اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

السبعة ضد طيبة‮ .. ‬‬ شرعية السلطة و شريعة التخوين‮.‬

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

 

تعد مسرحية‮ (‬سبعة ضد طيبة‮) ‬من الأعمال القليلة المكتملة التي‮ ‬وصلت إلينا‮  ‬من التراث المسرحي‮ ‬الإغريقي‮ ‬المتعلق بأساطير وحكايات مدينة‮ (‬طيبة‮) ‬اليونانية القديمة،‮ ‬ومدينة(طيبة‮) ‬الإغريقية القديمة‮- ‬وهي‮ ‬غير‮ (‬طيبة‮) ‬الفرعونية المصرية‮-  ‬تأتي‮ ‬في‮ ‬المرتبة الثانية بعد مدينة(طروادة‮) ‬كمكان ومسرح لكثير من أحداث وقصص المسرحيات اليونانيةالتي‮ ‬أبدعها المسرحيون الأغارقة الكبار واستمدوا جذورها من تراثهم الأسطوري‮ ‬اليوناني‮ ‬العريق‮. ‬في‮ ‬عام‮(‬467 ق‮ . ‬م‮) ‬فاز‮ ‬يسخيليوس‮) ‬بالجائزة الأولي‮ ‬عندما عرضت له ثلاثية تراجيدية معنونة ب(الأوديبية‮) ‬نسبة لاسم بطلها المحوري‮ (‬أوديب‮)‬،‮ ‬وكانت أجزاؤها الثلاثة(لايوس– ‮ ‬أوديب– ‮ ‬سبعة ضد طيبة‮). ‬بالإضافة إلي‮ ‬مسرحية ساتورية رابعة بعنوان‮ (‬أبي‮ ‬الهول‮)‬،‮- ‬ومن المعروف أن‮ (‬يوريبيديس‮) ‬قام بمعالجة نفس موضوع‮ (‬سبعة ضد طيبة‮) ‬في‮ ‬مسرحيته الشهيرة‮ (‬الفينيقيات‮) ‬ربما اقتفاء لأثر‮ (‬أيسيخيليوس‮) ‬وتأثرا به‮-. ‬وتذكر بعض المراجع أن كتابة‮ (‬أيسيخيليوس‮) ‬للمسرحية جاءت كرد فني‮ ‬وتعبير عن رأي‮ ‬مؤلفها ذي‮ ‬النظرة التقليدية والمحافظة،‮ ‬في‮ ‬واقعة الاتهام الذي‮ ‬وجهته السلطات للقائد العسكري‮ (‬ثيمستوكيليس‮) ‬الذي‮ ‬قاد الجيش في‮ ‬مواجهة الفرس أثناء موقعة‮ (‬سلاميس‮) ‬حيث اتهم بالتآمر مع الفرس ضد الإغريق،‮ ‬وعوقب بالنفي‮ ‬ثم بالإعدام وتم تنفيذ القرار.لذلك تعتبر مسرحية‮ (‬السبعة ضد طيبة‮) ‬والتي‮ ‬تجسد الفصل الأخير من الثلاثية،‮ ‬والتي‮ ‬توضح نهاية أحداث قام بنسجها‮ (‬أيسيخيليوس‮) ‬لعرض رؤيته الفنية لموقفه السياسي‮ ‬والعقائدي‮ ‬من قضية إنسانية‮- ‬نراها مستمرة إلي‮ ‬اليوم‮- ‬هي‮ ‬قضية تخوين أبناء الوطن الواحد لبعضهم البعض،‮ ‬واقتتال الأخوة أبناء الأرض الواحدة،‮ ‬من أجل انتصار كل منهم لأفكاره ورؤاه ومعتقداته وتعصباته،‮ ‬أما عن الجذر الأسطوري‮ ‬للمسرحية والذي‮ ‬اعتمد عليه‮ (‬أيسيخيليوس‮) ‬في‮ ‬بناء مسرحيته فهو أن ابني‮ (‬أوديب‮) (‬أيتيوكيليس‮) ‬و(بولونيكيس‮)‬،‮ ‬كان في‮ ‬ذات مرة قد جلسا بين‮ ‬يدي‮ ‬أبيهما(أوديب‮) ‬وأساء خدمته‮ - ‬وهو الأعمي‮- ‬بأن قدما له طعاما‮ ‬غير ملكي،‮ ‬في‮ ‬وعاء ملعون كان مخصصا لجدهما لأبيهما الملك(لايوس‮)‬،‮ ‬في‮ ‬حين كان‮ (‬أوديب‮) ‬قد حرّم علي‮ ‬نفسه استخدام أدوات وأِشياء أبيه،‮ ‬ومنع نفسه وأولاده من استخدامها أيضا،‮ ‬لأنها ملعونة من الآلهة بسبب عصيان(لايوس‮) ‬لأوامر الآلهة،‮ ‬إذ أمرته بعدم إنجاب أبناء لإنقاذ المدينة من لعنة وكارثة الطاعون فرفض،‮ ‬وتزوج وأنجب ابنا هو‮ (‬أوديب‮)‬،‮ ‬والذي‮ ‬بعد أن اكتشف لعنته الأبدية وحققها بنفسه لنفسه فقتل أبيه وتزوج من أمه‮ ‬،‮ ‬فقأ عينيه وامتنع عن استخدام أشياء أبيه وحرمها علي‮ ‬نفسه وبنيه،‮ ‬لذا عندما قام الولدان بفعلتهما وقدما لأبيهما الطعام في‮ ‬ذلك الإناء،صب عليهما جام‮ ‬غضبه ولعناته،‮ ‬ثم طلب من الآلهة أن تعاقبهما،‮ ‬بأن‮ ‬يقتتلا فيما بينهما،‮ ‬حتي‮ ‬يقتل كل منهما أخيه تكفيرا عن اقتراف هذا الذنب،‮ ‬ومن هذه الفرضية الدرامية تبدأ أحداث مسرحية(سبعة ضد طيبة‮) ‬بالشقاق والخلاف الدائر بين الأخوين حول رؤية كل منهما لشرعية موقفه،‮ ‬مما دفع(بولينيكيس)إلي‮ ‬الهرب من بطش أخيه(ايتيوكيليس)إلي‮ ‬بلدة(أرجوس)حيث‮ ‬يجهز هناك جيشا قويا من الأرجوسيين،‮ ‬للخروج به من(أرجوس‮) ‬في‮ ‬محاولة لاسترداد ملك(طيبة‮) ‬وعرشها من أخيه(أيتيوكيليس‮).‬يقع المشهد الأول في‮ ‬ساحة(طيبة)المحاصرة وعلي‮ ‬مرأي‮ ‬من أسوارها المنيعة،‮ ‬تجتمع(جوقة)تمثل مجموعة من أهل(طيبة‮)‬،لمناقشة قضية حصار جيش الغزاة الأرجوسيين لبلدهم بقيادة(بولينيكيس)ابن ملكهم السابق وأخو ملكهم الحالي،هنا‮ ‬يقف(أيتيوكيليس‮) ‬ليستعرض أمام أهل بلدته،‮ ‬كيف وصلت بهم الحال بعد حصار جيش العدو لهم،‮ ‬كما‮ ‬يدعوهم ويشجعهم للدفاع عن الوطن،ويدخل المشهد أحد جنود المراقبة المستكشفين لخطوط العدو،‮ ‬ليخبر(أيتيوكيليس)باستعدادات وتجهيزات الفرق السبع التي‮ ‬احتشدت خارج أسوار البلدة،‮ ‬فيبتهل(أيتيوكيليس‮) ‬ل(زيوس‮) ‬ويدعوه أن‮ ‬ينقذ المدينة وأن‮ ‬يمنحه النصر علي‮ ‬الأعداء،‮ ‬ثم‮ ‬يغادر الساحة ليتفقد خطوط دفاعه عن المدينة،‮ ‬وهنا تظهر الجوقة مرة ثانية ولكن في‮ ‬هيئة مجموعة من نساء المدينة تنشدن الأغنية الافتتاحية للمسرحية،‮ ‬وينقلن رعبهن وفزعهن من المصير المنتظر بعد المعركة،‮ ‬وعندما‮ ‬يعود‮ (‬أيتيوكيليس‮) ‬من جولته التفقدية ويراهن علي‮ ‬هذه الحال،‮ ‬يقوم بتأنيبهن وتهدئتهن ثم‮ ‬يطلب منهن أن‮ ‬يتوجهن بالدعاء والابتهال للآلهة لتكون حليفته في‮ ‬هذه المعركة،‮ ‬ويخرج مرة أخري‮ ‬ليكمل مهامه القيادية‮. ‬فتقوم الجوقة بترديد أنشودة تفصح فيها عن مخاوفها من ويلات الحرب والخراب التي‮ ‬ستعود علي‮ ‬المدينة من جراء هذه الحرب الطاحنة بين الأخوين،وهنا‮ ‬يعود للساحة الجندي‮ ‬المكلف بالمراقبة ويبدأ في‮ ‬وصف جيش الأعداء في‮ ‬نفس وقت عودة(أيتيوكيليس‮) ‬للساحة،‮ ‬ويذكر جندي‮ ‬المراقبة أسماء الأبطال السبعة المهاجمين لأبواب المدينة السبعة،وبعد انتهائه من وصف المشهد‮ ‬يقوم(أيتيوكيليس‮) ‬بتوجيه تعليماته بالدفع بقائد من قادته المهرة في‮ ‬مواجهة هؤلاء المعتدين،‮ ‬فيخصص لكل قائد منهم أحد قادته البواسل ليواجهه،‮ ‬بعد أن‮ ‬يختص نفسه بمواجهة شقيقه(بولينيكيس‮) ‬أمام البوابة السابعة،‮ ‬وبالرغم من تحذيرات الجوقة وأناشيدها المملوءة بالأنين والأسي‮ ‬علي‮ ‬ما أصاب آل(لايوس‮) ‬من اللعنة والشقاء،‮ ‬إلا أن جندي‮ ‬المراقبة‮ ‬يدخل لينعي‮ ‬لنا نبأ هلاك الأخوين كل منهما بيد الآخر،‮ ‬ونجاة المدينة بانهزام الأعداء علي‮ ‬أبوابها السبعة‮. ‬وهنا تنشد الجوقة أغنية أخري‮ ‬تنعي‮ ‬فيها الأخوين وتنتحب علي‮ ‬هلاكهما بهذه الطريقة الوحشية،‮ ‬ثم تظهر الجثتان في‮ ‬الساحة بين نحيب أفراد الجوقة وعويل أختي‮ ‬القتيلين(أنتيجونا)و(آسمينا‮).‬
وهنا‮ ‬يدخل مناد من المدينة ليعلن أن طقوس الدفن الجنائزية سوف تؤدي‮ ‬لجثة القتيل القائد(أيتيوكيليس‮) ‬فقط،‮ ‬أما(بولونيكيس‮) ‬فيجب أن تترك جثته في‮ ‬العراء لأنه شن حربا علي‮ ‬موطنه وخان أرضه وبلاده،‮ ‬لتتدخل‮ (‬أنتيجونا‮) ‬وتعلن رفضها للحكم وأنها سوف تقوم بدفن أخيها(بولونيكيس‮) ‬بنفسها وأنها ستواجه القرارات الصادرة من الدولة بمفردها رغم التحذيرات الموجهة لها‮.‬
وهنا تنقسم الجوقة إلي‮ ‬قسمين واحد‮ ‬يتبع‮ (‬أنتيجونا‮) ‬لدفن القتيل‮ (‬بولونيكيس‮) ‬والآخر‮ ‬يمشي‮ ‬وراء(آسمينا‮) ‬في‮ ‬مهابة لدفن(أيتيوكيليس‮).‬
وفي‮ ‬ضوء هذا العرض السريع لتفاصيل المسرحية ومن خلال سعينا لربط الواقع الراهن بقرائتنا للعمل،‮ ‬فإننا إذا تقبلنا فكرة الإسقاط التخييلي‮ ‬علي‮ ‬أجواء المسرحية الدرامية فإننا نستطيع أن نخرج ببعض التوازيات التي‮ ‬قد تفيدنا في‮ ‬قراءة العمل في‮ ‬ضوء الزمن المعاصر‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬يمكننا أن نشبه(أيتيوكيليس‮) ‬وجيشه وأتباعه و(آسمينا)بالقائمين علي‮ ‬حكم البلاد من العسكر وأتباعهم وبالفصيل الذي‮ ‬يرفع رايات وشعارات الإسلام السياسي‮ ‬من مواطني‮ ‬الشعب وهم‮ ‬يمثلون في‮ ‬تنوعهم وتشكيلاتهم المختلفة قوي‮ ‬اليمين المحافظة والمضادة للثورة،‮ ‬وإن تلونت مواقفها وتبدلت أقنعتها الداعمة للثورة والتغيير الحقيقي‮ ‬للواقع وفساداته،‮ ‬وهم الذين‮ ‬يرون في‮ ‬تطبيق الأعراف والقوانين واللوائح‮ (‬الدينية والسياسية‮)‬غاية همهم ومقصدهم،‮  ‬ظنا منهم أنهم بهذا‮ ‬يحافظون علي‮ ‬سدة الوطن وسلامته واستقراره‮ ‬،‮ ‬إن شخصية(أيتيوكيليس‮) ‬تجسد هنا خطاب السلطة وشرعيتها المستمدة من اتباعها للقوانين والأعراف ومحافظتها علي‮ ‬تطبيقها حتي‮ ‬النهاية،‮ ‬بينما تمارس الشخصية خطاب التخوين فيما‮ ‬يخص الطرف الآخر والذي‮ ‬يعد ثائرا علي‮ ‬هذه التقاليد والأعراف،‮ (‬بولونيكيس‮) ‬و‮( ‬أنتيجونا‮) ‬وهما‮ ‬يحملان شعار الثورة مستمرة علي‮ ‬التقاليد الخائبة والوقوف في‮ ‬وجه التكلس الإداري‮ ‬والتقاليد البيروقراطية والدينية البالية التي‮ ‬تفسد جوهر الحياة الإنسانية وتخرب قيمها ومستقبلها ويمكننا تشبيه الجوقة بانقساماتها المتتابعة طوال زمن العرض بـ‮ (‬حزب الكنبة‮) ‬وهو‮  ‬يجسد حالة الجموع من المواطنين التي‮ ‬ظلت طوال الفترة الماضية تتباكي‮ ‬وتبكي‮ ‬علي‮ ‬الاستقرار والأمن وتطلب الهدوء والراحة والدعة من أجل اجترار حياواتهم وسكونهم الرخو المتخاذل في‮ ‬الطاعة والخمول‮.‬

 

محسن الميرغني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here