اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

مسرح الصورة‮ ... ‬الرؤي‮ ‬وتداعيات الأفكار

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

جاءت البداية عند المسرحي‮ ‬الأميركي‮ ‬روبرت ويلسون‮ (‬نهاية ستينيات القرن الماضي‮)‬،‮ ‬أول من قدم عرضاً‮ ‬مسرحياً‮ ‬ينتمي‮ ‬لمسرح‮ (‬الرؤي‮) ‬الصورة حيث‮ ‬يخرج الفن التشكيلي‮ ‬من الإطار إلي‮ ‬الحياة،‮ ‬وتظهر اللغة المرئية ضد إيديولوجية الكلمة المكتوبة وسيطرة الخطاب السياسي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬علي‮ ‬مسرح النص‮.‬
إن الصورة هنا لم تعد مجرد زينة أو وسيلة لإظهار الواقع،‮ ‬بل أصبحت إشارة‮ ‬غامضة تعبر عن تداعيات الأفكار كالصورة الشعرية المكثفة كوسيلة لتجزئة المعني‮.. ‬بعناصرها التشكيلية من مختلف الفنون‮: ‬الرسم والنحت والضوء والصوت‮. ‬
لهذا‮ ‬يعتمد مسرح الصورة علي‮ ‬إعداد خيال المتفرج لجذب انتباهه وتنشيط وظائف النصف الأيمن من المخ التي‮ ‬ترتبط بالرغبة في‮ ‬المشاركة والاستكشاف،‮ ‬كما أنه‮ ‬يقوم علي‮ ‬تحفيز التخيل الفني‮ ‬أكثر من التفكير السياسي‮ ‬،‮ ‬وذلك لتشكيل ذهنية دون قالب محدد في‮ ‬خيال كل متفرج‮.. ‬وخلق عالم‮ ‬يستمد وجوده من اللاشعور وعالم الطفولة والأحلام والأساطير‮. ‬من هنا طالب روبرت ويلسون? أن نفكر بعيوننا ونطبق نظام الفكرة المرئية‮ ‬،‮ ‬فكان الأساس في‮ ‬مسرحه التأثير البصري‮ ‬معتمدًا علي‮ ‬الحرفية الساحرة التي‮ ‬صنعت ما‮ ‬يسمي‮ ‬بالتطهير النفسي‮ ‬البصري‮. ‬
كذلك‮ ‬يشجع الممثل علي‮ ‬الأداء الطبيعي‮ ‬والتعبير الحر‮.. ‬ويطلب التمكن من اللياقة البدنية لأداء الحركة البطيئة التي‮ ‬تحث المشاهد علي‮ ‬التركيز‮. ‬
كما‮ ‬يستخدم ويلسون كل تكنولوجيا ومؤثرات المسرح التقليدي‮ ‬لخلق الايهام بالمكان المغاير/أماكن فسيحة تسمح بحرية الحركة‮- ‬المبالغة في‮ ‬حجم الأشياء‮- ‬آليات مهيبة‮. ‬
واعتمد ويلسون علي‮ ‬أسلوب المعوقين ذهنياً‮ (‬المعزولين عن التقانة المشتركة مع المجتمع مستفيداً‮ ‬من طريقتهم الذاتية في‮ ‬التعبير عن الخيال الخصب في‮ ‬الرسم والألوان والكلام الذي‮ ‬فقد وظيفته كأداة نقل للتقانة لتصبح عبارات ذات خصائص لغوية ليس لها معني‮ ‬لكنها وسيلة لبناء تركيبات جديدة‮.‬?
إن‮ ( ‬مسرح الصورة‮  ) ‬يعتمد دائما علي‮ ‬التوزيع التشكيلي‮ ‬البصري‮ ‬في‮ ‬بناء الصورة التعبيرية الحية مما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬خلق صور حركية وبصرية متتالية،‮ ‬إضافة إلي‮ ‬استخدام التشكيل السينجرافي‮ ‬في‮  ‬الديكور ذي‮ ‬الدلالة‮  ‬التعبيرية‮ ‬،‮ ‬لكنه في‮ ‬ذات الوقت‮ ‬يعبر عن شمولية الفكرة‮. ‬وكذلك استخدام فضاء المكان اللامسرحي‮ ‬،‮ ‬كالمتحف،‮ ‬المسبح،‮ ‬الشارع،‮ ‬المكتبات العامة،‮ ‬قاعات المعارض التشكيلية مع‮  ‬تغيرها‮  ‬بغية ملاءمتها من خلال الإضافات السينجرافية،‮ ‬سواء كان ذلك في‮ ‬الديكور أو في‮ ‬الصورة التعبيرية بحيث تتناسب مع طبيعة العرض المسرحي‮ ‬مما‮ ‬يمنحه معني‮ ‬إضافيًا‮ ‬غرائبيًا جديدًا‮.‬
ففي‮ ‬عرضTOHUNDREDE ‮ ‬تم جزء من الحدث في‮ ‬البحر حيث قام الممثلون بمسيرة طقوسية‮ ‬يصاحبهم الجمهور وهو جزء من سيناريو العرض‮ . ‬وبسعادة لا مثيل لها دخلوا جميعا بكامل ملابسهم في‮ ‬البحر وكأنهم قوم‮  ‬وسحرة قدموا من كوكب آخر ليتطهروا في‮ ‬مياه بحار عالمنا‮  .‬
ويعتمد مسرح الصورة أيضا علي‮ ‬تصميم الملابس والأدوات والإكسسوارات التي‮ ‬توحي‮ ‬بالغرابة والبساطة،‮ ‬وكذلك استخدام الأمتعة والحقائب والعربات وغيرها‮  ‬بطريقة تمنحها بعدا ومعني‮ ‬جديدين‮  ‬بعد أن تتغير‮  ‬وظائفها الواقعية‮. ‬وكذلك الاعتماد علي‮ ‬الممثلين‮ ‬غير المحترفين للوصول إلي‮ ‬العفوية في‮ ‬الحركة والصورة،‮ ‬وإبرازهم وكأن‮  ‬كل واحد منهم‮  ‬كيان وعالم‮  ‬متوحد مع ذاته‮. ‬إن التكرار المتتالي‮ ‬يشكل منهج العاملين في‮ ‬مسرح الصورة من مخرجين وممثلين وكتاب،‮ ‬حيث تتكرر الفكرة أو الحركة أو الصورة من زوايا وأشكال مختلفة بمنهجية مقصودة،‮ ‬بغية خلق نوع من التركيز علي‮ ‬هذه الزوايا التي‮ ‬يريد المخرج تأكيدها مما‮ ‬يمنح العرض تلك الغرابة والبعد الفلسفي‮ ‬العبثي‮ ‬أحيانا‮."‬
وقد ارتبط‮ (‬مسرح الصورة‮) ‬في‮ ‬المسرح العربي‮ ‬بالمخرج العراقي‮ ‬صلاح قصب الذي‮ ‬بشّر به في‮ ‬أواخر السبعينيات وكانت تجربته الأولي‮ ‬في‮ ‬هذا الشكل المسرحي‮ ‬في‮ ‬عرض‮ (‬هاملت‮) ‬لشكسبير عام‮ ‬1980
شكل هذا العرض‮ ‬يومها صدمة للوسط المسرحي‮ ‬في‮ ‬العراق لا بسبب طابعه التجريبي،‮ ‬بل لانتهاكه النص الشكسبيري‮ ‬وغرائبيته وافتراضاته وصوره العجيبة وأجوائه الطقسية البدائية‮.‬
فقد افترض المخرج عدم وجود جريمة حقيقية تقض مضجع هاملت وهي‮ ‬جريمة قتل أبيه الملك،‮ ‬وإنما هي‮ ‬وهم صاغه خياله المريض كونه مصاباً‮ ‬بالانفصام‮ (‬الشيزوفرانيا‮) ‬في‮ ‬وقت تعاني‮ ‬فيه مملكته من سيطرة روح شريرة مدمرة‮. ‬
وعلي‮ ‬هذا الأساس جعل القصب هاملت‮ ‬يتحرك في‮ ‬خطين‮: ‬يسير الأول تحت سيطرة الروح الشريرة،‮ ‬يظهر متلبساً‮ ‬شخصية أفريقي‮ ‬بدائي‮ (‬مثلها ممثل أسود البشرة‮) ‬وتبدو له شخصية أوفيليا بوجه أفريقي‮ ‬بدائي‮ (‬مثلتها ممثلة سوداء أيضاً‮) ‬ترتدي‮ ‬زياً‮ ‬تمتزج فيه ألوان زي‮ ‬كل من أوفيليا والملكة الأم الحقيقيتين وحينما‮ ‬يكون هاملت خارج تأثير الروح‮ ‬يظهر في‮ ‬شكله الاعتيادي‮ (‬مثله ممثل أبيض‮) ‬ويري‮ ‬في‮ ‬أوفيليا الحقيقية‮ (‬مثلتها ممثلة بيضاء‮) ‬روح البراءة ومثالاً‮ ‬للحب والمستقبل،‮ ‬في‮ ‬محاولة من القصب لجعل المسرحية ذات طابع شمولي‮ ‬يمكن أن تقترن بأي‮ ‬عصر وبيئة وليس فقط بالعصر الذي‮ ‬حدده شكسبير في‮ ‬الدانمارك‮. ‬
وفي‮ ‬العراق‮ ‬يتم الحديث أيضاً‮ ‬عن محاولة سبقت ريادة القصب لهذا الشكل المسرحي‮ ‬وتحمل خصائص كثيرة من مسرح الصورة وهي‮ ‬محاولة المخرج والكاتب العراقي‮ ‬الراحل كريم حيثير في‮ ‬مسرحية تحمل عنوان‮ (‬الأقنعة‮) ‬كتبها عام‮ ‬1979 ‮ ‬وعرضها في‮ ‬بيت أسرته وتيسر للمخرج‮ (‬بعد تعثر عرض التجربة في‮ ‬البداية‮) ‬أن‮ ‬يعرضها بعد‮ ‬11 عاماً‮ ‬في‮ ‬مصيف‮ (‬سرجنار‮) ‬فكان العرض تجربة ذات بنية صورية مثيرة تجري‮ ‬فصولها في‮ ‬الهواء الطلق وعلي‮ ‬مساحة تزيد علي‮ ‬1000 متر مربع وقد استثمر المخرج الفضاء الواسع بأشجاره ونافوراته وأسواره استثماراً‮ ‬جمالياً‮ ‬ودلالياً‮ ‬حاذقاً‮.‬
هذا النص‮ ‬يحمل وعياً‮ ‬متقدماً‮ (‬كتبها في‮ ‬سن الـ18 عاماً‮) ‬ورؤية إنسانية تستشرف الكوارث والمحن التي‮ ‬لحقت بالعراق خلال العقود الثلاثة الماضية‮- ‬كما‮ ‬يقول الناقد العراقي‮ ‬عواد علي‮. ‬
تتوزع مشاهد النص علي‮ ‬عشرة أمكنة تشكل جغرافية البيت وتطغي‮ ‬عليه بنية صورية لا تربط بينها الحبكة الدرامية التقليدية بل نسق من العلاقات السيميائية والطقسية‮.

أشرف عزب‮ ‬ ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here