك الحقيقة الكلية الشاملة،‮ ‬ويعيد البنية الاستبدادية القابعة في‮ ‬نسيجنا الثقافي‮ ‬والنقدي‮. ‬ويتحول كل ناقد من منتج للمعرفة إلي‮ ‬حاجب ومقصي‮ ‬لمعارف الآخرين لكي‮ ‬يحيا هو فقط‮.‬
ولنا في‮ ‬تاريخنا النقدي‮ ‬مثال بارز وهي‮ ‬المعركة النقدية بين طه حسين والعقاد من جهة،‮ ‬ومحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس من جهة أخري،‮ ‬لقد حرص محمود أمين العالم علي‮ ‬طرح إشكالية منهجه الواقعي‮ ‬ووجد فيما كتبه طه حسين في‮ ‬مقالة‮ "‬صورة الأدب ومادته‮" ‬فرصة سانحة ليكشف عن منهجه النقدي‮ ‬عبر نقض مفاهيم سلطة نقدية كــ‮" ‬طه حسين‮". ‬وهكذا جاءت مقالات‮ (‬العالم‮) ‬بالاشتراك مع عبد العظيم أنيس بمثابة إعادة تقويم لها ونوعٍ‮ ‬من نقد النقد،‮ ‬مما أثار معركة نقدية بين‮ (‬العالم‮) ‬و(عبد العظيم أنيس‮) ‬من جهة،‮ ‬و(طه حسين والعقاد‮) ‬من جهة أخري‮. ‬وقد انطوي‮ ‬السجال بين الفريقين علي‮ ‬عنف رمزي‮ ‬يتجلي‮ ‬في‮ ‬الصيغ‮ ‬اللغوية التي‮ ‬احتوتها المقالات المختلفة مثل‮ (‬السفور بالرجال‮) ‬و‮( ‬إلي‮ ‬أدعياء التجديد‮) ‬من جانب‮ (‬العقاد‮)‬،‮ ‬أو‮ (‬يوناني‮ ‬فلا‮ ‬يقرأ‮ ) ‬من جانب‮ (‬طه حسين‮)‬،‮ ‬وهكذا تحولت المعركة النقدية إلي‮ ‬عداء فكري‮ ‬لا‮ ‬يخلو من‮ ‬غيظ،‮ ‬هدفه الرئيسي‮ ‬استبدال منظومة تأويلية بأخري،‮ ‬أو قتل رمزي‮ ‬لاحتلال موقع الناقد الآخر فقط،‮ ‬بدلاً‮ ‬من إرساء معرفة نقدية تعتمد علي‮ ‬التبادل والحوار والمراجعة،‮ ‬فقد دأب كل ناقد في‮ ‬تجهيل الناقد الآخر وتقزيمه ومحاولة نفي‮ ‬مشروعيته كناقد‮. ‬فتحول كل خطاب نقدي‮ ‬إلي‮ ‬خطاب انفعالي‮ ‬أحادي‮ ‬أيديولوجي،‮ ‬وبالتالي‮ ‬أصبح نمط كتابة المقالة النقدية من الطرفين أشبه بالخطابة أو المونولوج المسرحي‮ ‬لا‮ ‬يري‮ ‬الناقد أي‮ ‬ذات نقدية‮ ‬غيره،‮ ‬ويدفع بصيغ‮ ‬لغوية تحمل صفة الأمرية والإقصاء والحجب والاستبعاد‮. ‬لنصل في‮ ‬النهاية أن الآباء النقديين وقعوا في‮ ‬شرك الخطاب المعرفي‮ ‬السائد وكرروا الاستبداد الثقافي‮ ‬والسياسي‮ ‬الذي‮ ‬يروج لقيم الأحادية والامتثال والطاعة‮.‬
بعد أربعين عاماً‮ ‬تقريباً‮ ‬في‮ ‬نهاية القرن العشرين،‮ ‬قامت معركة نقدية أخري‮ ‬بين جابر عصفور وعبدالعزيز حمودة حول كتاب حموده‮ "‬المرآيا المحدبة‮" ‬ونشأ صراع بين الاثنين حول جدوي‮ ‬التيارات النقدية الحديثة،‮ ‬وانطوت المعركة علي‮ ‬سجال‮ ‬غرضه تأكيد كل ناقد تفوقه علي‮ ‬الآخر،‮ ‬لنكتشف أن نفس المعركة النقدية قد تكررت من قبل وكأننا نعيش في‮ ‬زمن دائري‮ ‬مع استبدال الشخوص ولكن بنفس أدوات المعرفة النقدية التي‮ ‬تمت بين طة حسين والعقاد‮/ ‬العالم وأنيس‮.‬
وتكشف المعركتان الكبيرتان عن أن النخبة النقدية تعاني‮ ‬من أمراض مزمنة من أهمها عقدة التفوق والأسبقية وأوهام المصداقية والمركزية والفاعلية التي‮ ‬تمنع أي‮ ‬حوار نقدي‮ ‬يساهم في‮ ‬تطور المعرفة النقدية،‮ ‬وانسحب ذلك علي‮ ‬علاقة الناقد بالقارئ وأدي‮ ‬السلوك النقدي‮ ‬مع بعضهم البعض واهتمامهم في‮ ‬تجهيل بعضهم البعض،‮ ‬وكان هدف قراءتهم هو التوجه إلي‮ ‬الناقد الزميل ليكشف له عن تخلفه النقدي،‮ ‬فإذا كان أوديب في‮ ‬الأسطورة قتل أباه وتزوج أمه دون قصد،‮ ‬إلا الناقد الأوديبي‮ (‬لو جاز لنا قول ذلك‮) ‬قتل أباه النقدي‮ ‬ولم‮ ‬يتزوج قارئه بل قتله أيضاً‮ ‬ونسف مجتمعه النقدي،‮ ‬فأدي‮ ‬هذا إلي‮ ‬انتفاء دور الناقد كوسيط لأنه لم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يوصل معرفته إلي‮ ‬قارئه،‮ ‬ليقهر الناقد القارئ كما قهره الديكتاتور السياسي‮. ‬
في‮ ‬النهاية،‮ ‬إن هدف الاستراتيجية النقدية التي‮ ‬نقترحها هي‮ ‬أن النقاد لكي‮ ‬يخرجوا من أزمتهم الحالية عليهم أن‮ ‬يعوا أن كتاباتهم النقدية بمثابة نسيج تشكلها أنساق اجتماعية تفوق وعيهم،‮ ‬وعليهم الاشتغال علي‮ ‬ذواتهم النقدية في‮ ‬الأساس لكي‮ ‬يُكوِّنوا رأيا عاما نقديا من جهة،‮ ‬ومن جهة أخري،‮ ‬أعتقد أن خروج النقد المسرحي‮ ‬من مأزقه الحالي،‮ ‬تبدأ من تغيير السلوك النقدي‮ ‬للنقاد مع بعضهم البعض وتبني‮ ‬مفهوم للنقد جديد‮ ‬يخرج من توحد أفق النقد بالذم والتحقير إلي‮ ‬تبني‮ ‬مفهوم للنقد‮ ‬يعتمد علي‮ ‬رج الأسس،‮ ‬وإعادة النظر جذرياً‮ ‬في‮ ‬البداهات التي‮ ‬تأسس عليها الخطاب النقدي‮ ‬المسرحي‮ ‬بصفة عامة،‮ ‬وتأثير الخطاب المعرفي‮ ‬السائد علي‮ ‬تشكيل خطاب النقاد‮.‬

 

‮ ‬د‮. ‬محمد سمير الخطيب

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here