اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

البحث عن مخرج‮ .. ‬عالم متغير ونصوص ثابتة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬الأزمنة المضطربة والضبابية مثل تلك الفترة التي‮ ‬تمر بها مصر الآن،‮ ‬يبدو من الصعب علي‮ ‬المخرج المسرحي‮ ‬تحديد نقطة ثابتة لنفسه‮ ‬يستطيع أن‮ ‬ينطلق منها لرؤية العالم والإلمام بعلاقات أطرافه المتنازعة وموقع كل منها‮ ‬،‮ ‬فما بالك بتكوين تصور متماسك لذلك العالم وتحويله لرؤية فنية متكاملة‮ ‬،‮ ‬ذلك أن الأطراف السياسية والاجتماعية التي‮ ‬تتنازع حول شكل وهوية المستقبل‮ "‬الآن‮" ‬في‮ ‬مصر‮ ‬غير قادرة علي‮ ‬إيجاد موقع‮ ‬يتسم بالثبات و اليقين‮ ‬يمكنها أن تتمركز فيه وتنطلق منه بقدر من الثقة في‮ ‬مشروعية موقعها أو ثبات نقاط الانطلاق ونقاط الوصول‮ ‬،‮ ‬فالواقع أصبح شديد السيولة‮ ‬– بل واللزوجة‮ -  ‬لا‮ ‬يستطيع أحد مواجهته دون أن‮ ‬يصاب بالحيرة والشك في‮ ‬أن‮ ‬يتمكن من أن‮ ‬يحاكم أو‮ ‬يرصد الواقع دون تورط‮ ... ‬لا‮ ‬يستطيع المخرج مواجهة الواقع دون أن‮ ‬يكتشف فشل معاييره أمام حالة الهوس والفوضي‮ ‬التي‮ ‬تهيمن علي‮ ‬الواقع والتي‮ ‬يصعب معها الانحياز بشكل مطمئن لطرف دون أخر‮ .‬
كيف إذن‮ ‬يمكن لمخرج مسرحي‮ ‬أن‮ ‬يتحرك في‮ ‬مثل تلك الفوضي‮ ‬العارمة لإنتاج عرض مسرحي‮ ‬متماسك و قادر علي‮ ‬تقديم رؤية متماسكة للعالم سواء علي‮ ‬المستوي‮ ‬الفكري‮ ‬أو الجمالي‮ ‬؟‮ ‬
للإجابة عن هذا السؤال ربما كان من الطبيعي‮ ‬أن نحاول تحديد مهام المخرج وطبيعة دوره لنتمكن من تحديد مدي‮ ‬إمكانيته العمل في‮ ‬ظل ظروف سياسية واجتماعية مثل تلك التي‮ ‬نحيا في‮ ‬ظلها‮.‬
ولعل البداية‮ ‬يمكن أن تكون من تلك المعطيات الأولية السابقة علي‮ ‬أي‮ ‬إبداع والتي‮ ‬يعيها المخرج حتي‮ ‬وإن لم‮ ‬يفكر فيها بشكل واعي‮. ‬
وأول تلك المعطيات هو الاعتراف بأن العمل الفني‮ ‬لا‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي‮ ‬المخرج بشكل كامل،‮ ‬فالمخرج قائد لمجموعة كبيرة ومتنوعة من الأفراد متنوعي‮ ‬التوجهات والخلفيات الثقافية والتعليمية‮.. ‬يتعامل كل منهم مع طرحه وفق أفكاره عن العالم من ناحية‮ ‬،‮ ‬ووفق قواعد العمل المسرحي‮ ‬من ناحية أخري‮ ‬،‮ ‬ليصل في‮ ‬النهاية تصور خاص به لما‮ ‬يطرحه العمل الفني‮ ‬ودوره فيه‮.‬
وبالتالي‮ ‬فإن أولي‮ ‬مهام المخرج هي‮ ‬دوره كمنظم لمجموعة من الأفراد ليتحولوا لفريق عمل‮ ‬،‮ ‬وكذلك تهذيب أي‮ ‬نتوء فكري‮ ‬أو جمالي‮ ‬يخرج عن سياق الأفكار العامة التي‮ ‬يطرحها العرض نتيجة الفهم الخاطئ‮ ‬– أو عدم انسجام أو نقص موهبة‮  -  ‬لأي‮ ‬فرد من أفراد الفريق‮ .  ‬وأي‮ ‬تهاون أو عدم انتباه‮ - ‬لأي‮ ‬خلل وبأي‮ ‬عنصر‮- ‬يمكن أن‮ ‬يؤدي‮ ‬لنتائج‮ ‬غير متوقعة‮ .. ‬فحركة لاإرادية من ممثل أو نبرة صوت مرتعشة من ممثلة أو جملة حوار‮ ‬غير منسجمة مع أفكار العرض من المؤلف‮.. ‬الخ‮ ‬يمكن أن تقود العمل إلي‮ ‬مناطق مظلمة وتنتج أفكارًا لم تخطر ببال المخرج وتؤدي‮ ‬لتشوهات جمالية بالضرورة‮ .‬
ثاني‮ ‬تلك المعطيات والتي‮ ‬لا‮ ‬يمكن للمخرج أن‮ ‬يفلت منها هي‮ ‬طبيعة العمل المسرحي‮ ‬كلقاء‮ (‬هنا والآن‮) ‬مع متلقي‮ ‬مشارك في‮ ‬عمليات إنتاج المعني‮ ‬،‮ ‬وأن المعني‮ ‬في‮ ‬العرض المسرحي‮ - ‬مهما كان منتظماً‮ ‬وشديد الدقة علي‮ ‬مستوي‮ ‬التنفيذ‮ ‬– ‮ ‬غير ثابت أو نهائي‮ ‬وأنه في‮ ‬حال تطور دائم حتي‮ ‬ولو بشكل‮ ‬غير ملحوظ‮ .‬
وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أن المخرج‮ ‬يجب أن‮ ‬يضع المتلقي‮ ‬في‮ ‬حسبانه ويفكر فيه بشكل دائم فبدون تحديد لمهام المتفرج و موقعه من العرض‮ .. ‬لن‮ ‬يتمكن المخرج من أن‮ ‬يتواصل مع المتفرجين‮.. ‬وبالتالي‮ ‬فإن اختيار النص المسرحي‮ ‬ليس مجرد اختيار لفكرة أو موضوع أو حكاية درامية أو حتي‮ ‬شكل فني‮.. ‬بل إنه وقبل كل ذلك اختيار للمتفرج وتحديد لهويته ودوره والرسائل المتبادلة معه‮.. ‬
ثالث تلك المعطيات مجموعة من النصائح التي‮ ‬رصدها النقاد والفنانين من أصحاب الخبرة الطويلة من خلال عملهم‮ - ‬وفق المعطيين الأول والثاني‮- ‬وأول تلك النصائح هي‮ ‬لا تتحدث إلا عما تعرف‮... ‬والمعرفة هنا ليست قدر من المعلومات حول مهنة أو حدث أو موقف فحسب‮.. ‬فالجميع‮ ‬يمكن أن‮ ‬يمتلك المعلومات الكافية حول حياة السجن سواء بالاحتجاز داخله،‮ ‬أو جمع المعلومات عن نظمه وشهادات لمن سجنوا‮.. ‬لكن امتلاك تجربة السجن أمر مرتبط بالقدرة علي‮ ‬تنظيم تلك المعلومات و والبيانات والإرشادات و القواعد التنظيمية و المشاعر‮.. ‬الخ داخل تصور واضح ومعرفة حقيقية بالسجن كتجربة إبداعية وليس كمبني‮ ‬للعقاب الجنائي‮ ‬والتقويم الاجتماعي‮.. ‬وبالتالي‮ ‬فإن معرفتك لما تقدم‮ ‬يعني‮ ‬قدرتك علي‮ ‬نقل ما تعرف للمتلقي‮ ‬وفريق العمل‮.‬
ثاني‮ ‬تلك النصائح هي‮ ‬أن الفن‮ ‬يرصد و‮ ‬يحلل تجارب المجتمع وخبراته وأفكاره‮.. ‬وليس من مهام الفن أن‮ ‬يرصد الأحداث التي‮ ‬تمر بالمجتمع إلا كظواهر‮ ‬يمكن من خلالها الولوج إلي‮ ‬العمق‮.‬
وبما أن المسرح فن بطئ‮ - ‬بحكم التكوين‮ -  ‬في‮ ‬عملية استيعاب المتغيرات الاجتماعية والسياسية فإنه أقل قدرة عن‮ ‬غيره من الفنون علي‮ ‬رصد وتفسير التحولات اليومية في‮ ‬المجتمع المصري‮ (‬خاصة في‮ ‬ظروف مثل التي‮ ‬نمر بها‮) ‬إلا عبر التيارات الراديكالية في‮ ‬المسرح المنحازة بشكل مسبق وغير مرتبطة بمعطيات الواقع مثل مسرح الجريدة الحية أو المسرح التسجيلي‮ .. ‬الخ‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬المسارح التي‮ ‬تتخذ من الوقائع اليومية مدخلاً‮ ‬للتأكيد علي‮ ‬أفكار مسبقة و نهائية‮ .. ‬وذلك عبر عمليات التأويل لتلك الوقائع كي‮ ‬ما تصبح معبرة‮.. ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أيضاً‮ ‬أنها لا تعبر إلا عن أفكار منفصلة عن تلك الوقائع اليومية وسابقة عليها‮.‬
خلال تلك المعطيات‮ ‬يمكننا أن نصل إلي‮ ‬تصور مبدئي‮ ‬يقودنا إلي‮ ‬الخروج من الأزمة التي‮ ‬رصدها الكثير من النقاد والمسرحيين حول تراجع الفن المسرحي‮ ‬وهشاشة وخفة العروض المسرحية التي‮ ‬حاولت التعبير عن الواقع الثوري‮.‬
وأول خطوة في‮ ‬ذلك التصور هو حتمية نسيان الثورة كحدث واقعي‮ ‬ومحاولة البحث عن القوي‮ ‬التي‮ ‬تشكل كل الوقائع خلال العشر سنوات الماضية‮ (‬أو أكثر‮).. ‬سواء الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية‮.. ‬إلخ،‮ ‬وذلك حتي‮ ‬نتخلص من تلك التصورات المرتبطة بالأحداث اليومية‮.. ‬وبالتالي‮ ‬الوصول إلي‮ ‬الخطوة التالية وهي‮ ‬تأمل ومعرفة تلك القوي‮ ‬التي‮ ‬شكلت واقعنا ومعرفة علاقاتها المتشابكة‮.. ‬ومن ثم‮ ‬يصبح اختيار النص المسرحي‮ ‬الملائم أمر ممكن بشكل مبدئي‮.. ‬فلا‮ ‬يوجد نص مسرحي‮ ‬دون وجود لعلاقات وصراعات بين أفكار مختلفة‮.‬
وبهذا نكون قد عبرنا أول خطوة في‮ ‬المشكلة‮.. ‬مجرد خطوة واحدة

 

كتابة‮: ‬محمد مسعد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٧

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here