اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بانوراما المسرح المصري‮ ‬نموذجًا للتوثيق العلمي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ربما كنا كمصريين أول من وثقوا لتاريخهم وثقافتهم،‮ ‬وكانوا أكثر شعوب الأرض اهتمامًا بتوثيق حياتهم اليومية وسجلوها بكل دقة،‮ ‬ليس فقط علي‮ ‬أوراق البردي‮ ‬بل علي‮ ‬الصخور الجرانيتية الصلدة التي‮ ‬صنعوا منها معابدهم وقصورهم وتماثيلهم وكأنهم‮ ‬يتحدون الزمان والصيرورة والعدم‮.‬
إنهم بالفعل كما‮ ‬يري‮ ‬كاتبنا رائد مسرحنا المصري‮ ‬والعربي‮ ‬توفيق الحكيم،‮ ‬يريدون قهر الزمن وتأكيد فلسفتهم في‮ ‬البعث والخلود‮.‬
هذه النزعة التوثيقية المدهشة هي‮ ‬التي‮ ‬حافظت علي‮ ‬تراثنا وحضارتنا وآثارنا التي‮ ‬تمثل أكثر من ثلثي‮ ‬آثار الإنسانية،‮ ‬والتي‮ ‬أصبحت تجذب العالم الذي‮ ‬يأتي‮ ‬إليها من كل فج عميق ليشهدها ويقف مبهورا ومشدوها ولا‮ ‬يملك إزاءها إلا التسليم بعبقريتها وتفردها‮. ‬أقول إن هذه النزعة التوثيقية هي‮ ‬الدافع الأساسي‮ ‬لبناء هذا التراث العظيم والذي‮ ‬جعل من مصر القوة الناعمة والفريدة من نوعها‮. ‬ربما كنا محسوبين‮ ‬– ‮ ‬وأظننا كذلك‮ ‬– ‮ ‬من دول العالم الثالث أو الدول النامية‮ ‬– ‮ ‬إن لم نكن من الدول المتخلفة‮ ‬– ‮ ‬إلا أن ما‮ ‬يحفظ لنا قيمتنا وماء وجهنا هي‮ ‬هذه القوة الناعمة الممثلة في‮ ‬تراث هذه الحضارة القديمة الموثقة توثيقا عبقريا،‮ ‬وحسبنا أن‮ ‬يطلق المؤرخون علينا أننا رواد الحضارة وأصحاب فجر الضمير الإنساني‮.‬
أقول قولي‮ ‬هذا إثر مفاجأة توثيقية من النوع الثقيل لم أكن لأتوقعها بهذا القدر وهذه القيمة وعلي‮ ‬هذا النحو الذي‮ ‬رأيته،‮ ‬وذلك حينما دعاني‮ ‬الصديق الباحث المسرحي‮ ‬الدكتور عمرو دوارة لزيارة مكتبته الخاصة التي‮ ‬هي‮ ‬امتداد لمكتبة والده الناقد والمفكر المسرحي‮ ‬الكبير فؤاد دوارة،‮ ‬وكانت المفاجأة أنني‮ ‬أمام مفاجأة توثيقية بالفعل أثارت خواطري‮ ‬هذه حول النزعة التوثيقية الفائقة لدي‮ ‬أجدادنا الفراعنة والتي‮ ‬أشرت إليها في‮ ‬السطور السابقة‮. ‬ها أنذا أمام ذخر أحفاد هؤلاء الفراعنة الذين احتذي‮ ‬حذوهم واقتدي‮ ‬بهم ومارس دأبهم وحرصهم بكل دقة وأمانة في‮ ‬توثيق أحد فنوننا الحديثة وهو التأريخ لفن المسرح المصري‮ ‬فيما أسماه‮ "‬موسوعة المسرح المصري‮ ‬المصورة‮" ‬أو‮ "‬بانوراما المسرح المصري‮".‬
كانت بالفعل مفاجأة من النوع الثقيل،‮ ‬وخصوصا وأن جيلنا لاسيما من كتاب المسرح كان معنيا وحريصا بالعودة إلي‮ ‬جذور المسرح المصري‮ ‬والعرض في‮ ‬محاولة لتأصيله والبحث عن منابعه وظواهره ومعرفة كل ما‮ ‬يتصل به من ظروف النشأة والتطور والتعثر،‮ ‬ولربما كانت كتابات الدكتور علي‮ ‬الراعي‮ ‬عن مسرح الشعب رافدا من ضمن هذه الروافد التوثيقية التي‮ ‬أفادتنا عن تاريخ الظواهر المسرحية الشعبية والتي‮ ‬أعانتنا وساعدتنا كثيرا في‮ ‬إبداعات جيلنا وكتاباته المسرحية،‮ ‬ولعلنا نذكر أيضا أن أقدم توثيق في‮ ‬هذا المجال سواء كان متواضعا‮ ‬– ما ذكره الجبرتي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ "‬عجائب الآثار في‮ ‬التراجم والأخبار‮" ‬عن المحبظاتية والعروض المسرحية التي‮ ‬قدمت أثناء الحملة الفرنسية،‮ ‬بعدها تنقطع أخبار التوثيق حتي‮ ‬ظهور‮ "‬يعقوب صنوع‮" ‬في‮ ‬عصر الخديو إسماعيل وبداية تاريخ المسرح المصري‮ ‬الحديث من خلال تجاربه المسرحية ومذكراته عن تأسيسه لأول مسرح شعبي‮ ‬مصري‮ ‬في‮ ‬حديقة الأزبكية،‮ ‬وإذا كانت هناك بعض الكتابات المهمة التي‮ ‬تشكك في‮ ‬نشأة هذا المسرح استنادا لعدم وجود وثائق تاريخية تؤكد وجودها عن طريق الإعلانات وأخبار الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإعلام،‮ ‬فهذا‮ ‬يرجع في‮ ‬اعتقادي‮ ‬إلي‮ ‬أن الصحافة وأجهزة الإعلام الرسمية والأهلية في‮ ‬ذلك الوقت لم تكن لتهتم بهذا المسرح الشعبي‮ ‬المتواضع الذي‮ ‬يعتبر من فنون العامة والدهماء تماما مثل تجاهلها لئن السامر الشعبي‮ ‬وخيال الظل وألعاب المحبظاتية والحواة وصندوق الدنيا وهي‮ ‬فنون لم تكن النخبة المثقفة لتهتم بها مثل اهتمامها بفنون الأوبرا الخيديوية أو العروض الأجنبية للمسرح الكوميدي‮ ‬في‮ ‬الأزبكية‮.‬
أعود إلي‮ ‬المناجاة التوثيقية التي‮ ‬فوجئت بها عند صديقنا الدكتور عمرو دوارة ذلك أنها تعتبر أول حفظ وتوثيق وتصنيف لتاريخنا المسرحي‮ ‬منذ بدايته علي‮ ‬أسس علمية أكاديمية وليس مجرد اجتهادات أو شذرات من هنا وهناك وإنما هي‮ ‬عملية منهجية منظمة علي‮ ‬النحو التالي‮:‬
أولا‮: ‬توثيق شامل وإحصاء كامل لكافة العروض المسرحية‮ ‬يصل عددها إلي‮ (‬4600) أربعة آلاف وستمائة عرض مسرحي‮. ‬وهو مجموع العروض المسرحية التي‮ ‬تم إنتاجها من خلال جميع الفرق الخاصة منذ نشأة المسرح المصري‮ ‬سنة‮ ‬1872 ‮ ‬علي‮ ‬يد‮ "‬يعقوب صنوع‮" ‬وفرق الرواد الأوائل‮ (‬سليم النقاش‮ ‬– ‮ ‬يوسف خياط‮ ‬– ‮ ‬سليمان القرداحي‮ ‬– ‮ ‬سليمان حداد‮ ‬– ‮ ‬أبو خليل القباني‮ ‬– ‮ ‬إسكندر فرح وغيرهم‮).‬
ثانيا‮: ‬بيانات ومعلومات مهمة موثقة عن كل عرض مسرحي‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬ثلاث صور منتقاة لكل عرض لتوضيح اختلاف زوايا المناظر المسرحية وكذلك أكبر عدد من الممثلين المشاركين في‮ ‬كل عرض ويكفي‮ ‬أن نعرف أن عدد الصور الإجمالية المصاحبة لهذه العروض أكثر من‮ (‬10000‮) ‬عشرة آلاف صورة فوتوغرافية والمعلومات الأساسية لكل عرض بهذه الموسوعة المسرحية المصورة تشتمل علي‮ ‬جميع البيانات الخاصة بكل عرض من بينها‮ (‬اسم الفرقة‮ ‬– ‮ ‬تاريخ الإنتاج‮ ‬– ‮ ‬دار العرض‮ ‬– ‮ ‬أسماء المشاركين من مؤلفين ومخرجين وممثلين ومصممي‮ ‬الديكور والألحان والتأليف الموسيقي‮ ‬والأغاني‮ ‬والاستعراضات‮).‬
ثالثا‮: ‬تصميم وتنفيذ البرامج الخاصة للفرز علي‮ ‬الحاسب الإلكتروني‮ ‬لتسهيل عمليات البحث والاسترجاع وكذلك تجهيز الصور للطباعة من خلال برامج الفوتوشوب‮. ‬
رابعا‮: ‬التخطيط لكيفية تقديم هذه الموسوعة بأفضل صورة ممكنة سواء كمطبوعة ورقية ومقدر لها عشرة أجزاء‮ ‬يشتمل كل جزء علي‮ (‬900) تسعمائة صفحة أو علي‮ ‬أسطوانات‮ ‬DVD وموقع خاص إلكتروني‮.‬
وفي‮ ‬الحقيقة وكما فهمت أن هذا الجهد استغرق من صديقنا ما‮ ‬يقرب من عشرين عاما أثناء ممارسته الأدبية بمجال النقد المسرحي‮ ‬وكتابة الأبحاث والدراسات المسرحية خاصة خلال دراسته للحصول علي‮ ‬درجة الماجستير بأكاديمية الفنون سنة‮ ‬1992 حيث كان من المنطقي‮ ‬أن‮ ‬يلجأ إلي‮ ‬بعض مراكز المعلومات المتخصصة وفي‮ ‬مقدمتها‮ "‬المركز القومي‮ ‬للمسرح‮" ‬للحصول علي‮ ‬المراجع المختلفة ولكنه للأسف قد اكتشف‮ ‬غياب كثير من المراجع والموسوعات المسرحية وربما‮ ‬يعود ذلك إلي‮ ‬أن المركز قد تم تأسيسه سنة‮ ‬1963 ‮ ‬كمجرد إدارة لتوثيق أعمال المؤسسة المصرية العامة للمسرح والموسيقي‮ ‬حينذاك ولم‮ ‬يتم تحويله إلي‮ ‬مركز قومي‮ ‬إلا بمقتضي‮ ‬القرار‮ ‬151 ‮ ‬لسنة‮ ‬1980‮ ‬ وللأسف لم‮ ‬يهتم المركز بتوثيق أعمال فرق القطاع الخاص إلا في‮ ‬نهاية التسعينيات،‮ ‬وهذا في‮ ‬الحقيقة ما قد دفع بصديقنا الباحث أن‮ ‬يتحمل الجهد الأكثر من مسئولية وضع الخطط والبرامج الخاصة بكيفية تجميع المعلومات والصور،‮ ‬وكذلك مسئولية الإشراف علي‮ ‬مجموعات العمل التي‮ ‬قامت بتنفيذ هذا المشروع الكبير وتحمل الكثير من المشقة لإنجازه ومواجهة الصعوبات العديدة التي‮ ‬واجهته وذلك بخلاف تحمل جميع نفقاته الباهظة لشراء العديد من المراجع والمذكرات الفنية والدوريات المتاحة والشرائط الفيلمية للمسرحيات المصورة،‮ ‬والصور الفوتوغرافية النادرة ووسائل ومعدات الحفظ المختلفة لهذه الوثائق والصور بالإضافة إلي‮ ‬تحمل قيمة مكافآت بعض الخبرات المتميزة في‮ ‬مجال تصميم البرامج الخاصة بالحاسبات الإلكترونية التي‮ ‬يمكنها استيعاب هذا الكم الكبير من المدخلات وفرزها وتصنيفها،‮ ‬ولتقوم في‮ ‬النهاية بتقديم تلك المخرجات المطلوبة من فهارس وكشافات مختلفة ومعالجة الصور المسرحية من خلال برامج الفوتوشوب المتخصصة خاصة تلك الصور القديمة التي‮ ‬صورت منذ أكثر من مائة عام‮.‬
كما‮ ‬يحسب لهذه الموسوعة أنها وثقت للعديد من الفرق المسرحية المجهولة والأحداث المسرحية وتصحيح المعلومات في‮ ‬قاموس المسرح والمعلومات المغلوطة لأنه للأسف الشديد‮ ‬يوجد بعض الدخلاء علي‮ ‬مجال التوثيق والتأريخ ممن‮ ‬يقدمون المعلومات دون سند أو دليل سوي‮ ‬بعض الإدعاءات والآراء الشخصية‮ ‬غير الموضوعية‮.‬
ختاما فإنه نظرًا لأهمية هذا المشروع الكبير فإنني‮ ‬أقترح علي‮ ‬السيد وزير الثقافة أن‮ ‬يتبني‮ ‬هذه الموسوعة من خلال المؤسسات الثقافية المختلفة خصوصا المركز القومي‮ ‬للمسرح ليتحمل مسئولياته في‮ ‬هذا المجال والقيام بالدور المنوط به وذلك عن طريق طباعة هذه الموسوعة علي‮ ‬اسطوانات‮ (‬C.D‮)‬ وكذلك الطباعة الورقية من خلال أجزاء قد تصل إلي‮ ‬ثمانية ويتم ترتيبها أبجديا بحيث‮ ‬يشمل كل جزء علي‮ ‬الفهارس والكشافات المختلفة حتي‮ ‬يمكن الاستفادة من هذه الموسوعة وإتاحة خدماتها لجميع الباحثين والمتخصصين والمهتمين في‮ ‬مجال الفن المسرحي،‮ ‬والفنون علي‮ ‬وجه العموم‮.‬

 

محمد أبو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here