اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

حساسية ما بعد‮ ‬يناير الفنية أبطال العالم الافتراضي‮(‬/3ب‮)

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ويبدأ العالم الافتراضي‮ ‬بإطلاق دعوة لإنشاء"مجموعة‮/‬group"لها هدف‮ ‬غائم،‮ ‬أو موضوع نقاش‮ "‬topic‮ ‬فضفاض،‮ ‬وقد تكون مجموعة محدودة العدد،‮ ‬مغلقة علي‮ ‬نفسها بكلمة مرور سرية‮. ‬ولكن ليس هناك‮- ‬رغم ذلك‮- ‬ما‮ ‬يحول دون اختراقها،‮ ‬والدخول إليها بدعوي‮ ‬الاقتناع بهدفها أو الإعجاب بموضوعها ورغبة الإسهام في‮ ‬مناقشته وتداول الآراء حوله‮. ‬فلا تلبث المجموعة في‮ ‬جميع الأحوال أن تنمو وتتوالد،‮ ‬ويحمي‮ ‬بينها وطيس المعارك الفكرية الحقيقية والمصطنعة،‮ ‬بما تتقاذفه من سباب وشتائم،‮ ‬وألوان السخرية والتهكم،‮ ‬وبما قد‮ ‬يسمها من معلومات‮ ‬غائبة أو مبتسرة أو مشوهة.ولكنها تكفي‮ ‬لأن تضفي‮ ‬علي‮ ‬أفرادها إحساسا مطردا بالأهمية وتحقق الذات،‮ ‬علي‮ ‬نحو لا شك‮ ‬يسهم في‮ ‬تعميق المفاضلة مع"العالم الواقعي‮"‬،‮ ‬ومع نسق قيم"الأبوية"السائد‮.‬
وعلي‮ ‬هذا النحو،‮ ‬كان العالم الافتراضي،‮ ‬اجتماعيا بامتياز تخلقت فيه علاقات جديدة بين الأفراد،‮ ‬وبدا بمثابة المدرسة والجامعة ذات البرامج الاختيارية العديدة والبدائل المتاحة بحركة"الماوس‮"‬،‮ ‬والوسط التربوي‮ ‬الذي‮ ‬تنتهك فيه اللغة،‮ ‬كما تنتهك القيم السائدة"بالسخرية والتهكم،‮ ‬ويعاد تشكيلها لا إنتاجها،‮ ‬ولو بأفكار مبتسرة أو متعجلة تعكس"التأزم"بأكثر مما تعتبر مخرجا منه‮. ‬ولكن هذا العالم أفرز في‮ ‬النهاية أولئك الأبطال الذين أدهشوا أهلهم وأساتذتهم،‮ ‬وكثيراً‮ ‬من الأجيال السابقة عليهم،‮ ‬بما فعلوه وتكشفوا عنه ابتداء من الخامس والعشرين من‮ ‬يناير2011،‮ ‬في‮ ‬ميادين التحرير‮.‬
إلا أن الحساسية الفنية بإزاء العالم الافتراضي،‮ ‬ربما بدأت قبل هذا التاريخ الفاصل،‮ ‬فمنذ أكثر من عام تقريبا،‮ ‬أهداني‮ ‬أحد الأصدقاء‮- ‬وإن فصلت بيننا فجوة جيل علي‮ ‬الأقل‮- ‬مجموعة قصصية من إنتاجه،‮ ‬وحين تصفحتها فاجأتني‮ ‬بأنها في‮ ‬مجموعها تعتمد علي‮ ‬تنوع من المفارقات‮ ‬يمكنه تشكيل بنية ثابتة،‮ ‬فكلها مستمدة من التعرية المتتابعة للأقنعة التي‮ ‬يلج بها الأفراد‮ ‬غالبا العالم الافتراضي،‮ ‬فإذا تبدت في‮ ‬قناع ما اليوم وعبر هذه المحاورة أو تلك الدردشة،‮ ‬فيثير ما‮ ‬يثير من مشاعر نحوها وانطباع عنها،‮ ‬تنسخه بقناع ثان في‮ ‬المحاورة التالية،‮ ‬كأننا بإزاء"شخصية زئبقية‮" ‬قابلة للتشكل واتخاذ ما تراه من أبعاد في‮ ‬كل مرة،‮ ‬ولا‮ ‬يبقي‮ ‬من ثوابت لها،‮ ‬إلا رغبة عنيدة ومتجددة في‮ ‬اقتحام العالم الافتراضي‮ ‬والإطلال عليه،‮ ‬وممارسة إمكانية التواصل مع من فيه،‮ ‬بلا حساسية من أي‮ ‬قيود قد تفرض عليه من خارجه.ولكن من ناحية ثانية،‮ ‬ورغم السخرية الفنية‮"‬Irony"التي‮ ‬كانت تتولد دوما من عملية تكوين القناع وهدمه،‮ ‬حاولت‮- ‬منهجيا‮- ‬أن أغوص وراء التفكيك الظاهر للشخصية لألتقط أبعادا أكثر صلابة،‮ ‬تلح علي‮ ‬التكرار والتردد،‮ ‬بين عمليتي‮ ‬الهدم والبناء،‮ ‬وكنت موقنا أن هذه الأبعاد لابد وأن تكون قارة هناك،‮ ‬بما‮ ‬يكفي‮ ‬علي‮ ‬الأقل لتبرير الظاهرة في‮ ‬كليتها،‮ ‬ومنحها تفسيرا مناسبا.لكن الصديق الذي‮ ‬أغرم بالعالم الافتراضي‮ ‬في‮ ‬تلك المجموعة‮  ‬القصصية،‮ ‬يبدو أن حساسيته الفنية قد أخذت فحسب بتقنية"التقنع‮/‬masking"وما قد‮ ‬يتولد عنه من مفارقات ممكنة،‮ ‬وسخرية فنية مثيرة للدهشة‮.‬
ولكن الحساسية الفنية فيما بعد ثورة‮ ‬يناير،‮ ‬مدعوة‮- ‬في‮ ‬تقديري‮- ‬ليس إلي‮ ‬تكثيف الاهتمام بالعالم الافتراضي‮ ‬فحسب،‮ ‬بل ولتطوير الموقف منه ورؤيته،‮ ‬بما‮ ‬يفض هالة الصمت التي‮ ‬ضربت عليه والأسئلة العلمية التي‮ ‬ترتبط به،‮ ‬وما قد‮ ‬يحيط به ويكتنفه من أسئلة أخري‮ ‬شائكة عن دوافع الإقبال عليه،‮ ‬والتقنع فيه،‮ ‬وأثر الارتباط به علي‮ ‬الشخصية:أفكارها وتحولات علاقاتها وقيمها،‮ ‬لغتها في‮ ‬التعبير عن نفسها،‮ ‬أسلوبها في‮ ‬تحقيق رغباتها.ولا شك أن هذا الاهتمام بما‮ ‬يكتنفه من أسئلة،‮ ‬له ما‮ ‬يبرره بحيث‮ ‬يلح علي‮ ‬الاندماج فيما اعتبرناه حساسية ما بعد‮ ‬يناير،‮ ‬خاصة بعد أن خرج هذا العالم الافتراضي‮ ‬من عزلته وأطبق علي‮ ‬الواقع المعيش،‮ ‬وأدي‮ ‬دوره في‮ ‬هدم أركان نظامه السياسي،‮ ‬بالثورة،‮ ‬علي‮ ‬نحو‮ ‬يفرضه فرضا،‮ ‬ويلح به وبإشكالياته،‮ ‬علي‮ ‬الوعي‮ ‬والضمير العام‮.‬
فمن ناحية تراكم عديد من الأخبار والوقائع،‮ ‬عن الدهشة التي‮ ‬التقت بها الكتل الشبابية بعضهم بالبعض لأول مرة في‮ ‬ميادين التحرير،‮ ‬وكأن كلا منهم لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف الآخر من قبل،‮ ‬برغم أنه التقي‮ ‬به،‮ ‬ولساعات طويلة ومتكررة علي‮ ‬صفحات العالم الافتراضي،‮ ‬ممثلا في‮ ‬مواقع التواصل الاجتماعي‮.‬لكنها الدهشة التي‮ ‬انبثقت عن ذوبان المسافة بين العالم الافتراضي،‮ ‬وعالم الواقع الحي‮ ‬بكل ثقل كثافته الفيزيقية وقدرته‮- ‬بما‮ ‬ينظمه من وجود جسدي‮ ‬خشن"هنا‮- ‬الآن"تحت الحواس‮- ‬علي‮ ‬نفي‮ ‬الأقنعة بحدة،‮ ‬قد تتجاوز الطوعية،‮ ‬ولا تخلو من العنف وإن بدا عفويا.ومن ناحية ظلت جمع الاحتشاد بالملايين في‮ ‬الميادين نفسها،‮ ‬حتي‮ ‬بعد تخلي‮ ‬القيادة السياسية عن مسئولياتها‮- ‬وإلي‮ ‬فترة طويلة قادمة‮- ‬مرتهنة بالدعوة إليها علي‮ ‬صفحات العالم الافتراضي‮ ‬نفسها،‮ ‬وكأنها جهاز إعلامي‮ ‬خفي،‮ ‬لا تكاد تلم به القطاعات الأكبر أو التقليدية من الناس.ومن ناحية ثالثة تتراكم في‮ ‬الوعي‮ ‬العام نفسه أخبار ووقائع أخر عن إنشاء المجلس الأعلي‮ ‬للقوات المسلحة صفحة أو حساب‮ "‬account"خاص به،‮ ‬علي‮ ‬مواقع التواصل الاجتماعي،‮ ‬يبث فيه رسائله وبياناته المتتابعة التي‮ ‬تكشف خطابه وفعالياته السياسية منذ تولي‮ ‬المسئولية بديلا للرئيس عقب تخليه عن موقعه،‮ ‬كأنه‮ ‬يحاور الكتل الاجتماعية المنخرطة في‮ ‬العالم الافتراضي،‮ ‬قبل أن‮ ‬يعني‮ ‬بسواها في‮ ‬وسائل الإعلام التي‮ ‬تنقل عنه،‮ ‬وتوسع رقعة أثره.ولم‮ ‬يغفل مجلس الوزراء‮- ‬في‮ ‬السياق نفسه‮- ‬أن‮ ‬ينشئ له حسابا مماثلا،‮ ‬غير مكتف بما‮ ‬يمكنه توظيفه من وسائل الإعلام مرئية ومسموعة أو مقروءة‮. ‬كما أن ضيوف برامج التلفزيون والمذيعون والمذيعات،‮ ‬باتوا لا‮ ‬يترددون عن الإفصاح بما‮ ‬يدونون في‮ ‬حساباتهم الخاصة،‮ ‬أو‮ ‬يتلقونه من تعليقات عليها‮.‬
وعلي‮ ‬هذا النحو اكتسب"العالم الافتراضي‮"‬صفة الحضور بإلحاح في‮ ‬قلب الواقع المشهود،‮ ‬بما‮ ‬يتمخض عنه من أسئلة وفعاليات،‮ ‬واستجابات متبادلة،‮ ‬ومراجعات فكرية،‮ ‬من كافة الكتل والقوي‮ ‬الاجتماعية/السياسية الفاعلة في‮ ‬المشهد العام،‮ ‬أو علي‮ ‬الدقة مواقع"البنية"التي‮ ‬توشك أن تتأسس علي‮ ‬أنقاض"البنية"المنهارة وتتجاوزها.ولكن العالم الافتراضي‮ ‬رغم حضوره المتزايد في‮ ‬الوعي‮ ‬العام،‮ ‬والزيادة المطردة في‮ ‬الإقبال عليه،‮ ‬ظل‮- ‬ولو بشكل نسبي‮- ‬عالم"النخب‮-‬elites"سواء ممن‮ ‬يمتلكون الثقافة والتعليم،‮ ‬أو ممن‮ ‬يدعونها‮. ‬وقد اصطنع الثوار بمختلف فرقهم وأطيافهم أعداءهم وخصومهم،‮ ‬ممن اعتبروهم‮- ‬بشكل لا‮ ‬يخلو من‮ ‬غموض‮-  ‬فلولا وبقايا النظام السابق،‮ ‬الذين‮ ‬ينبغي‮ "‬تصفية الحساب"معهم،‮ ‬وتطهير حنايا الواقع منهم.وفي‮ ‬المقابل شمر هؤلاء الفلول عن سواعدهم،‮ ‬ودخلوا العالم الافتراضي،‮ ‬وبسننه نفسها،‮ ‬لاختراق ما‮ ‬يتخيرونه من"مجموعات"و"ائتلافات‮"‬،‮ ‬أو لتشكيل"مجموعات مضادة‮"‬،‮ ‬وبذا انتقل الصراع"اجتماعيا وسياسيا"إلي‮ ‬ميادين العالم الافتراضي‮ ‬نفسه،‮ ‬بما‮ ‬يلزمه من ذخيرة الاتهامات المضادة،‮ ‬أو حجج الدفاع عن الذات وتبريرها‮. ‬ولكن هذا العالم‮- ‬من ناحية ثانية‮- ‬لم‮ ‬يمتنع عن كشف أنياب التناقض بين القوي‮ ‬نفسها التي‮ ‬سبق وأن اتفقت علي‮ ‬إسقاط النظام،‮ ‬فتتبدي‮ ‬الخلافات بينها هينة حينا،‮ ‬وعميقة حينا آخر،‮ ‬فما تلبث أن تتحول إلي‮ ‬خصومة طاحنة،‮ ‬وصدع لا‮ ‬يقبل ربأ‮. ‬وقد تتفتت الكتلة الواحدة‮- ‬في‮ ‬السياق نفسه‮- ‬إلي‮ ‬عشرات الكتل والائتلافات المشتتة إن لم تكن المتناحرة،‮ ‬فإذا بنا بإزاء بضعة مئات منها،‮ ‬إما بتأثير طغيان الفردية،‮ ‬أو بتأثير عمليات الاختراق،‮ ‬التي‮ ‬لا تخلو من ترويج شائعات وادعاءات وتزيف متعمد للوجوه والأفكار،‮ ‬وتشنج في‮ ‬المحاجاة‮. ‬وإذا خرج"أحد"علي‮ ‬الملأ متحدثا أو معلقا علي‮ ‬واقعة ما،‮ ‬بادر علي‮ ‬الفور بتأكيد أنه‮ ‬يتحدث‮- ‬غالبا‮- ‬تعبيرا بالأصالة عن نفسه فقط،‮ ‬ولا‮ ‬يمكنه الحديث عن جماعة أو ائتلاف‮ ‬ينتمي‮ ‬إليه وينخرط فيه‮.‬
ويبدو في‮ ‬هذا السياق أن معظم الظواهر الاجتماعية/السياسية،‮ ‬التي‮ ‬تفجرت مع ثورة‮ ‬يناير ويتعين أن تلتقطها مفردة أو مجتمعة الحساسية الفنية،‮ ‬تتجمع،‮ ‬وتنتشر‮- ‬في‮ ‬الوقت نفسه‮- ‬من بؤرة الفردية المطلقة،‮ ‬فردية مأزومة،‮ ‬تبحث بإلحاح عما‮ ‬يحققها،‮ ‬ولا‮ ‬يجهض ما تتصور أنه حريتها وتميزها،‮ ‬اللذين تكونا بولوج العالم الافتراضي‮.‬وقد تكشف وراء"تأزم الفردية"بالظواهر التي‮ ‬تفرعت عليها‮ - ‬دون أن تخلو من طابع سلبي‮- ‬عمق تاريخي،‮ ‬يرجع بدواعيها إلي‮ ‬القهر والاستبداد أو احتكار الحكمة والوصاية،‮ ‬وغير ذلك مما أهدر وأهان الكرامة الإنسانية.ولكن قد‮ ‬يقتصر هذا العمق‮- ‬في‮ ‬طائفة من الآراء‮- ‬علي‮ ‬تداعيات دوام"ديكتاتورية"النظام السابق لمدة ثلاثين عاما،‮ ‬وقد‮ ‬يمتد العمق نفسه‮- ‬في‮ ‬طائفة أخري‮ ‬من الآراء معروفة الهوية‮- ‬إلي‮ ‬ثورة‮ ‬يوليو1952، بما أعقبها من حكام انتموا إلي‮ ‬المؤسسة العسكرية،‮ ‬وسولوا لأنفسهم تعليق الخيار الديموقراطي‮.‬ولكن محاولة تأصيل هذا العمق التاريخي‮ ‬علي‮ ‬نحو علمي،‮ ‬تعود به إلي‮"‬نسق قيم الأبوية"الذي‮ ‬اصطدمت به الثورات‮- ‬علي‮ ‬الأقل‮- ‬طوال التاريخ الحديث بنهاية القرن الثامن عشر،‮ ‬ذلك النسق الذي‮ ‬برر صدور فرمان المسند الخديوي‮ ‬بتجريم العيب في‮"‬الذات العلية‮"‬،‮ ‬ثم تجريم العيب في‮"‬الذات الملكية‮".‬
وأيا كان الأمر،‮ ‬فالظواهر الاجتماعية/السياسية المتداعية مع ثورة‮ ‬يناير،‮ ‬مازالت تتراوح بين العالمين"الافتراضي‮- ‬الواقعي‮"‬،‮ ‬كما‮ ‬يتبدي‮ ‬في‮ ‬الدعوات المليونية التي‮ ‬تطلقها قوي‮ ‬متنوعة تحت شعارات مختلفة،‮ ‬للاحتشاد في‮"‬ميدان التحرير‮"‬،‮ ‬مما‮ ‬يطرح بالتبعية العالم الافتراضي‮ ‬في‮ ‬الصيغ‮ ‬المكانية للفضاءات الدرامية،‮ ‬بحيث‮ ‬يزدوج مع مكان واقعي‮.‬وفي‮ ‬هذا الإطار‮ ‬يتبدي‮ ‬خطاب القوي‮ ‬الفاعلة وقد تلبست فيه الحرية السياسية،‮ ‬ثياب الحرية الشخصية،‮ ‬مغتسلة من نهر الفوضي‮ ‬والنفي‮  ‬غير الواعي‮ ‬للآخر كائنا من كان،‮ ‬حيث‮ ‬يتبلور تعريف الحرية الذي‮ ‬يتخذ صور الدعاية والتوجيه الإعلامي‮: ‬أفعل ما أريد،‮ ‬وقتما أريد،‮ ‬وكيفما أريد‮. ‬فلا‮ ‬يكاد‮ ‬يدرك هذا التعريف حتي‮ ‬الحدود التي‮ ‬ذكرها"فولتير‮"- ‬في‮ ‬استنارة القرن الثامن عشر‮- ‬حين قال بأن حريتك تنتهي‮ ‬عند حدود أنفي‮!!‬،‮ ‬مما‮ ‬يستوجب وضع حرية"الأنا"مباشرة في‮ ‬جدلية علاقته ب"الآخر‮". ‬وفي‮ ‬السياق نفسه،‮ ‬كثيرا ما ترتدي‮ ‬الذاتية مسوح الموضوعية،‮ ‬مما‮ ‬يفسر اعتبار البؤرة التي‮ ‬تنطلق منها الظواهر،‮ ‬بؤرة تذويت‮"‬interiorization"، قد تتشرب بسوء استخدام‮  ‬اللغة،‮ ‬وتشفيرها المتعمد‮.‬
ومن ناحية ثالثة ظل العالم الافتراضي‮ ‬معزولا عن البحر الأجاج بما‮ ‬يتلاطم فيه من أمواج العامة والدهماء وبسطاء الناس،‮ ‬الذين‮ ‬يجترون شكواهم اليومية،‮ ‬وتنوء كواهلهم بأعباء ومتطلبات الحياة ويشغلون بتدبيرها،‮ ‬في‮ ‬ضوء ما‮ ‬يعتبر"وعيا واقعيا‮"‬،‮ ‬لا‮ ‬يقدر علي‮ ‬تطوير نفسه إلي‮ ‬وعي‮ ‬ممكن‮. ‬إنهم أمواج من البشر إما بالكاد تفك خطوط"المعرفة"بما‮ ‬ييسر شؤونها اليومية،‮ ‬ولا تبدد طاقتها بقراءة إلا إن كانت لجرائد تغليف البضائع التي‮ ‬يشترونها،‮ ‬أو‮ ‬يأكلونها علي‮ ‬العربات الشعبية‮!‬،‮ ‬أو أنها تنيخ بالأمية التامة،‮ ‬التي‮ ‬أخفقت الحكومات المتعاقبة‮- ‬عامدة أو‮ ‬غير عامدة‮- ‬في‮ ‬إيجاد حلول جذرية لها،‮ ‬فسول"أحمد نظيف‮"- ‬آخر رئيس وزارة للنظام المنهار‮- ‬لنفسه الربط بين أمية شعبه‮  ‬وعدم جدارته بالديموقراطية‮.‬
وأذكر أن مدرسة ابتدائية تحمل مؤهلا جامعيا،‮ ‬كانت بين الحين والحين ترتاد ميدان التحرير مرة من قبيل الفسحة،‮ ‬ومرات من قبيل الفضول والحاجة للثرثرة بما‮ ‬يثير انتباه جيرانها وأصدقائها،‮ ‬القابعات علي‮"‬الشلت أو الآرائك"في‮ ‬البيوت،‮ ‬ولكنها لم تكن تتردد عن الصراخ طالبة أن تفهم،‮ ‬وتود لو اتسع الوقت وهدأ وطيس الميدان لتزيد فرصتها في‮ ‬الفهم لما‮ ‬يجري‮ ‬حولها،‮ ‬أو‮ ‬يقال لها‮. ‬فإذا كان هذا حال"مدرسة"تعالج مهنة التعليم،‮ ‬ما بال حال الكثرة الغالبة،‮ ‬التي‮ ‬دمغت عقولها الأمية؟،‮ ‬ورغم ذلك فهؤلاء وأولئك لهم"ثقافتهم"المتواترة،‮ ‬بأنساق‮ "‬قيم"عرفية،‮ ‬تتسم بدرجة من الثبات النسبي‮ ‬والعزلة الأكيدة عن أجواء العالم الافتراضي‮. ‬ورغم ما‮ ‬يحكم وجود هذه الأمواج البشرية مما‮ ‬يعتبر بنية تخلف،‮ ‬إلا أنها‮- ‬في‮ ‬الوقت نفسه‮- ‬تملك بكثرتها،‮ ‬وبثقلها الانتخابي‮ ‬مفاتيح أبواب"شرعية التمثيل السياسي‮"‬،‮ ‬التي‮ ‬تطمح إليها كافة القوي‮ ‬والأطياف اللاعبة في‮ ‬المشهد المصري.

 

د‮. ‬سيد الإمام

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 218

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here