اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

فن المناجاة بين شوقي‮ ‬وعبد الوهاب جماليات‮ ‬لحن‮ .. ‬جبل التوباد

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

لكل تعبير من مستويات حديث النفس شروطاً‮ ‬وتقنيات في‮ ‬الكتابة وفي‮ ‬الأداء التمثيلي‮ ‬يحقق عن طريقها كل مستوي‮ ‬أثره الدرامي‮ ‬والجمالي‮ ‬،‮ ‬وإن ظهرت المبالغة في‮ ‬أداء كل منها‮.‬
غير أن الغناء هو الأنسب لأدائها باستثناء الجانبية‮ (‬الوشوشة المسرحية‮) ‬لأنها إسقاط ذهني‮ ‬عقلي‮ ‬بحت‮ ‬،‮ ‬بينما نجد المونولوج والغلبة فيه للشعور أمام العقل في‮ ‬تحقيق الإرادة بينما الغلبة في‮ ‬المناجاة من حيث الانفراد بالخطاب هي‮ ‬للمشاعر وحدها في‮ ‬نعيها علي‮ ‬انكسار إرادتها والغناء هو التعبير المناسب لأحاديث البوح‮.‬
وفي‮ ‬أداء‮ "‬عبد الوهاب‮" ‬للمونولوج الدرامي‮ ‬في‮ ‬مسرحية‮ (‬مجنون ليلي‮) ‬تتجسد مشاعر قيس في‮ ‬حديثه المنفرد مع جبل التوباد‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬يتخذ من الجبل‮ (‬رفيقاً‮ ‬خيالياً‮) ‬يخصه بالبوح إسقاطاً‮ ‬لما في‮ ‬نفسه من حزن وأسي‮ ‬عميق‮ ‬،‮ ‬يخجل العربي‮ ‬البدوي‮ ‬من التحدث به أمام إنسي‮ . ‬والموقف نفسه خارج عن نطاق الصورة الطبيعية وإن كان محتمل الحدوث في‮ ‬عالم الإنسان في‮ ‬حالات مخصوصة أو نادرة الحدوث‮ ‬– أحياناً‮ ‬– لذلك فأداؤها لا‮ ‬يبتعد عن صور المبالغة والتكرار والتماثل والإيقاعات البطيئة الناعمة التي‮ ‬هي‮ ‬أقرب إلي‮ ‬الصوت المهموس،‮ ‬لأن الشخصية في‮ ‬حالة بوح واعتراف أمام الطبيعة فالجبل هنا بمثابة حائط مبكي‮ (‬قيس‮) ‬دون أن تشذ عن هذا الجو إطالة‮ "‬عبد الوهاب‮" ‬في‮ ‬مقطع من المونولوج أو في‮ ‬علو نبره في‮ ‬مقطع آخر لأن الغناء‮ ‬يتم في‮ ‬مكان مفتوح‮ ‬،‮ ‬فهو وحده أمام الطبيعة ومن ثم فهو ملتزم بشروطها وهو في‮ ‬ذلك الموضع بسماواته المفتوحة‮ ‬يمتلك زمام الأثير‮ ‬،‮ ‬فما الذي‮ ‬يمنعه من أن‮ ‬يذيع خطاب بوحه للكون كله فالريح هنا مسخّرة لصوته‮ ‬،‮ ‬كما أن مادة المونولوج‮ (‬الخطاب الدرامي‮) ‬تساعده علي‮ ‬الإطالة في‮ ‬بعض المقاطع بما فيها من حروف المد بجانب إحساسه بأن الأثير مسخّر له‮. ‬كما أنه مطالب بجمالية البوح في‮ ‬الموضع الذي‮ ‬شهد مولد‮ ‬غرامه بليلي‮ ‬،‮ ‬خاصة وأن الطبيعة نفسها جميلة وتشاركه في‮ ‬عملية البوح للنفس عبر الرياح والنسمات المحملة بأريج الزهور البرية لذلك‮ ‬يتشارك معها قيس بصوت عبد الوهاب وموسيقاه التي‮ ‬تشكل المعادل النغمي‮ ‬لبوح الطبيعة من علي‮ ‬سفح الجبل‮ ‬،‮  ‬بموسيقي‮ ‬هي‮ ‬حفيف الهواء الرقيق الناعم التي‮ ‬عبر عنها اللحن للإيحاء النفسي‮ ‬والتخييلي‮ ‬بالمكان‮ (‬الجبل‮) ‬في‮ ‬وقوف قيس الحائر والغارق في‮ ‬الذكري‮ ‬وحالة افتقاده لليلي،‮ ‬حيث جسدت الموسيقي‮ ‬التهيئة النفسية أمام الشخصية‮ (‬قيس‮) ‬ومهدت له مدخلاً‮ ‬نفسياً‮ ‬للبوح والاعتراف قبل أن‮ ‬يوجه تحته لمضيفه الذي‮ ‬فرض نفسه ضيفاً‮ ‬عليه دون أن توجه إليه دعوة‮!! ‬ولقد أدي‮ ‬تكرار المقطع الصوتي‮ ‬لبعض الجمل اللحنية إلي‮ ‬توكيد حالة الفقد التي‮ ‬يعيشها قيس‮ . ‬والتكرار عنصر من العناصر التي‮ ‬تسهم في‮ ‬ترسيم جمالية التعبير في‮ ‬الصورة الفنية بالإشباع والتوكيد‮ ‬،‮ ‬ولصنع تقنيات التظليل‮ ‬،‮ ‬كما هو الحال في‮ ‬اللوحة التشكيلية‮ . ‬وذلك أقرب ما‮ ‬يكون إلي‮ ‬الشيء وظل الشيء ؛ فتكرار مقطع‮ ‬غنائي‮ ‬هو تظليل تعبيري‮ ‬،‮ ‬وتكرار مقطع موسيقي‮ ‬أو جملة موسيقية‮ ‬– عند صمت الغناء‮ ‬– وفق التوزيع الموسيقي‮ ‬وأصوله‮ ‬– هو تظليل تأثيري‮ ‬فالجمل الموسيقية البسيطة انبساط الصحراء وثقافتها والتي‮ ‬تشكل شكلاً‮ ‬من أشكال الوصل بين مقطع‮ ‬غنائي‮ ‬ومقطع‮ ‬غنائي‮ ‬تال له هي‮ ‬ليست بمثابة جسر اتصال بين مقطع وآخر فحسب ولكنها معادل موسيقي‮ ‬لأصوات الطبيعة في‮ ‬ذلك الموضع المنعزل عن الأرض وعن السماء‮ ‬،‮ ‬كما لو كان جزيرة في‮ ‬الفضاء العريض‮. ‬وهي‮ ‬بمثابة الطرف الآخر في‮ ‬حوارية طرفها الأول هو قيس وطرفها الثاني‮ (‬المسكوت عنه‮) ‬هو الجبل قائداً‮ ‬لجوقة الطبيعة بنسائمها وأريج زهور أعشابها وهسيس كائناتها وعصف رياحها في‮ ‬تفاعلات هارمونية‮ .‬
إن التكرار الموسيقي‮ ‬لجملة أو لمقطع لحني‮ ‬هو تظليل‮ ‬يستهدف خلق مصداقية المكان والجو النفسي‮ ‬للبيئة‮. ‬كما أن تبادل المواقع في‮ ‬فضاءات التعبير الصوتي‮ ‬عند الأداء الغنائي‮ ‬واللحني‮ ‬للمونولوج‮ ‬يخلق حالة التنويع عبر إيقاعات اللحن من حيث السرعة والشدة واللين وتهيئة آذان التلقي‮ ‬لاسترجاع ذكري‮ ‬مماثلة لذكريات المؤدي‮ (‬قيس‮) ‬بأداء عبد الوهاب‮ ‬،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬تأمل الحالة‮ ‬،‮ ‬وتخيل صورة لمكان لقاء خاص بالمتلقي‮ ‬– الذي‮ ‬تتقارب حالته مع حالة‮ (‬قيس‮)- ‬بديلاً‮ ‬عن الجبل الذي‮ ‬تصور أجواءه موسيقي‮ ‬اللحن في‮ ‬لحظات صمت المغني‮ ‬،‮ ‬وتجسد حالة حفيف الرياح بالحواف الجبلية في‮ ‬اندفاعها الناعم ما بين الوهاد في‮ ‬اتجاه السهول‮. ‬والموسيقي‮ ‬هنا تصور أيضاً‮ ‬خلو المكان من الإنسان‮.‬
وتتضافر الموسيقي‮ ‬واللحن مع الصورة الاستعارية التمثيلية للعب الطفولي‮ ‬الذي‮ ‬يصور الشاعر في‮ ‬المونولوج حيث‮ ‬يسترجع قيس صورة لعبه طفلاً‮ ‬مع ليلي‮ ‬ببناء بيوت وأحياء من الحصي‮ ‬،‮ ‬وما ترمز إليه الكلمات في‮ ‬البيت الشعري‮ ‬وما تصوره الموسيقي‮ ‬من حالة خواء تلك البيوت الوهمية المسترجعة للعب الطفولة من الناس كما‮ ‬يوظف الصوت اللحني‮ ‬عبث الطفولة بالرسم والتخطيط علي‮ ‬الرمال دون وعي‮ ‬من المخططين‮ (‬قيس وليلي‮) ‬–ربما‮- ‬بماهية الخطوط ووظيفتها ودلالاتها ودون وعي‮ ‬من صفحة الرمال نفسها‮ ‬– بالطبع‮- ‬تدليلاً‮ ‬علي‮ ‬صدق المعايشة البريئة المتطلعة إلي‮ ‬المستقبل مبكراً‮ ‬في‮ ‬جملة مكثفة تشخص التجريد في‮ ‬الخط علي‮ ‬الرمال في‮ ‬حالة من الوجد الطفولي‮ ‬البريء‮. ‬بما‮ ‬يكشف عن أن الطفل هو الوحيد القادر علي‮ ‬اللعب بالطبيعة ولا‮ ‬يشاركه في‮ ‬ذلك سوي‮ ‬العالم والفنان في‮ ‬حين أن الطبيعة هي‮ ‬التي‮ ‬تلعب بالبشرية كلها‮.‬
تحليل الصورة الجمالية في‮ ‬لحن‮ (‬جبل التوباد‮) :‬
توحي‮ ‬موسيقي‮ ‬المطلع قبل الغناء بالمكان‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬تحيل المستمع إلي‮ ‬أجواء الصحراء‮ ‬،‮ ‬وحركة سير الإبل تجسدها الوحدة الإيقاعية المتتالية‮ ‬،‮ ‬كما توحي‮ ‬بالجو النفسي‮ ‬الذي‮ ‬تشيعه حالة السكون‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يقطعه سوي‮ ‬صرير الرياح‮ .‬
تركيز الصوت اللحني‮ ‬علي‮ ‬لفظة‮ "‬التوباد‮" ‬دلالة علي‮ ‬عظمة قدر هذا الموضع في‮ ‬نفس‮ (‬قيس‮) ‬وعلي‮ ‬أمله المعقود عليه وطول عشرته فيه‮.‬
وما الإطالة في‮ ‬أداء‮ (‬حياك الحيا‮) ‬إلاّ‮ ‬للتدليل علي‮ ‬صدق المعاشرة والمحبة والدعاء بطول البقاء‮ ‬،‮ ‬لأن‮ (‬الحيا‮) ‬وهو المطر أعظم ما‮ ‬يدعو به الأعرابي‮ ‬أو ساكن الصحراء لمن‮ ‬يحب وما‮ ‬يحب والتعبير هنا مناط قول‮ ‬،‮ ‬لذلك تعمل الإطالة علي‮ ‬وضع الجملة‮ (‬الدعاء‮) ‬موضع التوكيد التعبيري‮ ‬والتأطير الزمني‮ ‬المناسب لصدق الدعاء‮. ‬إلي‮ ‬جانب مراعاة الوزن الموسيقي‮ ‬من الناحية التقنية قطعاً‮.‬
في‮ ‬انتفاعه بخواص المد في‮ ‬إطالة زمن الأداء الصوتي‮ ‬للفظ الجلالة في‮ ‬دعائه للجبل ولذكري‮ ‬صباه مع ليلي‮ "‬وسقي‮ ‬الله صبانا ورعي‮" ‬للتعبير عن القداسة والإجلال والإيمان المطلق بالقدر راجياً‮ ‬ألا تبهت صورة طفولتهما البريئة في‮ ‬هذا الموضع‮. ‬وهو أيضاً‮ ‬إظهار لقرب الله من نفسه وهو في‮ ‬موقف ضعف‮. ‬وهو كذلك‮ ‬يوظف حرف المد في‮ ‬لفظة‮ (‬صبانا‮) ‬توظيفاً‮ ‬ملائماً‮ ‬في‮ ‬طوله الزمني‮ ‬لأن الصبا محبب إلي‮ ‬نفسه،‮ ‬وهو ما عاد إلي‮ ‬مواضع الصبا إلاّ‮ ‬لكونه افتقد الحاضر مع محبوبته،‮ ‬ومن ثم فإنه في‮ ‬رحلة بحث في‮ ‬الماضي‮ ‬عبر مكان النشأة العاطفية تعويضاً‮ ‬أو تسلية عن حالة الفقد‮. ‬وما كان تكراره لتلك الصورة في‮ ‬إعادة‮ ‬غنائه للبيت نفسه بنفس الطاقة النغمية إلاّ‮ ‬نوعاً‮ ‬من التوكيد علي‮ ‬إحساسه بحالة الفقد‮ ‬،‮ ‬وهو في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يترسم البعد الجمالي‮.‬
في‮ ‬إطالته للجملة اللحنية‮ "‬ورضعناه‮" ‬للتدليل علي‮ ‬امتلائه بالحب ورسوخ عاطفته في‮ ‬نفسه‮.‬
ولتأكيد فضل‮ (‬الجبل‮) ‬في‮ ‬ترعرع ذلك الحب عبّر لحنياً‮ ‬عن ذلك في‮ ‬جملة‮ (‬فكنت المرضعا‮).‬
انتقل الملحن‮ (‬عبد الوهاب‮) ‬من الإيقاع البطيء إلي‮ ‬الإيقاع السريع‮ ‬،‮ ‬والمتراقص طرباً‮. ‬في‮ ‬كل من البيت الثالث‮:‬
‮"‬وعلي‮ ‬سفحك عشنا زمناً    ورعينا‮ ‬غنم الأهل معا‮ "‬
والبيت الرابع‮ : ‬
‮"‬وحدونا الشمس في‮ ‬مغربها    وبكرنا فسبقنا المطلع‮ "‬
لأنه‮ ‬يسترجع عبرهما ذكريات سعيدة هي‮ ‬ذكريات الطفولة والمرح والانطلاق لذا‮ ‬يتغير الإيقاع بتغير حركة المشاعر المسترجعة‮ . ‬كما أنه‮ ‬يتذكر هنا في‮ ‬هذين البيتين تفصيلات حبهما‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬البيتين تفصيل بعد إجمال لإظهار روعة الحب الذي‮ ‬كان بينهما وذكرياتهما علي‮ ‬ذلك الموضع‮. ‬غير أن هذه السعادة المسترجعة عبر التذكر سريعاً‮ ‬ما تبهت‮.‬
يعود البيت الخامس إلي‮ ‬الإيقاع البطيء مرة أخري‮ ‬للفت السامع إلي‮ ‬أن فرحته أقصر زمناً‮ ‬مما‮ ‬يجب وأنه إنما كان‮ ‬يسترجع ذكري‮ ‬ماضيه فحسب‮. ‬كما أنه‮ ‬يركز علي‮ ‬موضع بعينه‮ ‬،‮ ‬هو‮ ‬يتأمل ما كان ولذا‮ ‬يتنوع النغم لانتقاله من مرحلة عمرية إلي‮ ‬مرحلة عمرية مغايرة حيث‮ ‬يصور تدرج التنغيم الصوتي‮ ‬نحو نبر أعلي‮ ‬بدرجة أو درجتين ما بين تصويره لعبارة‮ " ‬كم بنينا من حصاه أربعا‮" ‬وتصويره لعبارة‮ "‬وانثنينا فمحونا الأربعا‮" ‬صعوداً‮ ‬في‮ ‬النبر التنغيمي‮ ‬اللحني‮ ‬إلي‮ ‬عبارة‮: "‬وخططنا في‮ ‬نقا الرمل‮     ‬فلم تحفظ الريح‮" ‬ليقطع الصوت اللحني‮ ‬بشرطة موسيقية اعتراضية تفيد انتقاده لسوء فعل الريح ليصلها بالصوت اللحني‮ ‬في‮ ‬نبر أعلي‮ ‬درجة وحدة في‮ ‬تعبيره عن عبارة‮ "‬ولا الرمل وعي‮" ‬ليرقي‮ ‬بالتعبير اللحني‮ ‬إلي‮ ‬مرحلة الاتهام‮ ‬– اتهام الريح والرمل كليهما بالتعدي‮ ‬علي‮ ‬خصوصية المحب العاشق وحقه السرمدي‮ ‬في‮ ‬التعبير عن مكنون عشقه بالطريقة التي‮ ‬يراها‮. ‬وللدلالة علي‮ ‬تشديده في‮ ‬مؤاخذة الرمل وتغليظ اتهامه له‮ ‬يكرر التعبير اللحني‮ ‬نفسه‮ (‬ولا الرمل وعي‮) ‬بنفس الطاقة النغمية‮ . ‬ولتأكيد ظاهرة طبيعية‮ ‬يسجلها علي‮ ‬اجتماع الريح والرمال ففي‮ ‬اجتماعهما المتفاعل اندثار لمخططات البراءة العاطفية في‮ ‬فضائهما المتغير‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك‮ ‬يختبئ المسكوت عنه وهو المستقبل‮ ‬،‮ ‬مستقبل هذين العاشقين‮ ‬،‮ ‬لأن في‮ ‬محو الرياح لمخططاتهما الطفلية علي‮ ‬صفحة الفضاء الرملي‮ ‬هو استشفاف مبكر لما سيؤول إليه حالهما في‮ ‬الكبر حيث افترقا‮. ‬وهل هناك أفضل من الاستشفاف المستقبلي‮ ‬فيما‮ ‬يبدع الشاعر أو الأديب أو الفنان ؟‮!‬
ومع أن التكرار تظليل تعبيري‮ ‬عن حالة الأداء الغنائي‮ ‬وتظليل تأثيري‮ ‬حالة الجمل الموسيقية في‮ ‬فضاء ما بين مقطع صوتي‮ ‬غنائي‮ ‬ومقطع‮ ‬غنائي‮ ‬تال له‮ ‬،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن الجملة الموسيقية التي‮ ‬تفصل ما بين تكرار عبد الوهاب لعبارة‮ "‬ولا الرمل وعي‮" ‬والبيت الثاني‮ ‬عشر‮ "‬لم تزل ليلي‮ ‬بعيني‮ ‬طفلة‮" ‬هو فاصل قصد به الملحن التعبير عن الخروج من حالة الاتهام الناقد لسنن الطبيعة ومظاهرها إيماناً‮ ‬بانعدام الحيلة إزاء ذلك كما أن هذه الجملة اللحنية هي‮ ‬تعبير عن انقضاء فترة زمنية تفصل حالة انفعال‮ (‬قيس‮) ‬عن حالة استيعابه للدرس‮ . ‬ولأن الشخصية تضع نفسها موضع التقرير في‮ ‬تصويرها الذي‮ ‬يوقف الزمن أمام نظرتها لليلي‮:‬
    " لم تزل ليلي‮ ‬بعيني‮ ‬طفلة        لم تزد عن أمس إلاّ‮ ‬إصبعا‮ "‬
لذلك تتوافق الطاقة النغمية اللحنية مع ذلك المعني‮ ‬في‮ ‬تقرير الشخصية الخارج عن نطاق المعقول فجاء التعبير اللحني‮  ‬مكثفاً‮ ‬ولا منطق فيه لزمن التنغيم ليؤكد حالة التقرير بغض النظر عن معقوليته أو منطقيته‮. ‬ليخرج بعد ذلك إلي‮ ‬عتاب الجبل عتاب الصديق للصديق في‮ ‬تعبيره اللحني‮:‬
‮" ‬ما لأحجارك صماً‮ ‬كلما‮ ‬        هاج بي‮ ‬الشوق أبت أن تسمعا‮ "‬
‮" ‬كلما جئتك‮ "  "‬راجعت الصبا‮ " "‬فأبت أيامه‮ " " ‬أن ترجعا‮" ‬وأري‮ ‬أن الطاقة النغمية هنا لاهثة مقطوعة الأنفاس‮ ‬غير موفقة في‮ ‬التعبير عن مستويات المعني‮ ‬والموقف الشعوري‮ ‬بسبب التقطيع اللحني‮ ‬المتكرر الذي‮ ‬يعقب كل مقطع منه بشرطة موسيقية كما لو كنا أمام عبارة مكتوبة تتوالي‮ ‬فيها‮ (‬الشولات‮) : ‬ولو كانت المقاطع الموسيقية‮ ‬– بين هذه التقطيعات اللحنية لأوصال الجمل في‮ ‬البيتين‮ ‬– صورت حالة النهنهة البكائية لقيس لكانت أبلغ‮ ‬في‮ ‬الحاجة إلي‮ ‬مثل تلك التقطيعات التي‮ ‬أوجدها عبد الوهاب في‮ ‬لحنه لهذين البيتين التي‮ ‬يعاتب فيهما قيس صديقه الجبل ؛ فاللحن هنا‮ ‬يفصل فعل الشرط‮ (‬المجيء‮) ‬عن سببه‮ (‬مراجعة الصبا‮) ‬وكذلك فصل جواب الشرط‮ (‬فأبت أيامه‮) ‬فصل القرار عن آلياته‮ (‬أن ترجعا‮) ‬في‮ ‬تقطيع نغمي‮ ‬لحني‮ (‬مونوتون‮) ‬تتساوي‮ ‬الوقفات فيه ويتكرر التنغيم اللحني‮ ‬في‮ ‬كل جملة صوتية بنفس المسافات الزمنية والإيقاعية حيث أن الجملة اللحنية في‮ ‬كل المقاطع النغمية واحدة مع أن الفعل‮ ‬غير السبب الباعث عليه وفعل الشرط‮ ‬غير جواب الشرط‮. ‬فالثاني‮ ‬مترتب علي‮ ‬الأول ونتيجة له‮.‬
وهنا نقف عند الطاقة النغمية في‮ ‬التعبير اللحني‮ ‬للبيت الأخير الذي‮ ‬يضم‮ "‬شوقي‮" ‬صوته إلي‮ ‬صوت‮ (‬قيس‮) ‬ويتوحد معه من خلف القناع ليرسخ أو‮ ‬يثبت حقيقة‮ ‬يؤمن بها كل عاشق حقيقي‮ ‬علي‮ ‬مر العصور واختلاف الأماكن والبلدان في‮ ‬البيت الأخير من المونولوج‮ :‬
‮" ‬قد‮ ‬يهون العمر إلاّ‮ ‬لحظة‮ ‬    وتهون الأرض إلاّ‮ ‬موضعا‮ "‬
وقد نجح‮ "‬عبد الوهاب‮" ‬في‮ ‬تصوير حالة القصر والاستثناء في‮ ‬البيت الشعري‮ ‬الأخير للمونولوج بمعادلة لحنية بتركيزه وتأطيره التنغيمي‮ ‬لكلمتي‮ (‬ساعة‮) ‬و(موضعا‮) ‬وهما موضع الاستثناء والقصر‮ ‬،‮ ‬لأن الساعة استثناء من العمر كله ومعادله في‮ ‬عرف المحب وكذلك الموضع من الأرض كلها فهو عند العاشق معادل للأرض كلها لأن ساعة لقاء الحبيب بحبيبه بالدنيا كلها أو بعمره كله وموضع لقائه بمن‮ ‬يحب بالأرض كلها لذلك بالغ‮ ‬التعبير اللحني‮ ‬عنهما في‮ ‬الأداء اللحني‮ ‬الصوتي‮.‬

تعقيب أخير‮ :‬
    وفق المخرج عزيز عيد عندما أخرج هذه المسرحية‮ (‬مجنون ليلي‮) ‬في‮ ‬تصوره لأداء بعض المواقف الدرامية التي‮ ‬رأي‮ ‬أن أداءها‮ ‬يناسبه الغناء أكثر مما‮ ‬يناسبه التمثيل ومنها حوارية‮ : "‬من الهاتف الداعي‮ ‬أقيس أري‮ ‬؟‮ " ‬ومنها مونولوج‮ "‬جبل التوباد‮" ‬مع أن أسلوب إخراجه للمسرحية كان أسلوباً‮ ‬طبيعياً‮ ‬إذ صنع علي‮ ‬المسرح تلاً‮ ‬رملياً‮ ‬حقيقياً‮ ‬وغرس فيه أشجار النخيل ووظف الإضاءة لتعكس ليل الصحراء فكانت سيقان‮ (‬أحمد علام‮) ‬ممثل دور‮ (‬قيس‮) ‬في‮ ‬الثلاثينيات من القرن العشرين وسيقان‮ (‬فاطمة رشدي‮) ‬ممثلة دور‮ (‬ليلي‮) ‬وبقية الممثلين تغوص في‮ ‬الرمال في‮ ‬أثناء سيرهما علي‮ ‬المسرح عند عرضها علي‮ ‬خشبة المسرح‮ (‬سينما الهمبرا‮) ‬بمنطقة محطة الرمل بالإسكندرية‮.‬

‮ ‬هدم المسرح في‮ ‬مطلع الثمانينيات وبيعت أرضه لثري‮ ‬خليجي‮ ‬حوله إلي‮ ‬خرابة‮.

‮                        ‬د‮. ‬أبو الحسن سلام‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢١٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here