اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

"‬الرقابة علي‮ ‬المسرح‮"‬ بين التاريخ وأهمية دورها

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬21 ‮ ‬من أكتوبر عام‮ ‬1881 م أصدر‮ "‬الخديوي‮ ‬توفيق‮" ‬أول قانون للرقابة علي‮ ‬تمثيل الروايات بالتياترات والمسارح المصرية،‮ ‬ونص هذا القانون مازال محفوظًا بدار الكتب،‮ ‬وقد جُعل تابعًا لقوانين وزارة الأشغال وقتذاك‮.‬
ويرجع صدور‮ "‬قانون الرقابة‮" ‬لتمكين السلطات من مراقبة ما تقدمه بعض المسارح التي‮ ‬دأبت علي‮ ‬استقبال فرق تقدم عروضًا مسرحية تنتقد الحكم في‮ ‬عهد‮ "‬توفيق ووالده الخديوي‮ ‬إسماعيل‮"‬،‮ ‬أو عروض تندد بالاحتلال وتنادي‮ ‬بالحرية وتطالب بالدستور والحياة النيابية،‮ ‬سواء كان ذلك ضمن موضوع‮ "‬المسرحية‮" ‬أو بالخطب والقصائد المعتاد القاؤها بين الفصول أو في‮ ‬نهاية العرض‮.. ‬وعندما بدأت‮ "‬الحكومة‮" ‬في‮ ‬ممارسة الرقابة علي‮ ‬المسرح لم تهتم بشكليات وروتين تقديم النصوص المسرحية للسلطات قبل تمثيلها علي‮ ‬المسرح،‮ ‬واعتمدت علي‮ ‬أعين البصاصين والمخبرين السريين الذين كانوا‮ ‬ينتشرون في‮ ‬أرجاء المسرح المشتبه في‮ ‬تقديمه لمسرحية سياسية للجمهور،‮ ‬ويتم استنفار الحكمدارية لمشاهدة العرض المسرحي‮ ‬ليلة تقديمه،‮ ‬كي‮ ‬يوقف في‮ ‬الحال عند الاشتباه في‮ ‬مجريات الأحداث،‮ ‬أو في‮ ‬الخطب والقصائد حين تتناول أمورًا تدعو وتثير الفتنة بين الناس من وجهة نظر السلطات‮..  ‬وكرد فعل طبيعي‮ ‬لتلك السياسة القمعية تغير أسلوب مؤلفي‮ ‬النصوص المسرحية،‮ ‬ولجأوا إلي‮ ‬الرمز والتورية والإسقاط،‮ ‬وغير ذلك من أساليب الهروب من المباشرة،‮ ‬واكتشفت السلطات ذلك،‮ ‬وأيقنت أن تدخل البوليس بشكله المباشر الفج لم‮ ‬يعد مجديًا،‮ ‬ويعرضه أيضًا للسخط والانتقاد،‮ ‬وتفتق الذهن البوليسي‮ ‬عن حيلة تكوين جهاز للرقابة‮ ‬يشترك فيه صحفيون وأدباء مع رجال الشرطة للإشراف علي‮ ‬ما تقدمه المسارح،‮ ‬إذ‮ ‬يتقن أن المعاني‮ ‬والمفاهيم الأدبية أدق وأعمق من أن‮ ‬يفهمها الضباط والعسكر،‮ ‬في‮ ‬حين أنها لا تخفي‮ ‬علي‮ ‬الأدباء أنفسهم،‮ ‬فتم تعيين ثلاثة من الصحفيين والأدباء ضمن رجال البوليس الجالسين في‮ ‬المسرح أثناء العرض في‮ ‬انتظار إشارة بأن ما‮ ‬يقدم فوق خشبة المسرح‮ ‬يجب إيقافه ومصادرة أوراق النص المسرحي‮ ‬وإغلاق المسرح‮.. ‬وقد هاجمت صحيفة‮ "‬البلاغ‮ ‬المصري‮" ‬بتاريخ‮ ‬4 ‮ ‬سبتمبر‮ ‬1910 ‮ ‬هذا الإجراء تحت عنوان‮ "‬مصادرة التمثيل‮"‬،‮ ‬وكان أول تطبيق لهذا الأسلوب الرقابي‮ ‬قد تم في‮ "‬دار التمثيل العربي‮" ‬عندما كانت مجموعة من الهواة الشبان تقدم مسرحية فكاهية باسم‮ "‬الجنس اللطيف‮"‬،‮ ‬والمفارقة أنه رغم أن موضوع المسرحية كان بعيدًا كل البُعد عن الأمور السياسية إلاّ‮ ‬أن الممثل المشهور آنذاك‮ "‬حسن أفندي‮ ‬كامل‮" ‬وقف بعد العرض‮ ‬يلقي‮ ‬زجلاً‮ ‬فكاهيًا موجهًا للمرأة المصرية جاء ضمنه هذا البيت‮: "‬واجب تغيث وطنها بولد عامل‮ ... ‬وتخلف لنا من تاني‮ ‬مصطفي‮ ‬كامل‮".‬
وكان مجرد ذكر اسم الزعيم،‮ ‬كفيل بكهربة المسرح وإلهاب حماسة الجمهور الذي‮ ‬عبّر بالصفير والتصفيق الحاد عن مشاعره،‮ ‬تجاه الزعيم‮ "‬مصطفي‮ ‬كامل‮"‬،‮ ‬فانبري‮ ‬البوليس‮ ‬يطفئ الأنوار ويطرد الحاضرين ويطاردهم بالنبابيت والأحزمة و"القوايش‮"..‬
منعت السلطات أيضًا عرض مسرحية‮ "‬مصر للمصريين‮" ‬التي‮ ‬كانت‮ "‬جمعية الألفة الأدبية‮" ‬قد عزمت علي‮ ‬تقديمها ليلة‮ ‬5 أغسطس عام‮ ‬1909‮ ‬ وبين عامي‮ ‬1908 ‮ ‬و‮ ‬1909 ‮ ‬تمكنت بعض العروض المسرحية من الإفلات من منع الرقابة منها مسرحية‮ "‬كيف‮ ‬ينال الدستور‮"‬،‮ ‬ومسرحية‮ "‬مصطفي‮ ‬كامل‮"‬،‮ ‬ومسرحية‮ "‬أبطال الحرية‮"‬،‮ ‬ويؤكد نقاد تلك الحقبة أن ذلك الإفلات جاء نتيجة ارتباك الرقابة علي‮ ‬المسارح نتيجة ارتباك السلطة وانشغال البوليس في‮ ‬فض المظاهرات وملاحقة السياسيين،‮ ‬وأدي‮ ‬ذلك أيضًا إلي‮ ‬كثافة العروض المسرحية السياسية والوطنية التي‮ ‬ظلت تعرض وحتي‮ ‬قيام ثورة‮ ‬1919‮ ‬ وأمرّ‮ ‬آخر مكن بعض العروض من الإفلات من الرقابة كما سبق وأشرنا وهو تطور أسلوب الكتابة،‮ ‬واتباع بعض المؤلفين لأسلوب‮ "‬الرقابة الذاتية وشدة الحذر‮"..‬
بعد ثورة‮ ‬1919 ‮ ‬ظل قانون الرقابة علي‮ ‬المسارح‮ ‬يطبق بأساليب مختلفة من السلطات،‮ ‬مع محاولات دائبة من تلك السلطات اللحاق بتطور الكتابة للمسرح بتعيين من هم أكثر ثقافة وعلمًا بين صفوف الرقباء،‮ ‬وذلك إلي‮ ‬أن قامت ثورة‮ ‬يوليو عام‮ ‬1952 ‮ ‬وبالتحديد حتي‮ ‬3 ‮ ‬سبتمبر عام‮ ‬1955‮ ‬ حين صدر قانون الرقابة‮ (‬430 ‮) ‬وجاء في‮ ‬حيثيات صدوره أنه‮: " ‬صدر من أجل النظام والأمن وحماية الآداب ومصالح الدولة العُليا ومصلحتها السياسية في‮ ‬علاقاتها مع الدول الأخري‮.. "‬ومن أهم بنود هذا القانون‮:‬
1 ‮ - ‬عدم عرض أي‮ ‬عمل مسرحي‮ ‬إلاّ‮ ‬بترخيص من وزارة الثقافة‮.‬
2 ‮ - ‬لا‮ ‬يجوز للمرخص له إجراء أي‮ ‬تعديل بالحذف أو الإضافة بالمسرحية التي‮ ‬تم الترخيص لها‮.‬
3 ‮ - ‬يجوز للسلطات القائمة علي‮ ‬الرقابة أن تسحب قرار الترخيص في‮ ‬أي‮ ‬وقت إذا طرأت ظروف جديدة تستدعي‮ ‬ذلك‮.‬
4 ‮ - ‬يجوز التظلم من القرارات المتعلقة برفض الترخيص أو تجديده‮. ‬بعد عام‮ ‬1952 ‮ ‬شهد المسرح إنتاجًا‮ ‬غزيرًا نتيجة الإيمان بالثورة ومبادئها ومشروعها القومي‮ ‬والوطني،‮ ‬إذ تفجرت طاقات إبداعية كبيرة،‮ ‬وكان ذلك مبشرًا بظهور حركة مسرحية واعدة،‮ ‬انضم لريادتها مؤلفون جدد منهم نعمان عاشور،‮ ‬وسعد الدين وهبة،‮ ‬ويوسف إدريس،‮ ‬وألفريد فرج‮.. ‬إلاّ‮ ‬أن هؤلاء فيما بعد اشتبكوا مع السلطات في‮ ‬صراع محوره عدم تطبيق المبدأ السادس من مبادئ الثورة الذي‮ ‬ينص علي‮.. " ‬إقامة حياة ديمقراطية سليمة‮"‬،‮ ‬وللحق كان هذا الصراع في‮ ‬صالح خصوبة الحركة المسرحية،‮ ‬وظهرت نوعية جديدة تتسم بالثورية في‮ ‬صفوف المؤلفين المسرحيين وكان علي‮ ‬رأسهم ميخائيل رومان ومحمود دياب ونجيب سرور،‮ ‬وتسببت لهم ثوريتهم في‮ ‬ارتياد السجون والمعتقلات لما تجرأت به كتاباتهم المسرحية متحدية للرقابة والسلطات وخاصة بعد نكسة‮ ‬يونية‮ ‬1967 ‮ ‬العسكرية،‮ ‬وذلك بما تحتويه من تشخيص لأسباب الهزيمة وتعرية القيادات والسلطات‮.. ‬ظهرت أيضًا بعد بداية حرب الاستنزاف عام‮ ‬1968 ‮ ‬نوعيات من العروض التي‮ ‬تبعث الأمل وتحض علي‮ ‬الاستعداد للمعركة فكانت أخف وطأة من تلك التي‮ ‬تهاجم السلطات والقيادات وذلك إلي‮ ‬أن قامت حرب أكتوبر،‮ ‬وشهدت السبعينيات تحولاً‮ ‬فكريًا واقتصاديًا في‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬نتيجة لتوجهات القيادة السياسية،‮ ‬وبداية عصر الانفتاح الاقتصادي‮ ‬الذي‮ ‬كان في‮ ‬واقعه انفتاحًا استهلاكيًا ترك أثرًا كبيرًا علي‮ ‬شخصية الإنسان المصري‮ ‬علي‮ ‬اختلاف الشرائح الاجتماعية والثقافية،‮ ‬وبدأ أثر ذلك‮ ‬يظهر جليًا في‮ ‬المسرح الجاد،‮ ‬فسار إلي‮ ‬الانهيار والسقوط،‮ ‬وازدهر المسرح التجاري‮ ‬بموضوعاته الهزلية وانحسر دور الرقابة علي‮ ‬هذه العروض التجارية في‮ ‬مراقبة الأمور التي‮ ‬قد تخدش الحياء العام من‮ "‬إفيهات‮" ‬لفظية أو حركية كلها ذات محتوي‮ "‬جنسي‮" ‬رخيص امتلأت بها مسرحيات القطاع الخاص إلي‮ ‬الحد الذي‮ ‬أعجز الرقابة عن اللحاق بها ومتابعتها فقد كانت تنهمر كالسيل في‮ ‬كل العروض،‮ ‬وتفرغت الأجهزة الرقابية للتربص بأي‮ ‬عرض قد‮ ‬يفلت إلي‮ ‬الاتجاه الجاد أو‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬معارضة أو نقد للسلطة الحاكمة‮.. ‬وانصرف جمهور المسرح الجاد،‮ ‬وازدهر المسرح التجاري،‮ ‬وساهم الإعلام الرسمي‮ ‬في‮ ‬تغذية هذا الاتجاه ببث المسرحيات الهزلية تليفزيونيًا دون‮ ‬غيرها،‮ ‬وحجب الوجه الحقيقي‮ ‬والدور التنويري‮ ‬الذي‮ ‬يضطلع به المسرح في‮ ‬المجتمعات التي‮ ‬تصبوا إلي‮ ‬التحضر والرقي،‮ ‬وترسخ في‮ ‬عقيدة العامة أن ما‮ ‬يراه من هزليات هو المسرح وحسب‮..‬
وفي‮ ‬سياق ما قامت الرقابة بمنعه من عروض مسرحية وذلك بشكل نهائي‮ ‬نذكر علي‮ ‬سبيل المثال مسرحيات‮:‬
1‮ - ‬البعض‮ ‬يأكلونها والعة‮"‬    لنبيل بدران ورفضت في‮ ‬14/ 2 / 1973‮ ‬
2‮ - ‬أرض الصبر‮"‬        لفاروق خورشيد ورفضت في‮ ‬26/3/1973
3‮ - ‬عفاريت الليل‮"‬        لعصام الجمبلاطي‮ ‬وتم رفضها في‮ ‬23/10/1973
4‮  -  ‬100‮ ‬فرخة وديك‮"‬        لماهر ميلاد وتم رفضها في‮ ‬11/8/1974
5‮  - ‬زعيط ومعيط‮"‬        ليسري‮ ‬الجندي‮ ‬ورفضت في‮ ‬3/2/1974
6‮ - ‬شحتوت في‮ ‬المصنع‮"‬    لصالح سعد ورفضت في‮ ‬4/3/1975
وإذا كان هناك مفهوم مدلوله أن‮ "‬الرقابة علي‮ ‬المسرح‮" ‬إنما تمارس دورها من منظور أبوي،‮ ‬بحجة أنها تعرف ما‮ ‬يصلح ليتلقاه الناس مما لا‮ ‬يصلح،‮ ‬فإن هذا المفهوم‮ ‬يصطدم برأي‮ ‬آخر‮ ‬يتهم الرقابة علي‮ ‬المسرح إنها تتبني‮ ‬توجهًا أحاديًا مُغلقًا،‮ ‬لا‮ ‬يعترف بالحوار والجدل وتعدد الرؤي،‮ ‬وتقفز في‮ ‬السياق نفسه عدة تساؤلات عن حرية الفكر والتعبير،‮ ‬هل هي‮ ‬خطر‮ ‬يهدد النظام السياسي‮ ‬القائم بكل ما‮ ‬يحتويه من أيديولوجيات تخصه وتشكل توجهه؟ أم أن حرية الفكر والتعبير خطر‮ ‬يهدد النظام الاجتماعي‮ ‬والفكر السائد؟
وإذا توافرت الجرأة للإجابة بصدق عن تلك الأسئلة‮ ‬– ‮ ‬من وجهة نظرنا‮ ‬– ‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتشكل حينئذ‮ ‬يقين جمعي‮ ‬نحو الإيمان بدور‮ "‬الرقابة علي‮ ‬المسرح‮"‬،‮ ‬والسينما والتليفزيون أيضًا،‮ ‬أو في‮ ‬الاتجاه الآخر نبذها وتخصيص سطر،‮ ‬لها في‮ ‬فصل من فصول أحد كتب التاريخ‮..‬

رامي البكري

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here