اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المسرح في‮ ‬مواجهة عصر جديد

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

قبل أن أخوض في‮ ‬مقالي‮ ‬هذا والذي‮ ‬سيغضب الكثيرين بل ربما سيثير امتعاضهم‮ (‬ولا أبالي‮) ‬لأننا شعب لا‮ ‬يحب النقد الحر الصريح لأنه في‮ ‬رأيهم جارح‮.‬
أقول قبل أن أخوض في‮ ‬مقالي‮ ‬هذا إني‮ ‬أحيي‮ ‬من كل قلبي‮ ‬ثورتنا المجيدة التي‮ ‬أنجبت لنا جيلا من أبناء مصر لم نكن نعرفهم من قبل فقد كانت ألسنتنا معقودة وأفواهنا صامتة إلا من النفاق والرياء‮. ‬لم‮ ‬يكن المسرح في‮ ‬مأمن من هذا النفاق والرياء،‮ ‬نصوص هزيلة،‮ ‬وعروض ساذجة إلي‮ ‬أبعد حدود السذاجة والسخافة والعاملون عليها كلهم لا‮ ‬يملكون إلا كلمات النفاق وأكاذيب تتساقط من ألسنتهم حتي‮ ‬انتشرت العبارة المشهورة بينهم‮ (‬مشي‮ ‬حالك‮).‬
كان النص‮ ‬يجاز لأنه من صديق أو زميل،‮ ‬وكان المخرج الذي‮ ‬يعرف حتي‮ ‬مبادئ الإخراج في‮ ‬حياته هو وكل العاملين معه‮ ‬يسرعون بوضع هذا العرض علي‮ ‬خشبة المسرح سواء الخاص أو العام ويدخل المشاهد لا‮ ‬يري‮ ‬عرضاً‮ ‬و لا إخراجا ولا ممثلين سوي‮ ‬افتعال استخفاف الدم وكأنهم‮ ‬يقولون كلهم أيها المشاهد انظر إلي‮ ‬لتري‮ ‬كيف أني‮ ‬خفيف الظل،‮ ‬نكات جريحة وكلمات فاحشة فاضحة وكلهم‮ ‬يحاولون انتزاع الضحكة من المشاهدين المساكين الذين تم اعتقالهم بصالة المسرح وأغلقت الأبواب عليهم ومنعوا من الخروج حتي‮ ‬نهاية العرض قهراً‮ ‬واستبداداً،‮ ‬وبعد نهاية العرض‮ ‬يخرج المشاهدون وهم‮ ‬يبصقون علي‮ ‬الأرض من الوقت الذي‮ ‬أضاعوه‮.‬
وبعد هذا‮ ‬يقول أحد السادة المديرين‮ (‬نحن نريد عودة المشاهد للمسرح‮).‬
ذهب المخلوع بعصره وفساده الذي‮ ‬ملأ الدنيا به هو وعصابته‮.‬
كان المسرح في‮ ‬الستينيات مزدهرا،‮ ‬وكان مزدهرا لأسباب كثيرة،‮ ‬من أهمها‮: ‬نصوص جيدة،‮ ‬مديرون لهم أفكار حرة،‮ ‬لا‮ ‬ينحازون ولا‮ ‬يمالئون،‮ ‬وأهم من كل هذا‮ ‬يقرأون،‮ ‬وأيضا كتاب خلقهم المسرح في‮ ‬ذلك العهد حتي‮ ‬أصبحوا أئمة المسرح والأدب في‮ ‬ذلك العصر‮: ‬وعلي‮ ‬سبيل المثال لا الحصر عبد الرحمن الشرقاوي،‮ ‬سعد الدين وهبة،‮ ‬نعمان عاشور،‮ ‬يوسف إدريس،‮ ‬محمود دياب‮....‬،‮ ‬كما أن هذه الفترة أيضا خلقت مديري‮ ‬مسارح متميزين في‮ ‬سلوكياتهم وأخلاقياتهم وأساليب تعاملهم مع من حولهم،‮ ‬كانوا دائما‮ ‬يعملون بإخلاص وبجدة لإنهاض المسرح والخدمة عليه بكل ما لديهم من سعة وقدرة‮.‬
أذكر في‮ ‬الستينيات كان كرم مطاوع‮ (‬رحمه الله‮) ‬يخرج عرضا في‮ ‬المسرح القومي،‮ ‬ونشأت مشكلة بينه وبين إحدي‮ ‬الممثلات،‮ ‬وكان آمال المرصفي‮ ‬مديرا للمسرح في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬فصرخ كرم مطاوع‮ »‬هاتولي‮ ‬المدير المسئول هنا‮«‬،‮ ‬وعلي‮ ‬الفور هرول آمال المرصفي‮ ‬من مكتبه شارداً‮ ‬إلي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬ووقف أمام كرم مطاوع‮ ‬يقول له أأمر نحن هنا في‮ ‬خدمتك،‮ ‬وأنهي‮ ‬آمال المرصفي‮ ‬المشكلة في‮ ‬دقائق معدودة،‮ ‬وعادت البروفة واستمر العمل‮.‬
هذه حادثة علي‮ ‬سبيل المثال في‮ ‬الستينيات،‮ ‬منذ سنوات قمت بإخراج عرض في‮ ‬مسرح الطليعة لم أر مدير المسرح إلا عابرا بطريق الصدفة ودون توقف،‮ ‬ليس ذلك فقط بل أطلق أحد أذنابه بدلا من أن‮ ‬يساعدني‮ ‬كان‮ ‬يقوض كل عمل أقوم به،‮ ‬وكان‮ ‬يعمل جاهدا علي‮ ‬طرد كل ممثل‮ ‬يريد أن‮ ‬يعمل معي،‮ ‬وفي‮ ‬البروفة الجنرال والتي‮ ‬كان مقررا بدؤها في‮ ‬السابعة مساء،‮ ‬غابت الممثلة الأولي‮ ‬في‮ ‬العرض حتي‮ ‬التاسعة والنصف،‮ ‬وكل العاملين بملابسهم جاهزين للعرض من السابعة،‮ ‬وفي‮ ‬التاسعة والنصف طلبت هذه الممثلة مساعدة المخرج وقالت لها بالحرف‮ »‬مش حاجي‮ ‬العرض إلا لما المخرج‮ ‬يوعدني‮ ‬بوضع صورتي‮ ‬كاملة بمساحة الأفيش كله،‮ ‬وفي‮ ‬التحية الأخيرة أكون أول الذين‮ ‬يظهرون للتحية ثم أقوم بتقديم كل ممثل علي‮ ‬حدة،‮ ‬وأنا جالس منتظر لا حول لي‮ ‬ولا قوة لأنه لا‮ ‬يوجد أحد في‮ ‬الإدارة‮«.‬
كنا في‮ ‬الستينيات نعقد ندوات أدبية تتلو العرض الأخير من المسرحية ومع جمهور المشاهدين،‮ ‬وفي‮ ‬نفس العرض الذي‮ ‬قمت بإخراجه حديثا وقمت بعمل ندوة أدبية في‮ ‬نهاية اليوم الأخير من العرض،‮ ‬وحضرها أساتذة من الجامعة والأكاديمية وجمهور من المشاهدين ولم‮ ‬يحضرها فرد واحد من الإدارة‮.‬
في‮ ‬الستينيات كانت هناك إدارة مسرحية،‮ ‬وفي‮ ‬عصر الفلول‮ ‬غابت الإدارة تماما،‮ ‬أصبح المديرون في‮ ‬عصر الفلول‮ ‬يعتبرون المسرح ضيعتهم التي‮ ‬ورثوها عن أجدادهم،‮ ‬فغاب كل شيء وغاب عنهم الجمهور لأنه لا توجد دعاية‮ - ‬وهي‮ ‬العنصر الأساسي‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬عمل‮.‬
في‮ ‬عصر الفلول كان ما‮ ‬يهم الرقابة في‮ ‬المقام الأول والأخير هو حماية النظام من أن‮ ‬يتعرض له أحد،‮ ‬وفيما عدا ذلك فليفعلوا ما‮ ‬يشاءون من الإباحية المفرطة وكلنا في‮ ‬غني‮ ‬عن الخوض في‮ ‬تفاصيلها،‮ ‬ناهيك عن الممثلين الذين كانوا‮ ‬يستخفون دمهم الثقيل إلي‮ ‬أبعد الحدود،‮ ‬وممثلات نصف عاريات لأن هذه هي‮ ‬الملكة الوحيدة التي‮ ‬يملكنها علي‮ ‬خشبة المسرح‮.‬
هل هذه المهازل ستستمر أم ستتوقف رحمة بخلق الله وبالشعب المسكين واحتراما لثورة قامت للإنصاف والعدل‮.‬
يا سادة نحن نريد عصرا جديدا لم‮ ‬يرد علي‮ ‬المسرح من قبل،‮ ‬عصر فيه المسرح هو دعامة الأمة ومنبر الإصلاح لا الفساد واللهو،‮ ‬نريد عصراً‮ ‬من المسرح‮ ‬يأخذ الرجل أسرته ليقضي‮ ‬أمسية طيبة لا‮ ‬يشعر الرجل فيها بالحرج مع أسرته لما‮ ‬يري‮ ‬ويسمع‮.‬

 

د‮. ‬عبد الرحمن دويب

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here