• اوقفوا التعامل مع الاستاذ بريخت !!

  • عصام السيد : متفاءل بدورة التجربيي القادمة

  • فقر الموضوعات .. الاهمال .. الخامات الردئية .. غياب الوعى

  • الثانية في الغرام ... معالجة لمفهوم الحب في المجتمع

  • إسماعيل مختار : تطوير وتحديث مسارح البيت الفني ضروة وإعادة تشغيلها قريبا

اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
جريدة مسرحنا المصرية - الموقع الرسمي
مسرحنا

مسرحنا

رابط الموقع:

الصفحة 8 من 349
  • نصوص مسرحية

  • هوامش

  • كل مرة

  • فواصل

  • ملف خاص

  • لو عندك وقت

  • ‮"‬عرايس‮" ‬دينا سليمان
    ‮

     

    قبل شهور أُعلمت باختيار مسرحيتي‮ "‬الخوف‮" ‬لتقدم ضمن فعاليات مهرجان هايدلبرج بألمانيا،‮ ‬وعرفت وقتها أنه تم اختيار مسرحية أخري‮ ‬لكاتبة اسمها دينا سليمان‮. ‬لم أكن أعرف دينا وقتها ولم أكن سمعت بها‮ (‬ولعلها لم تكن سمعت بي‮ ‬هي‮ ‬أيضا‮) ‬ولكني‮ ‬ادعيت معرفتها وأثنيت علي‮ ‬اختيار المهرجان لدينا،‮ ‬فقد كان من المهم جدا تمثيل مصر في‮ ‬مهرجان دولي‮ ‬بكتابات جديدة حتي‮ ‬ولو لم‮ ‬يسمع بها أحد من قبل في‮ ‬مصر التي‮ ‬لا تقرأ ولا تكتب‮!. ‬ولأسباب قدرية بحتة فيما أعتقد لم أسافر لحضور المهرجان الذي‮ ‬حضرته دينا وعرفت أنها كانت متوهجة وتركت انطباعا جيدا عند منظمي‮ ‬المهرجان ورواده‮.‬
    مسرحية دينا سليمان عنوانها‮ "‬العرايس‮" ‬وهي‮ ‬ليست فقط مسرحية نسوية بامتياز ولكنها أيضا لا تقل جمالا ولا حرفية عن أي‮ ‬من تلك المسرحيات التي‮ ‬نصدع بها رؤوس الطلاب في‮ ‬المعهد طوال الوقت‮. ‬دينا سليمان خريجة كلية الفنون الجميلة دفعة عام‮ ‬2009‮ ‬ ورغم صغر عمرها فإن مسرحيتها تشي‮ ‬بقدرة كبيرة علي‮ ‬معرفة الطريق الذي‮ ‬تضع فيه قدمها‮.‬
    عرايس دينا سليمان مسرحية نسوية علي‮ ‬الطريقة المصرية إن جاز لنا القول‮. ‬في‮ ‬عشر لوحات نتعرف علي‮ ‬معاناة عشر بنات تبدو لنا ـ أي‮ ‬المعاناة ـ تقليدية للغاية من فرط ما سمعنا بها دون أن نتعامل معها باعتبارها معاناة حقيقية‮. ‬في‮ ‬عشر لوحات لم‮ ‬يهاجم الرجل باعتباره رجلا تتجسد لنا أزمة الحياة في‮ ‬مجتمع ذكوري‮ ‬يفرض ذكورته باعتبارها بداهة الأشياء وحقيقتها،‮ ‬باعتبارها الامتياز الذي‮ ‬منحه الله للرجال حصريا‮. ‬حتي‮ ‬تكسير البنات‮/ ‬العرايس لفاترينات العرض اللاتي‮ ‬تقبعن خلفها بانتظار العريس في‮ ‬نهاية المسرحية جاءت هادئة هدوء المسرحية التي‮ ‬حرصت دينا علي‮ ‬ألا تكون زاعقة وصارخة‮. ‬حتي‮ ‬بكاء بعض البنات‮ ‬يمر عابرا بلا مزايدات ولا شعارات‮.‬
    فوق هذا وذاك فإن المسرحية تتجرأ علي‮ ‬الكلام المسكوت عنه مسمية الأشياء باسمها‮. ‬تتحدث عن الرغبة باسمها وعن التحرش باسمه،‮ ‬وعن تربية البنات في‮ ‬مجتمع ذكوري‮ ‬باعتباره التناقض الأكبر في‮ ‬حياتنا‮.‬
    ‮"‬خايفة ـ‮ ‬يمكن ـ اتأخرت ـ‮  ‬احلم ـ لأ ـ واحشني‮ ‬ـ احساس ـ‮ ‬غلط ـ احبك ـ موت ـ عاوزة ـ عيب وحشة ـ دفا ـ ضحكة ـ عورة ـ رعشة ـ وجع مفيش ـ دم ـ جواز ـ حرام ـ ضعيفة ـ بكارة حاضر ـ مكسوفة ـ‮  ‬لمسة ـ حياة ـ ناقصة ـ مر ـ حضن ـ طفلة ـ بنت ـ شابة ـ عروسة ـ طالق ـ أم ـ عانس مزة ـ عيلة‮".. ‬مفردات تخص البنات وتخص عالمهن الذي‮ ‬سجلته دينا باقتدار وموهبة ملفتين‮.‬

     

    حاتم حافظ

    معلومات أضافية
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٧٣
  • جمال السجيني‮ ... ‬في‮ ‬الزمالك‮ ‬
    جمال السجيني‮ ... ‬في‮ ‬الزمالك‮ ‬

     

    الفن مقاومة‮ .... ‬هذا ما أؤمن به‮ .. ‬وأؤمن أكثر بأن مانحياه الآن من هجمة تترية للقضاء علي‮ ‬الحياة بتهم التكفير‮  ‬يستدعي‮ ‬مزيدا من المقاومة‮ .. ‬مزيدا من الفن‮ . ‬
    وهاهي‮ ‬واحدة من كتائب المقاومة تحتشد في‮ ‬قاعة‮ (‬الزمالك‮) ‬للفنون لتحتفي‮ ‬بأحد المقاومين الكبار وتتحدي‮ ‬به جحافل التتار الجدد‮. ‬
    إنه جمال السجيني‮ ‬الذي‮ ‬تعرض له القاعة تسعة أعمال نحتية‮ ‬،‮ ‬لم تر النور من قبل‮ ‬،‮ ‬تؤرخ لمسيرة المقاومة الشعبية المصرية وتقول للظلاميين الجدد موتوا بغيظكم‮ . ‬
    ربما لا‮ ‬يعرف كثيرون أن الفنان المصري‮ ‬الراحل جمال السجيني‮ ‬،‮ ‬حمل في‮ ‬يوم ما من صيف‮ ‬1969 بعضاً‮ ‬من منحوتانه وألقي‮ ‬بها في‮ ‬النيل‮ ! ... ‬نعم هذا ما فعله‮  ‬فنان لا تنقصه الشهرة‮  ‬حتي‮ ‬يلجأ إلي‮ ‬هذا الفعل الخارق ليلفت إليه الأنظار‮ ‬،‮ ‬فالسجيني‮ ‬حقق من الشهرة العربية‮  ‬والعالمية ما‮ ‬يكفيه‮ ‬،‮ ‬لكنه فعلها‮ .. ‬ألقي‮ ‬منحوتاته في‮ ‬النيل في‮ ‬لحظة‮ ‬يأس بعد أن تكدس منزله ومعمله بمنحوتات ولوحات ومطروقات تكفي‮ ‬أن تزين‮  ‬متحفا خاصا‮ ‬،‮ ‬وهو ما لم تلتفت إليه الدولة فأراد بفعلته هذه أن‮ ‬يشد انتباهها إلي‮ ‬خطر لم تقدره وما زالت‮ !‬
    بعد ثماني‮  ‬سنوات من هذه الواقعة العبثية‮ ‬،‮. ‬وبالتحديدفي‮ ‬22 ‮ ‬نوفمبر‮ ‬1977‮ ‬توفي‮ ‬جمال السجيني‮ ‬في‮ ‬أسبانيا جراء أزمة قلبية داهمته قبلها بيومين عندما شاهد علي‮ ‬شاشات التلفزيون الرئيس السادات‮ ‬يزور القدس‮ .. ‬فلم‮ ‬يتحمل قلبه أن‮ ‬يري‮ ‬رئيس مصر‮ ‬يزور كيان المغتصب بل ويصافح أعداءه بود‮ .‬
    رحل السجيني‮ ‬وبقيت أعماله حبيسة المعمل والمنزل‮ ‬،‮ ‬ومن هنا تحديدا تأتي‮ ‬أهمية المعرض الذي‮ ‬تقيمه قاعة الزمالك للفن بقيادة السيدة ناهدة الخوري‮ .‬
    في‮ ‬المعرض ستشاهد‮ (‬النيل‮) ‬حكيما عجوزا‮ ‬يربت بيده الحنون علي‮ ‬حضارة بناها الإنسان ويتحدي‮ ‬بها الزمن‮ . ‬وستري‮ ‬أم كلثوم تتشكل من إهرامات متراكمة تصعد كل منها فوق الأخري‮ ‬لتصل إلي‮ ‬وجه‮ (‬ثومة‮)  ‬فتكاد تسمعها تصدح‮ (‬أنا تاج الشرق‮) . ‬وستري‮ (‬بور سعيد‮) ‬تمثالا‮ ‬يستلهم مسلة المصري‮ ‬القديم‮ ‬،‮ ‬يروي‮ ( ‬حكاية شعب‮ ) ‬رفض الاستسلام واختار المقاومة طريقا للحياة‮ . ‬وستشاهد‮ (‬القرية المصرية‮) ‬أنثي‮ ‬تواقة للحياة‮ ‬،‮ ‬وستنعم بحنان‮ (‬الأمومة‮) ‬مجسدة في‮ ‬تمثال أفقي‮ ‬ينضح حنانا ونعومة‮ .‬
    وفي‮ ‬نهاية جولتك ستستمتع بمشاهدة فيلم‮ ( ‬جمال السجيني‮ ... ‬فارس النهر‮ ) ‬الذي‮ ‬أخرجه الفنان جمال قاسم قبل عام لتعرف أكثر عن هذا الفنان الذي‮ ‬كان وسيظل لسنوات عديدة مقبلة واحدا من المقاومين الكبار‮. ‬وستجد نفسك تعاود التجوال مرة ومرة ومرة‮ .. ‬،‮ ‬فمنحوتات السجيني‮ ‬لا تمنحك أسرارها دفعة واحدة‮ ‬،‮ ‬إنها تستدرجك ببطء وتظل تغويك بالمزيد والمزيد‮ ‬،‮ ‬فتظل تدور حولها واحدة بعد الأخري‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تكتشف أنك أصبحت‮ ‬غيرك الذي‮ ‬دخل القاعة منذ قليل‮ . ‬
    ‮ ‬فشكرا واجبا للسيدة ناهدة الخوري‮ ‬صاحبة هذه المغامرة في‮ ‬ذلك التوقيت الذي‮ ‬يهددنا فيه الظلاميون بهدم منحوتات الأجداد أهراما ومعابد‮ .‬

    محمد الروبي

    معلومات أضافية
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٨١
  • طنجة المصرية
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم 260

     

    كان‮ ‬يوماً‮ ‬رائعاً‮ ‬بشهادة الكثيرين‮ ‬،‮ ‬فاجأنا الصديق سباعي‮ ‬السيد‮ ‬،‮ ‬الناقد والمترجم ومؤسس موقع المسرح دوت كوم‮ ‬،‮ ‬بأنه‮ ‬يحمل معه كاميرته الخاصة‮ ‬،‮ ‬لذا فقد استطاع تصوير جميع المداخلات النقدية المصرية التي‮ ‬رأي‮ ‬د‮. ‬خالد أمين‮ ‬،‮ ‬مدير مؤتمر طنجة‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يجمعها في‮ ‬يومٍ‮ ‬واحد‮ ‬،‮ ‬لذا فقد ضمت الندوة الأولي‮ ‬ثلاثة مصريين ؛ د‮. ‬هناء عبد الفتاح‮ ‬،‮ ‬د‮. ‬محمد سمير الخطيب‮ ‬،‮ ‬والمخرج عمرو قابيل‮ ‬،‮ ‬أما في‮ ‬الندوة التالية فكنت أنا وبجواري‮ ‬آخرين من عـدّة دول عربية‮.‬
    كانت تلك اللحظة هي‮ ‬الأولي‮ ‬التي‮ ‬يسمع فيها حضور المؤتمر اللغة العربية ؛ فجميع من تحدثوا في‮ ‬اليومين السابقين كانوا من الأجانب القادمين من قارات العالم المختلفة‮ ‬،‮ ‬لعل تلك سمة ملحوظة من سمات هذا المؤتمر السنوي‮ ‬،‮ ‬لذا فقد كان اليوم مصرياً‮ ‬بامتياز شكلاً‮ ‬ومضموناً‮ ‬؛ فلقد تحدث الخطيب مـُـعبراً‮ ‬عن أفكاره بلغة علمية رصينة‮ ‬،‮ ‬مـُـحللاً‮ ‬فضاء ميدان التحرير خلال الثمانية عشر‮ ‬يوماً‮ ‬التي‮ ‬أسقطت نظام مـُـبارك‮ ‬،‮ ‬لقد حلل شبكة رموز وعلامات الميدان والتي‮ ‬أدي‮ ‬سقوطها إلي‮ ‬سقوط النظام ؛ فالميدان‮ ‬يحوي‮ ‬أبنية تاريخية‮ " ‬المتحف المصري‮ " ‬،‮ " ‬جامعة الدول العربية‮ " ‬،‮ "‬الجامعة الأمريكية‮" ‬،‮ ‬كما أنه‮ ‬يحمل أكبر مبني‮ ‬بيروقراطي‮ ‬في‮ ‬مصر‮ " ‬مجمع التحرير‮ " ‬،‮ ... ‬لذا فاحتلال هذه الرموز‮ ‬يعني‮ ‬فيما‮ ‬يعني‮ ‬احتلال ما تدل عليه من ثقافات‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬انهيار النظام الذي‮ ‬أنتجها‮ ‬،‮ ‬كما أوضح أن حركة المتظاهرين داخل هذا الفضاء ما هي‮ ‬إلا حركة جسد ثوري‮ ‬واحد‮ ‬يؤدي‮ ‬تماسكه إلي‮ ‬تفتيت النظام‮ ‬،‮ ‬وقد أثني‮ ‬الناقد الهندي‮ " ‬رستم بهاروشا‮ " ‬علي‮ ‬مداخلة الخطيب أثناء تقديمه لتحليل علاماتي‮ ‬لفكرة الربيع العربي‮ ‬في‮ ‬اليوم التالي‮ ..‬
    نفس الاهتمام النقدي‮ ‬لاقته ورقة د‮. ‬هناء عبد الفتاح‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬بدأها بسرد تجربته الإخراجية في‮ ‬قرية دنشواي‮ ‬عام‮ ‬1970‮ ‬ وكيفية تعامله مع الفلاحين كممثلين وكذا مع الفضاء المفتوح‮ ‬،‮ ‬وانتقل بعدها لتحليل بعض مشاهد فيديو الثورة من زاوية فنية وإخراجية‮ ..‬
    أما عمرو قابيل‮ ‬،‮ ‬فقد استند في‮ ‬حديثه عن فنون الثورة إلي‮ ‬تجربة إخراجية خاصة له كان قد قدمها العام الماضي‮ ‬مع مجموعة من الهواة تحت عنوان‮ " ‬حكاية ميدان‮ " ..‬
    لقد حقق اليوم المصري‮ ‬في‮ ‬ندوة طنجة الدولية مذاقًا خاصًا وبهجة حاضرة‮ ‬،‮ ‬لقد أحسن صـُـنعاً‮ ‬د‮. ‬خالد أمين بأن أضفي‮ ‬هذا الطابع المصري‮ ‬علي‮ ‬أحد أيام المؤتمر‮ ‬،‮ ‬كما أحسن الصديق الجميل سباعي‮ ‬السيد بأن حقق بكاميرته التوثيق الوحيد لهذا اليوم علي‮ ‬موقعه وعلي‮ ‬مدونته الشخصية علي‮ ‬الشبكة العنكبوتية‮ ..

    إبراهيم الحـُـسيني‬

  • شتاء جديد للثورة
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٢٨

     

    الصورة اتخذت بـُـعداً آخر ، الأمر تجاوز كونه عـُـنفاً ، يجب أن نبحث عن مـُـسميـّـات جديدة لتلك الصور التي تمتليء بها جنبات مصر ، الرُصاص الحي ، قنابل الدُخان ، العصي الغليظة ، العربات المـُـدرعة ، لم تعد أدوات لحماية الاستقرار الكامن علي الحــُـرية ومـُـراعاة حقوق البشر ، بقدر ما أصبحت أدوات لفرض الأمر الواقع ، تلك الشعارات الكثيرة التي يتشدق بها أولو الأمر عن الحــُـريـّـات العامة والخاصة ، وهذه الوعود البـرّاقة واللامعة التي تقول بأن مصر في طريقها للتحـوّل إلي دولة مدنية ، تتجاور فيها كل التيارات السياسية والدينية ، كل هذه الأمور هل هي مـُـجـرّد أقنعة تسقط بمجرد سقوط أول شـُـعاع شمس عليها أم من المفترض أن لها صلابتها الخاصة!

    يظهر الأمر كله لدي المسئولين وكأنه مـُـجـرّد كلام مـُـرسل ، ومجموعة ضوابط تــُـعيد إنتاج النظام السابق ، وتـزيد عليه نكهة خاصة لها طعم المرار الذي لا يخفي علي أحد.

    الذي أعرفه عن كل بلاد الـدُنيا ، التي تستحق أن يـُـطلق عليها بلاد ، أن هناك مجموعة قوانين تحكم العلاقات المختلفة ، ومجموعة موازية من الخطط التنموية في جميع مجالات الحـياة ، لها توقيتات يتم تنفيذها طبقاً لما تتفق عليه مـُـخـيـّـلات السادة مبعوثي العناية الإلهية ، وفي الوقت الذي يـُـريدونه.

    تخـيـّـل معي أي بناء درامي تقوم كل شخصية بداخله في التصرف كما تشاء ، كيف ستكون الأمور؟ حتماً ستكون النتيجة دامية في النهاية ، خيارات الفوضي وما يتبعها من سحل للموتي ، فقأ للعيون ، كسر للأرجل والأذرع والرءوس وأيضاً للإرادة .. هذا بالاضافة إلي دماء تـُـغطي المشهد بأكمله .

    الحلول الأمنية التي تنتهجها سياسات الواقع تــُـشبه إلي حـدٍ كبير الحلول الإلهية المعروفة في دراما الإغريق ، والتي كــُـنا نــصفها أيام دراستنا في أكاديمية الفنون بأنها الحلول الأضعف ، فالذي أفهمه أن المظاهرة السياسية تـُـقابل بحلول سياسية ، ولا يـُـستخدم الحل الأمني إلا عندما تعجز الحلول السياسية ، وهي كثيرة ، لعل أولها التفاوض ، فهل استخدام الحلول الأمنية تجاه كـُـل مظاهرة يعني عجز هذه المؤسسات عن إيجــاد حلول أخري ..؟!

    لا أعرف لماذا انقلب الواقع فجأة ليـُـصبح مسرحاً كبيراً درامياً ، مشاهد العـُـنف فيه تصل لذروتها ، وغدا المسرح الذي نـُـشاهده الآن مـُـجرد تمثيل مـُـعظمه فارغ المعني والقيمة ، قد يتضاد هذا الأمر مع ما كان في السابق في عهد الرئيس المخلوع مـُـبارك ، حيث كان المسرح هو الواقع ، فقد كــُـنا نلجأ إليه لنقول الحقيقة التي نخـشي منها في الواقع ، ولكي نـُـعيد التوازن المـُـفتقد إلي ذواتنا ، بينما كان الواقع بالنسبة لنا مسرحاً كبيراً نـُـمارس فيه كـُـل تفانين الكذب ، ليبحث كلٍ منا عن الأقنعة التي كان يرتديها يومياً في العهد البائد ، حتماً سيجدها كثيرة .

    الغريب في الأمر أن المؤسسات الرسمية مازالت تدفعنا إلي العودة وبنوستالجيا غريبة من جانبها إلي أن نـُـمارس الحقيقة عبر المسرح فقط ، بينما نعود إلي مـُـمارسة الكذب عبر الواقع ، وهو ما قد يعني من جانبها وعلي خط متواز ممارسة الحلول الأمنية تجاه الواقع ونبذ الحلول السياسية ، حتي الآن لم تفلح صورة مئات الشهداء خلال أيام الثورة الثمانية عشر ، ولا نظائرهم في الشتاء الثاني للثورة ، ولا آلاف المـُـصابين طوال هذين التاريخين في تغيير الصورة ..!  

    إبراهيم الحـُـسيني


  • مدد‮ ‬يا شيكانارا
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٦٧

     

    بمجرد أن تدخل إلي‮ ‬أرض السامر تشعر للوهلة الأولي‮ ‬أنك أمام نوع من الفرجة المسرحية‮ ‬يختلف عما تعودنا عليه في‮ ‬المسرح‮ ‬،‮ ‬فهو نوع‮ ‬يحاكي‮ ‬الفرجة الشعبية التي‮ ‬تجدها في‮ ‬الموالد حيث تتجاور المراجيح مع ألعاب الأطفال ولا‮ ‬يتبق علي‮ ‬اكتمال الفرجة إلا وجود بعض الباعة وهذا الصف الطويل من الذاكرين الذين‮ ‬يرددون كلمات الذكر وهم‮ ‬يتمايلون‮ ‬يمنة ويسرة في‮ ‬حالة من الوجد والهيام في‮ ‬حب الله‮.‬
    هذه الأجواء استلهمها المخرج عادل حسان من مسرحية‮ " ‬مدد‮ ‬يا سيدي‮ ‬شيكانارا‮" ‬،‮ ‬للكاتب محمد أمين عبد الصمد‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يناقش العرض عدة أفكار متداخلة ويصعب فصلها‮ ‬،‮ ‬لعل من أهمها‮ : ‬تواطؤ الشرطة مع بعض التيارات الدينية‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬ينتج عنه الكثير من الآفات منها مثلا تزوير الإرادة الشعبية،‮ ‬وتغييبها‮ ‬،‮ ‬وكبت جموحها نحو الحرية‮ ‬،‮ ‬ولا مانع أيضا من إذلالها،‮ ‬وهو ما‮ ‬يحدث بالفعل داخل مجتمع النص المسرحي‮ ‬ومن ثم داخل مجتمع العرض
    هناك جموع ثائرة تتوق إلي‮ ‬الحرية بينما هناك تآمرات خفية مسخت هذه الجموع وكبلتها بالكثير من القيود وجعلتها جميعا عبر نبذها وإقصائها تقع في‮ ‬أخطاء كثيرة‮ ‬،‮ ‬لذا فهي‮ ‬لا تجد من بينها من‮ ‬يصلح لتولي‮ ‬مسئولية اجتماعية مهمة‮ ‬،‮ ‬كمسئولية خادم المقام والتي‮ ‬يرمز بها العرض إلي‮ ‬مسئولية أكبر قد تعني‮ ‬مسئولية حكم الدولة نفسها‮ ‬،‮ ‬ولعل أهم مزايا هذا النص‮ ‬،‮ ‬ومن ثم العرض القائم عليه هو تحويل هذه الرموز السياسية الدالة إلي‮ ‬هذا النوع من الفرجة المسرحية التي‮ ‬تتعدد خشباتها وتمزج مابين التمثيل والإنشاد الشعبي‮ ‬والرقص‮ ‬،‮ ‬وكذا اللعب بالتنورة‮ ‬،‮ ‬كل في‮ ‬مزيج تصنعه حالة التوحد مع الحالة الرمضانية التي‮ ‬تؤطرها خيام قماشية رمضانية وإضاءات جاذبة‮.‬
    يتيح نص محمد أمين هذه الرؤية الشعبية والتي‮ ‬تخص شكله ومضمونه في‮ ‬آن واحد‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يختار تيمة درامية شعبية بسيطة أبطالها‮ ‬يسكنون الحارة ومكانهم الدرامي‮ ‬الرئيسي‮ ‬هو المقهي‮ ‬وحالة الصراع المحتدمة بين الجميع تدور حول اختيار خادم لمقام سيدي‮ ‬شيكانارا بعدما توفي‮ ‬خادمه‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يسرد علينا التدخل السافر للشرطة والذي‮ ‬يمكنهم من السيطرة علي‮ ‬الجميع إما بقهرهم أو بتوريطهم في‮ ‬العديد من القضايا التي‮ ‬تجعلهم دوما محل شك وريبة أمام أنفسهم ومن حولهم دوما‮ ‬،‮ ‬وقد أظهر العرض‮  ‬هذه المفردات الرمزية والجمالية والشعبية بوضوح وبساطة‮.  ‬
    اجمالا أنت مدعو إلي‮ ‬سهرة رمضانية لابد وأنك ستجد فيها ما تستمتع به سواء من الأجواء التي‮ ‬تسبق العرض‮  ‬المسرحي‮ ‬العائلي‮ ‬،‮ ‬أو الأجواء التي‮ ‬يلفك بها العرض وجدانيا من خلال إنشاد بعض الأغاني‮ ‬التراثية والأشعار الصوفية وما‮ ‬يتخلل ذلك من دراما بسيطة وقادرة علي‮ ‬التسرب إلي‮ ‬متلقيها في‮ ‬نعومة ولا تحتاج كثيرا إلي‮ ‬إجهاد ذهنهم‮ ‬،‮ ‬أو تدعوهم إلي‮ ‬فك رموز وشفرات قد لا‮ ‬يتناسب وجودها مع الحالة الفرجوية الشعبية التي‮ ‬يعتمدها العرض‮ .

    إبراهيم الحسيني‬

  • مسرحنا المهرجان القومي .. نقطة نور وسط العتمة
    الكاتب مسرحنا
    المهرجان القومي .. نقطة نور وسط العتمة

    الأربعاء الماضي‮ ‬ومن المسرح الكبير بدار الأوبرا أعطي‮ ‬د‮. ‬محمد صابر عرب إشارة البدء لانطلاق المهرجان القومي‮ ‬السادس للمسرح المصري‮ ‬الذي‮ ‬يستمر حتي‮ ‬الشهر الحالي‮ ‬باعثًا نقطة نور وسط عتمة وفوضي‮ ‬سياسية تحياها البلاد‮.. ‬ومؤكدًا أن المسرح والثقافة عمومًا حائط صد‮ ‬أخير وخط أحمر لا‮ ‬يمكن تجاوزه و الجور عليه‮.‬
    فرق عديدة تمثل مسرح الدولة ومسرح الثقافة تتنافس جميعًا لا من أجل الحصول علي‮ ‬جائزة وإنما من أجل إضاءة مسارح مصر واستعراض أبرز إنتاجها خلال عام مضي‮ ‬لم‮ ‬يكن مقدرًا مع قيمتها‮ - ‬التي‮ ‬تؤكد أن المسرح المصري‮ ‬صامد وموجود رغم كل التحديات‮.‬
    الملف المنشور هنا‮ ‬يحتفي‮ ‬بالمهرجان بطريقته
    ‮ ‬حيث‮ ‬يناقش أهمية انعقاده الآن‮.. ‬كما‮ ‬يناقش فعالياته ولوائحه من خلال المشاركين والمتعاملين معه‮.‬

    كتب في الأحد, 31 آذار/مارس 2013 12:47 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 4137 مره
  • مسرحنا عندما‮ ‬يسقط الطاغية وتحل الخصوبة في‮ ‬ذكري‮ ‬تنحي‮ ‬الديكتاتور
    الكاتب مسرحنا
    عندما‮ ‬يسقط الطاغية وتحل الخصوبة في‮ ‬ذكري‮ ‬تنحي‮ ‬الديكتاتور

     

    الميلاد‮ ..‬الموت‮.. ‬البعث الجديد‮ ‬،‮ ‬آلية بديهية لا تحتاج إلي‮ ‬تفسير اتسمت بها الحبكة الكونية التي‮ ‬ترسم خطوط الحياة ورحلتها المستمرة سعيا نحو التجدد من خلال نفي‮ ‬كل ما‮ ‬يصيبه الوهن والشيخوخة في‮ ‬مقابل ظهور ميلاد جديد‮ ‬يسعي‮ ‬للحفاظ علي‮ ‬مبدأ الصيرورة‮ ‬،‮ ‬ولعل الدراما اقترنت بمبدأ الحياة لحفاظها منذ نشأتها الأولي‮ ‬علي‮ ‬تلك الآلية ونشأت من رحمها‮ ‬،‮ ‬فها هو الإله‮ (‬روح الحياة‮) ‬يتم التضحية به في‮ ‬سبيل إعلان ظهور جديد له أكثر حيوية وقدرة مما سبق‮ ‬،‮ ‬وتبادرنا التراجيديا بشكل مباشر لترسيخ ذلك المبدأ‮ ‬،‮ ‬ليحل الإله في‮ ‬جسد الملك الذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يترك العرش في‮ ‬النهاية لملك جديد‮ ‬،‮ ‬كل ذلك وعبر تتابع الأسطورة في‮ ‬أكثر من تراجيديا‮ ‬يتم في‮ ‬بنية دائرية لا مفر للخروج منها‮ .‬
    إلا أن أكثر ما تتسم به تلك الآلية هو مبدأ العنف الذي‮ ‬يقترن دوما بتغيير النظام والذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يكون بداية بتغيير رأس السلطة في‮ ‬شكلها الأخير‮ ‬،‮ ‬ولعل تلك السمة‮ ‬يطالعنا بها تاريخ البشرية بداية من شكلها البدائي‮ ‬الأولي‮ ‬المتمثل في‮ ‬قتل الملك الكاهن بعد أن حل عليه الوهن والضعف وتخلت عنه القوة علي‮ ‬يد الملك الشاب الذي‮ ‬يمتلك مبدأ الحياة وتجددها‮ ‬،‮ ‬لذلك نجد دوما الدراما العظيمة هي‮ ‬التي‮ ‬تعي‮ ‬تلك الحركة وتطورها‮ ‬،‮ ‬تلك الحركة التي‮ ‬تعبر عن تجدد الحياة‮ ‬،‮ ‬ومن هذا المنطلق تستعيد مسرحنا‮ ‬يوم سقوط الرئيس‮ ‬،‮ ‬ليس احتفاء بالحادثة بقدر ما هو احتفاء بشعب عظيم رفض الجمود واختار الحياة لوطننا الغالي‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬وسيظل‮ ‬يناضل حتي‮ ‬تكتمل الدورة بأن تحل القوة والخصوبة محل الضعف والعقم‮. ‬

    كتب في الخميس, 07 شباط/فبراير 2013 11:29 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 3801 مره
  • مسرحنا ‮"‬صانع البهجة‮ " ... ‬حقق نجوميته في‮ ‬السينما وأهداها للمسرح‮ ‬
    الكاتب مسرحنا
    ‮

     

    بخلاف كونه ظاهرة سينمائية فريدة‮ ‬،‮ ‬يمثل الفنان الاستثنائي‮ " ‬إسماعيل‮ ‬ياسين ــ الذي‮ ‬نحتفل بمئويته هذه الأيام ــ حالة أخري‮ ‬فريدة في‮ ‬عشق المسرح‮ ‬،‮ ‬
    ‮" ‬سمعة‮ " ‬صاحب أشهر وأصفي‮ ‬ابتسامة في‮ ‬تاريخ السينما‮ ‬،‮ ‬غامر طوال الوقت بشهرته وأمواله في‮ ‬الفرقة المسرحية التي‮ ‬تحمل اسمه والتي‮ ‬مازالت أعمالها حبيسة‮  ‬مكتبة التلفزيون المصري‮ ‬
    مائة عام مضت علي‮ ‬ميلاد‮ " ‬سمعة‮ " ‬ومازال النجم الأوفر حظا في‮ ‬قلوب الملايين‮ ‬،‮ ‬وصانع البهجة الأهم والأبقي‮ ‬في‮ ‬تاريخ الفن‮ ‬،‮ ‬من السينما إلي‮ ‬المسرح‮ " ‬رايح جاي‮ " ... ‬

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 13:01 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 4004 مره
  • مسرحنا نموذج البطل الذي يتهافت عليه الجميع إسماعيل‮ ‬ياسين‮ .. ‬أسطورة الكوميدية المصرية
    الكاتب مسرحنا
    نموذج البطل الذي يتهافت عليه الجميع إسماعيل‮ ‬ياسين‮ .. ‬أسطورة الكوميدية المصرية

     

    أسطورة كوميدية‮ ‬يصعب أن تتكرر من جديد‮  ‬،‮ ‬واحد من أبرز من أثروا المسرح المصري‮ ‬بأعمال تفجَّرت فيها الكوميديا من رحم الأحزان التي‮ ‬طالما كان أسيرا لها‮  ‬،‮ ‬وحالة خاصة في‮ ‬الكوميديا المصرية‮  ‬،‮ ‬فهو صاحب أكبر عدد من الأفلام التي‮ ‬تحمل اسمه‮  ‬،‮ ‬واستطاع بشجاعة أن‮ ‬يسخر من نفسه وملامحه في‮ ‬أفلامه‮  ‬،‮ ‬ورغم أن البعض‮ ‬يعتبره مهرجاً‮  ‬،‮ ‬فإن إعجاب الأجيال المتلاحقة بأدائه‮ ‬يعكس مدي‮ ‬أهميته ويؤكد أنه ظاهرة لن تتكرر‮. ‬هكذا قالوا عنه‮ .. ‬اسمه إسماعيل‮ ‬ياسين‮  ‬،‮ ‬حكايته نستعرضها خلال السطور القادمة‮ ..‬احتفالا بمرور‮ ‬100 عام علي‮ ‬مولده‮.‬
    ولد إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬شارع عباس بمدينة السويس‮ ‬،‮ ‬وتوفيت والدته وهو لا‮ ‬يزال طفلاً‮ ‬صغيراً‮. ‬التحق بأحد الكتاتيب‮ ‬،‮ ‬ثم تابع دراسته في‮ ‬مدرسة ابتدائية حتي‮ ‬الصف الرابع الابتدائي‮ ‬،‮ ‬وأفلس محل الصاغة الخاص بوالده ودخل السجن لتراكم الديون عليه‮ ‬،‮ ‬اضطر الفتي‮ ‬الصغير للعمل مناديا أمام محل لبيع الأقمشة‮ ‬،‮ ‬فقد كان عليه أن‮ ‬يتحمل مسئولية نفسه منذ صغره‮. ‬هذا قبل أن‮ ‬يضطر إلي‮ ‬هجر المنزل خوفا من بطش زوجة أبيه ليعمل مناديا للسيارات بأحد المواقف بالسويس‮ .‬
    عندما بلغ‮ ‬أسطورة الكوميديا من العمر‮ ‬17 ‮ ‬عاما اتجه إلي‮ ‬القاهرة في‮ ‬بداية الثلاثينات حيث عمل صبيا في‮ ‬أحد المقاهي‮ ‬بشارع محمد علي‮ ‬وأقام بالفنادق الصغيرة الشعبية‮.‬
    التحق بالعمل مع الأسطي‮ "‬نوسة‮" ‬،‮ ‬والتي‮ ‬كانت أشهر راقصات الأفراح الشعبية في‮ ‬ذلك الوقت‮. ‬ولأنه لم‮ ‬يجد ما‮ ‬يكفيه من المال تركها ليعمل وكيلا في‮ ‬مكتب أحد المحامين للبحث عن لقمة العيش أولاً‮.‬
    عاد إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬يفكر مرة ثانية في‮ ‬كيفية تحقيق حلمه الفني‮ ‬فذهب إلي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬،‮ ‬بعد أن اكتشفه توأمه الفني‮ ‬وصديق عمره وشريك رحلة كفاحه الفنية المؤلف الكبير أبو السعود الإبياري‮ ‬والذي‮ ‬كون معه ثنائياً‮ ‬فنياً‮ ‬شهيراً‮ ‬وكان شريكاً‮ ‬له في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬ثم في‮ ‬السينما والمسرح‮ ‬،‮ ‬وهو الذي‮ ‬رشحه لبديعة لتقوم بتعيينه بفرقتها وبالفعل انضم إلي‮ ‬فرقتها ليلقي‮ ‬المونولوجات في‮ ‬الملهي‮ .‬
    ‮ ‬استطاع إسماعيل‮ ‬ياسين أن‮ ‬ينجح في‮ ‬فن المونولوج‮ ‬،‮ ‬وظل عشر سنوات من عام‮ ‬1945- 1935 متألقا في‮ ‬هذا المجال حتي‮ ‬أصبح‮ ‬يلقي‮ ‬المونولوج في‮ ‬الإذاعة نظير أربعة جنيهات عن المونولوج الواحد شاملا أجر التأليف والتلحين‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬كان‮ ‬يقوم بتأليفه دائماً‮ ‬توأمه الفني‮ ‬أبو السعود الإبياري‮.‬
    وبعد تألقه في‮ ‬هذا المجال انتقل الي‮ ‬السينما إلي‮ ‬أن أصبح أحد أبرز نجومها وهو ثاني‮ ‬إثنين في‮ ‬تاريخ السينما أنتجت لهما أفلامًا تحمل أسماءهما بعد ليلي‮ ‬مراد‮ ‬،‮ ‬ومن هذه الأفلام‮ (‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬متحف الشمع‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬يقابل ريا وسكينة‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬الجيش‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬البوليس‮  ‬،‮ ‬وغيرها من الأفلام‮ " .‬
    ولا‮ ‬ينسي‮ ‬أحد لهذا العملاق الكبير كيف أسهم في‮ ‬صياغة تاريخ المسرح الكوميدي‮ ‬المصري‮ ‬وكون فرقة تحمل اسمه وظلت هذه الفرقة تعمل علي‮ ‬مدي‮ ‬12 عاما من عام‮ ‬1954 حتي‮ ‬عام‮ ‬1966 .
    يروي‮ ‬المعاصرون لإسماعيل‮ ‬ياسين كيف بدا حلمه بتكوين مسرحه الخاص عام‮ ‬1953 ‮ ‬حيث تحمس للمشروع عدد من الصحفيين منهم الأستاذ موسي‮ ‬صبري‮ ‬،‮ ‬والأستاذ عبدالفتاح البارودي‮ ‬،‮ ‬وبدأت الفرقة بعدد من نجوم الفن ـ آنذاك ـ من بينهم تحية كاريوكا‮ ‬،‮ ‬وشكري‮ ‬سرحان‮ ‬،‮ ‬وعقيلة راتب‮ ‬،‮ ‬وعبدالوارث عسر‮ ‬،‮ ‬وحسن فايق‮ ‬،‮ ‬وعبدالفتاح القصري‮ ‬،‮ ‬واستيفان روستي‮ ‬،‮ ‬وعبدالمنعم إبراهيم‮ ‬،‮ ‬وسناء جميل‮ ‬،‮ ‬وزهرة العلا‮ ‬،‮ ‬وفردوس محمد‮ ‬،‮ ‬وزوزو ماضي‮ ‬،‮ ‬وزينات صدقي‮ ‬،‮ ‬ومحمود المليجي‮ ‬،‮ ‬وتوفيق الدقن‮ ‬،‮ ‬ومحمد رضا‮ ‬،‮ ‬ومحمد توفيق‮ ‬،‮ ‬والسيد بدير‮ ‬،‮ ‬ونور الدمرداش‮. ‬ونجح إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬إقناع الأستاذ وجيه أباظة بأن‮ ‬يتوسط عند صاحب دار سينما ميامي‮ "‬سولي‮ ‬بيانكو‮" ‬ليحولها إلي‮ ‬مسرح‮ ‬،‮ ‬واستطاع وجيه أباظة إقناع الرجل بقبول إيجار شهري‮ ‬قدره‮ ‬450 ‮ ‬جنيها‮ ‬،‮ ‬وكان هذا مبلغا ضخما بمقاييس تلك المرحلة‮ ‬،‮ ‬وتكلف تأثيث المسرح وتجهيزه مبلغ‮ ‬20 ‮ ‬ألف جنيه‮ (!) ‬،‮ ‬حيث استعان إسماعيل‮ ‬ياسين بمهندس إيطالي‮ ‬متخصص في‮ ‬بناء المسارح المتنقلة‮ ‬،‮ ‬وهو نفس المهندس الذي‮ ‬صمم مسرح البالون في‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬وأصبح لفرقة إسماعيل‮ ‬ياسين مسرح‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬700 ‮ ‬مقعد‮ ‬،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬سبعة بناوير وسبعة ألواج‮ ‬،‮ ‬ورفع الستار في‮ ‬11 ‮ ‬نوفمبر‮ ‬1954 ‮ ‬بمسرحية‮ "‬حبيبي‮ ‬كوكو‮" ‬التي‮ ‬استمر عرضها لمدة‮ ‬80 ‮ ‬ليلة‮ ‬،‮ ‬وهو أيضا زمن قياسي‮ ‬في‮ ‬تلك المرحلة‮ ‬،‮ ‬كما انطلق إسماعيل‮ ‬ياسين بعدها ليقدم العديد من‮  ‬المسرحيات الناجحة منها‮ "‬عروس تحت التمرين‮" ‬،‮ ‬"الست عايزة كده‮" ‬،‮ ‬"من كل بيت حكاية‮" ‬،‮ ‬"جوزي‮ ‬بيختشي‮" ‬،‮ ‬و"خميس الحادي‮ ‬عشر‮" ‬،‮ ‬"راكد المرأة‮" ‬،‮ ‬"أنا عايز مليونير‮" ‬،‮ ‬"سهرة في‮ ‬الكراكون‮" ‬،‮ ‬"عفريت خطيبي‮" ‬،‮ ‬والمدهش أن كل هذه العروض قدمت في‮ ‬الموسم الأول لافتتاح المسرح‮ ‬،‮ ‬وظل مسرح إسماعيل‮ ‬ياسين علي‮ ‬تألقه طوال فترة الخمسينيات‮ ‬،‮ ‬وللأسف تراجع في‮ ‬الستينيات ولم‮ ‬يتح له أن تسجل أعماله المتألقة في‮ ‬التليفزيون‮ ‬،‮ ‬ولا توجد في‮ ‬مكتبة التليفزيون‮  ‬إلا مسرحية واحدة‮. ‬يشاركه البطولة فيها محمود المليجي‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يظهر فيها نجم الكوميديا بما عهدناه من تألق‮.‬
    ‮ ‬ومضت السنوات كان فيها إسماعيل‮ ‬ياسين نموذجا لبطل الكوميديا الذي‮ ‬يتهافت عليه الجميع‮  ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تحالفت عليه الأمراض والمتاعب في‮ ‬عام‮ ‬1960 ‮ ‬فخرج الي‮  ‬لبنان‮  ‬التي‮ ‬اضطر فيها الي‮ ‬تقديم أدوار صغيرة،‮ ‬ثم عاد إلي‮ ‬مصر‮  ‬،‮ ‬ليعمل في‮ ‬أدوار صغيرة أيضاً‮ ‬قبل أن توافيه المنية بأزمة قلبية في‮ ‬مايو‮ ‬1972.

     

    الهامي‮ ‬سمير‮ ‬

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 12:56 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 3596 مره
  • مسرحنا ‮ ‬مرور مئة عام علي‮ ‬ميلاد‮ "‬أبو ضحكة جنان‮"‬
    الكاتب مسرحنا
    ‮            ‬مرور مئة عام علي‮ ‬ميلاد‮

     

    ولد اسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬يوم‮ ‬15 سبتمبر عام‮ ‬1912 بالسويس وفي‮ ‬سن التاسعة توفيت والدته ودخل والده السجن بعد أن صادفه سوء الحظ في‮ ‬تجارته ليجد نفسه وحيداً‮ ‬مضطراً‮ ‬للعمل ليسد جوعه متنقلاً‮ ‬من مهنة إلي‮ ‬أخري‮ ‬لكن ظل الفن هاجسه ومبتغاه حيث انتقل إلي‮ ‬القاهرة في‮ ‬بدايات الثلاثينيات عندما بلغ‮ ‬من العمر‮ ‬17 عاما لكي‮ ‬يبحث عن مشواره الفني‮ ‬كمطرب،‮ ‬فقد اقتنع‮  ‬بعذوبة صوته،‮ ‬فأخذ‮ ‬يحلم بمنافسة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي‮ ‬كان‮ ‬يعشق كل أغنياته إلا أن شكله وخفة ظله حجبا عنه النجاح في‮ ‬الغناء،‮ ‬وفي‮ ‬القاهرة عمل صبيا في‮ ‬أحد المقاهي‮ ‬بشارع محمد علي‮ ‬ثم عاد‮ ‬يفكر مرة ثانية في‮ ‬تحقيق حلمه الفني‮ ‬فذهب إلي‮ ‬بديعة مصابني،‮ ‬بعد أن اكتشفه توأمه الفني‮ ‬وصديق عمره الكاتب الكوميدي‮ ‬أبو السعود الإبياري‮ ‬والذي‮ ‬كون معه ثنائياً‮ ‬فنياً‮ ‬شهيراً‮ ‬وكان شريكاً‮ ‬له في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬ثم في‮ ‬السينما والمسرح, وهو الذي‮ ‬رشحه لبديعة مصابني‮ ‬لتقوم بتعيينه بفرقتها وبالفعل انضم إلي‮ ‬فرقتها ليلقي‮ ‬المونولوجات في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮.‬
    وقد اقتحم‮ "‬أبو ضحكة جنان عالم الفن من خلال ثلاثة محاور رئيسية‮ ( ‬المونولوج‮ ‬– السينما‮ ‬– المسرح‮) ‬فقد كان فنانا شاملا أعطي‮ ‬لفن المونولوج الكثير من الشهرة والتميز وخفة الظل،‮ ‬أعطي‮ ‬للسينما الكثير من الأفلام التي‮ ‬ستظل شاهدة له بالتفرد في‮ ‬عالم الكوميديا السينمائية،‮ ‬وفي‮ ‬المسرح قدم العديد من المسرحيات التي‮ ‬أسعدت الملايين من البسطاء في‮ ‬مصر والعالم العربي‮.‬
    وكان بارعاً‮ ‬في‮ ‬إلقاء فن المونولوج‮. ‬فقدم أكثر من‮ ‬300 مونولوج ناقش إسماعيل‮ ‬ياسين من خلالها عددا من المشاكل والأفكار المختلفة حيث كان‮. ‬صاحب رؤيه فلسفية تحملها اغانيه ومونولوجاته وتعابير وجهه بل أبعد من ذلك‮  ‬حيث نراه‮ ‬يرصد وينتقد الظواهر الاجتماعية السائدة في‮ ‬ذلك العصر بموضوعيه حينا وبسخريه أحيانا،‮  ‬تحدث حتي‮ ‬عن السعاده فيتساءل في‮ ‬أحد مونولوجاته هل السعادة مطلب مرهون بالمال أو بالغرام؟‮ ‬
    ‮ ‬ويقول في‮ ‬مطلعه‮ (‬قوللي‮ ‬يا صاحب السعادة‮ (‬سعادتك‮!) ‬هو إيه معني‮ ‬السعادة ؟ كلنا عاوزين سعادة‮ ‬,بس إيه هي‮ ‬السعادة؟ ناس قالولي‮ ‬إن السعادة للنفوس حاجة سموها الجنيه‮.. ‬فضلت أجمع وأحوش في‮ ‬الفلوس لحد ما حسيت إني‮ ‬بيه ولا اللي‮ ‬قالولي‮ ‬إن السعادة في‮ ‬الغرام ويا إحسان أو نوال‮.. ‬نظرة ثم ابتسامة وأخوك قوام طب في‮ ‬شرك الجمال‮). ‬كما تناول قضية الفقر ووجوب رضا الإنسان بما قسمه الله له وذلك من خلال أحد مونولوجاته الذي‮ ‬يقول مطلعه‮ ( ‬اللهم افقرني‮ ‬كمان وكمان اللهم اغني‮ ‬عدويني‮) ‬
    وبعد أن ذاع صيت إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬فن إلقاء المونولوج،‮ ‬تشجع كاتب السيناريو فؤاد الجزايرلي‮ ‬عام‮ ‬1939 وأسند له عددا من الأدوار السينمائية،‮ ‬منها أفلام‮ "‬خلف الحبايب‮"‬،‮ "‬علي‮ ‬بابا والأربعين حرامي‮"‬،‮ "‬نور الدين والبحارة الثلاثة‮"‬،‮ "‬القلب له واحد‮"‬،‮ ‬ونجح‮ "‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮" ‬فيما أسند إليه فذاع صيته مرة أخري‮ ‬وازدادت شهرته‮.‬
    في‮ ‬عام‮ ‬1945 جذبت موهبة إسماعيل‮ ‬ياسين انتباه‮ "‬أنور وجدي‮" ‬أنور وجدي‮ ‬فاستعان به في‮ ‬عدد من‮  ‬أفلامه،‮ ‬ثم أنتج له عام‮ ‬1949 ‮ ‬أول بطولة مطلقة في‮ "‬فيلم‮" ‬فيلم‮ ( ‬الناصح‮) ‬أمام الوجه الجديد‮  "‬ماجدة‮" ‬ماجدة‮. ‬ليسطع نجم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬سماء السينما المصرية‮ ‬
    ومع إتمامه الأربعين من عمره عام‮ ‬1952‮ ‬ أصبح إسماعيل‮ ‬ياسين نجم الشباك الأول بلغة إيرادات السينما في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬وذاع صيته ليملأ الدنيا ويصبح صاحب الرقم القياسي‮ ‬في‮ ‬عدد الأفلام لأكثر من‮ ‬400 ‮ ‬فيلم حتي‮ ‬وصل به الأمر في‮ ‬عام‮ ‬1957 ‮ ‬أن‮ ‬يتصدر اسمه‮ ‬18 ‮ ‬أفيشا سينمائيا‮  ‬وتهافتت عليه شركات الإنتاج والمنتجون المستقلون أملا في‮ ‬الحصول علي‮ ‬توقيعه علي‮ ‬عقودها‮.‬
    ‮ ‬وفي‮ ‬تراثه السينمائي‮ ‬تستوقفنا تلك المحطة المتميزة التي‮ ‬كون عندها‮ »‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮« ‬مع الفنانة الشاملة‮ "‬شادية‮" ‬أشهر ثنائيات السينما المصرية حيث قدما معا حوال‮ ‬23 ‮ ‬فيلما كان أولها فيلم‮ "‬كلام الناس‮" ‬عام‮ ‬1949 ‮ ‬وأخرها فيلم‮ "‬الستات ميعرفوش‮ ‬يكدبوا‮" ‬عام‮ ‬1954
       وبداية من عام‮ ‬1955 ‮ ‬كون هو وتوأمه الفني‮  "‬أبو السعود الإبياري‮" ‬مع المخرج‮ "‬فطين عبد الوهاب‮" ‬ثلاثياً‮ ‬من أهم الثلاثيات في‮ ‬تاريخ‮ "‬السينما المصرية‮" ‬حيث قدم له فطين عبدالوهاب سلسلة هي‮ ‬الأشهر في‮ ‬تاريخ السينما منها‮ (‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬الأسطول والجيش والبوليس‮) ‬وكان الغرض منها التعريف بالمؤسسات العسكرية للثورة ولم‮ ‬يكن هناك خيرا منه لهذه المهمة التي‮ ‬قبلها عن طيب خاطر رغم ما كبدته من معاناة وجهد حتي‮ ‬عندما تمت الوحدة بين مصر وسوريا انتجت السينما في‮ ‬ذلك الوقت فيلم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬دمشق
    وقد ظهر في‮ ‬جميع أفلامه في‮ ‬صورة الإنسان الطيب المغلوب علي‮ ‬أمره ذي‮ ‬الحظ العاثر في‮ ‬إطار صراع بين الشر والخير‮ ‬ينتهي‮ ‬دائما نهاية سعيدة لصالح الأخير إلي‮ ‬جانب ذلك تناولت أفلامه العديد من المشكلات الاجتماعية التي‮ ‬عالجها بصورة كوميدية خفيفة كمشكلة الحماوات وصعوبات الزواج بسبب الفوارق الطبقية وضيق ذات اليد وقد اعتمد إسماعيل‮ ‬يس في‮ ‬أفلامه علي‮ ‬كوميديا الشخصية حبث كان‮ ‬يمتلك العديد من‮  ‬اللزمات أشهرها‮  ‬السخرية من كبر فمه بالإضافة إلي‮ ‬كوميديا المواقف التي‮ ‬تعتمد علي‮ ‬بناء الحبكة حيث‮ ‬ينشأ الضحك،‮ ‬عادة،‮ ‬من المواقف الهزلية،‮ ‬والمفارقة والأخطاء الكثيرة،‮ ‬والتخفي‮...‬إلخ‮. ‬
    وفي‮ ‬عام‮ ‬1954 ساهم في‮ ‬صياغة تاريخ‮ "‬المسرح‮" ‬الكوميدي‮ ‬المصري‮ ‬وكون فرقة تحمل اسمه بشراكة توأمه الفني‮ ‬وشريك مشواره الفني‮ ‬المؤلف الكبير‮ "‬أبو السعود الإبياري‮" ‬،‮ ‬وظلت هذه الفرقة تعمل علي‮ ‬مدي‮ ‬12 عاما‮ ‬
    وقد قدم خلال هذه الفترة‮ ‬60 مسرحية سجلت جميعها للتليفزيون ولكن أحد الموظفين بالتليفزيون المصري‮ ‬أخطأ وقام بمسحها جميعا،‮ ‬إلا فصلين من مسرحية‮ "‬كل الرجالة كده‮" ‬وفصل واحد من مسرحية أخري،‮ ‬وإن كان من‮ ‬يري‮ ‬أن ذلك المسح تم بشكل متعمد‮. ‬ورغم نجاحه في‮ ‬إعادة تشكيل أفكار المسرح المصري‮ ‬وتغيير نمطه،‮ ‬إلا أن النجاح لم‮ ‬يكن حليفا له في‮ ‬نهاية مشواره الفني‮ ‬خاصة مع بداية الستينيات عندما انحسرت عنه أضواء السينما،‮ ‬وما لبث أن حل فرقته المسرحية عام‮ ‬1966 ‮ ‬بعد وقوعه ضحية للديون،‮ ‬لينتهي‮ ‬أبو ضحكة جنان مثلما بدأ تماما،‮ ‬وحيدا‮ ‬يبحث عن ابتسامة‮  ‬فلا‮ ‬يجدها،‮ ‬ورغم وفاته في‮ ‬24 ‮ ‬مايو‮ ‬1972‮ ‬إلا أن مكانته ستظل محفورة في‮ ‬قلوب الجماهير المصرية والعربية‮. ‬

     

    ‮ ‬د‮: ‬ابراهيم حجاج

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 14:54 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 4002 مره
  • المتشائل

     


    عن وقائع إميل حبيبي‮ ‬الغريبة
    في‮ ‬إختفاء سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل‮ ‬    

    الرواية نشرت في‮ ‬سلسلة روايات الهلال العدد‮ ‬474 ‮ ‬يونيو‮ ‬1988
    النص
    البداية
    ‮( ‬سعيد‮ ‬يجلس علي‮ ‬خازوق كبير‮ ‬،‮ ‬ظهره في‮ ‬مواجهة الجماهير‮ ‬،‮ ‬حينما‮ ‬،‮ ‬تُعلن بداية المسرحية سعيد‮ ‬يستدير‮ ‬،‮ ‬الخازوق‮ ‬يشير في‮ ‬تشكيله إلي‮ ‬انجلترا وأمريكا وكل من ساعد علي‮ ‬زرع إسرائيل‮ )‬
    هديء من روعك‮ ‬يا ابن النحس‮ ‬،‮ ‬واجعل أمرك شوري‮ ‬مع عقلك فما الذي‮ ‬وضعك هذا الموضع‮ !!‬
    وهل من المعقول أن تنام في‮ ‬فراشك فتستيقظ فإذا أنت علي‮ ‬خازوق ؟
    تأبي‮ ‬هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق‮ . ‬
    فأنا إذا في‮ ‬حلم لاغير علي‮ ‬الرغم من أنه حلم طويل‮ .‬
    فما بالي‮ ‬أظل قاعدا علي‮ ‬الخازوق‮ .‬
    لاستر ولاظهر ولا أنيس ولا أنزل ؟
    ألا‮ ‬يوجد لي‮ ‬مكان تحت الشمس إلا فوق هذا الخازوق‮ ‬،
    ألا‮ ‬يوجد لديكم خازوق أقصر ارتفاعا أقعد عليه ؟
    ربع خازوق‮ ‬،‮ ‬نصف خازوق‮ ‬،‮ ‬ثلاثة أرباع خازوق‮ ‬
    هذا خازوق في‮ ‬كابوس لامحالة‮ .‬
    كابوس عن خازوق‮ ‬
    فإذا نزلت عن الآخر نفضت الآخر عن صدري‮ ‬فأعود إلي‮ ‬فراشي‮ ‬
    فأتغطي‮ ‬وأتدفأ‮ . ‬فكيف أتردد ؟
    أخوف من أن أهوي‮ ‬من هذا العلو الشاهق إلي‮ ‬قاع الهوة‮ ‬،‮ ‬ولكن موضعي‮ ‬هذا هو موضع الوهم علي‮ ‬خازوق الوهم‮ . ‬هيا أحتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل مافيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة‮ ‬،‮ ‬ثم اهبط عليه وئيدا كالسنجاب‮ .‬
    ‮( ‬يتحسس الخازوق بيديه وقدميه المتدليتين‮ )‬
    أملس مثل جلد الثعبان‮ ‬،‮ ‬بارد مثل بروده
    ‮( ‬صمت مخيف‮ )‬
    لن أقوي‮ ‬علي‮ ‬التشبث بهذا الثعبان‮ ‬،‮ ‬وإذا نزلت عليه فأنا واقع لامحالة في‮ ‬القاع‮ ‬،
    فيدق عنقي‮ ‬فأتوجع فأموت‮ ( ‬يمسك جيدا في‮ ‬الخازوق ـ‮ ‬يتبت فيه ـ‮ )‬
    آه‮ .. ‬واتتني‮ ‬فكرة‮ .. ‬طافت بعقلي‮ .. ‬مرت أمام عيني‮ .. ‬حكاية الساحر الهندي‮ ‬الذي‮ ‬ينصب الحبل فيظل‮ ‬يرتفع في‮ ‬السماء حتي‮ ‬تغيب رأسه في‮ ‬الغيم فيصعد عليه حتي‮ ‬يغيب ثم‮ ‬يعود ويهبط عليه فلا‮ ‬يتأذي‮ ‬بل‮ ‬يسترزق‮ .‬
    ولكن ما أنا بساحر هندي‮ ‬،‮ ‬بل مجرد عربي‮ ‬بقي‮ ‬سحرًا في‮ ‬إسرائيل
    ‮( ‬سعيد‮ ‬يصرخ بأعلي‮ ‬صوته‮ ‬،‮ ‬وأثناء صرخاتة‮ ‬ينزل من أعلي‮ ‬الخازوق إلي‮ ‬الأرض‮)‬
    أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ ‬
    ‮( ‬سعيد‮ ‬ينظر إلي‮ ‬الخازوق في‮ ‬رعب‮ ‬،‮ ‬يتحسس نفسه‮ .. ‬يجلس‮ .. ‬يستند بظهره عليه‮ .. ‬يروي‮ )‬
    الخازوق‮ ‬يا سادة كلنا نجلس عليه‮ ‬،‮ ‬لكن لا أحد منا‮ ‬يري‮ ‬الآخر‮ ‬،‮ ‬كل وخازوقه وحيد،‮ ‬وهذا هو خازوقنا المشترك ـ‮ (‬يشير إلي‮ ‬الخازوق الذي‮ ‬يحمل رمزًا لقوي‮ ‬القهر والطغيان والصهيونية‮ ) ‬لنبدأ من البداية كانت حياتي‮ ‬عجيبة‮ ‬،‮ ‬والحياة العجيبة لاتنتهي‮ ‬إلا بهذه النهاية العجيبة‮.‬
    كانت البداية حين ولدت مرة أخري‮ ‬بفضل حمار،‮ ‬ففي‮ ‬الحوداث كمنوا لنا وأطلقوا الرصاص علينا‮ ‬،‮ ‬فصرعوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه‮ .‬
    أما أنا فوقع بيني‮ ‬وبينهم حمار صائب‮ ‬،‮ ‬فجندلوه فنفق عوضًا عني‮ .‬
    إن حياتي‮ ‬التي‮ ‬عشتها في‮ ‬إسرائيل بعد هي‮ ‬بفضل هذه الدابة المسكينة‮ .‬
    ألم تقرأ عن كلاب لعقت الماء المشبع بالسم‮ ‬،‮ ‬فماتت‮ ‬،‮ ‬لتنبه أسيادها ولتنقذ حياتهم ؟
    وعن الخيول التي‮ ‬فرت بفرسانها الجرحي‮ : ‬تغدو سوابق الريح‮ ‬،‮ ‬فأنفقها الاجهاد بعد أن بلغت بهم مصارف الأمان ؟
    أما أنا فأول إنسان‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬ما أعهد أنقذه حمار محرن لايسابق ريحًا ولا‮ ‬يبغم‮ .‬
    غير أنني‮ ‬أراني‮ ‬أنسانا فذاً‮ ‬
    علمني‮ ‬بحياتك الإنسان الفذ من‮ ‬يكون ؟
    أهو الذي‮ ‬يختلف عن الآخرين ؟
    أم هو الواحد من هؤلاء الأخرين ؟
    فكم من مره التقيت اسمي‮ ‬في‮ ‬أمهات الصحف ؟
    ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في‮ ‬ساحة الحناطير‮ ( ‬باريس حاليا‮ )‬
    يوم انفجار البطيخة ؟ كل عربي‮ ‬ساب في‮ ‬حيفا السفلي‮ ‬علي‮ ‬الأثر حبسوه‮ ‬،‮ ‬من راجل ومن راكب‮ .‬
    وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حبسوا سهوًا‮ ‬،‮ ‬وآخرين‮ ‬
    الآخرون هؤلاء أنا‮ .‬
    الصحف لاتسهو عني‮ ‬فكيف تزعم أنك لاتسمع بي‮ ‬يا محترم ؟
    إني‮ ‬إنسان فذ‮ ‬
    فلا تستطيع صحيفة ذات اطلاع‮ ‬،‮ ‬وذات مصادر‮ ‬،‮ ‬وذات إعلانات‮ ‬،‮ ‬
    وذات ذوات‮ ‬،‮ ‬وذات قرون أن تهملني‮ .‬
    إن معشري‮ ‬يملأون البيدر والدسكرة والمخمرة‮ ‬
    أنا الأخرون‮ .. ‬أنا فذ‮ !‬
    إن اسمي‮ ‬وهو سعيد أبو النحس المتشائل‮ ‬،‮ ‬يطابق رسمي‮ ‬مخلقًا منطقيًا‮ .‬
    وعائلة المتشائل عائلة عريقة نجيبة في‮ ‬بلادنا‮ .. ‬يرجع نسبها إلي‮ ‬جارية قبرصية
    من حلب لم‮ ‬يجد تيمور لنك لرأسها مكانًا في‮ ‬هرم الجماجم المحزوزة‮ ‬،‮ ‬مع أن قاعدته كانت عشرين ألف ذراع وعلوه كان عشر أذرع‮ ‬،‮ ‬فأرسلها مع أحد قواده إلي‮ ‬بغداد لتغتسل فتنتظر عودته‮ .. ‬فاستغفلته‮ .. ( ‬ويقال ـ وهذا سر عائلي‮ ‬ـ إن ذلك كان السبب في‮ ‬المذبحة المشهورة‮ ) ‬وفرت مع أعرابي‮ ‬من عرب القويسات اسمه أبجر‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬قال فيه الشاعر‮ :‬
    يا أبجر بن أبجر‮ ‬يا أنت‮ ‬
    ‮                     ‬أنت الذي‮ ‬طلقت عام جعت
    فطلقها حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي‮ ‬عمرة‮ ‬،‮ ‬من‮ ‬غور الجفتلك‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬طلقها في‮ ‬بير السبع،‮ ‬وظل جدودنا‮ ‬يطلقون جداتنا حتي‮ ‬حطت بنا الرحال في‮ ‬بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر،‮ ‬وقيل أنه عكاءُ‮ ‬،‮ ‬وبقينا مطلاقين حتي‮ ‬قامت الدولة‮.‬
    وبعد النحس الأول‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1948 ‮ ‬تبعثر أولاد عائلتنا‮ ‬،‮ ‬وأستوطنوا جميع بلاد العرب التي‮ ‬لم‮ ‬يجر أحتلالها‮ .‬
    فلي‮ ‬ذو قربي‮ ‬يعملون في‮ ‬بلاد بلاط آل رابع في‮ ‬ديوان الترجمة من الفارسية وإليها‮ ‬،
    وواحد تخصص بإشعال السجائر لعاهل آخر‮ ‬،‮ ‬وكان منا نقيب في‮ ‬سوريا‮ ‬،‮ ‬ومهيب في‮ ‬العراق‮ ‬،‮ ‬وعماد في‮ ‬لبنان‮ . ‬إلا أنه مات بالسكتة‮ ‬يوم إفلاس بنك أنترا
    وأول عربي‮ ‬عينته حكومة إسرائيل رئيسا علي‮ ‬لجنة تسويق العلت والخبيزة في‮ ‬الجليل الأعلي‮ ‬هو من ابناء عائلتنا‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أن والدته كما‮ ‬يقال هي‮ ‬شركسية مطلقة‮ ‬
    ومازال عبثا‮ ‬يطالب بالجليل الأدني‮ ‬،‮ ‬ووالدي‮ ‬رحمه الله كان له أياد علي‮ ‬الدولة قبل قيامها‮ .‬
    ولما أستشهد والدي‮ ‬علي‮ ‬قارعة الطريق وانقذني‮ ‬الحمار ركبنا البحر إلي‮ ‬عكا‮ ‬،‮ ‬فلما وجدنا أن لاخطر علينا وأن الناس لاهون بجلودهم‮ ‬،‮ ‬نجونا بجلودنا إلي‮ ‬لبنان حيث بعناها واسترزقنا‮ ‬
    هذه هي‮ ‬شيمة عائلتنا ولذلك سميت بعائلة المتشائل‮ ‬
    فالمتسائل‮: ‬نحت كلمتين اختلطتا علي‮ ‬جميع أفراد عائلتنا منذ مطلقتنا القبرصية الأولي‮ . ‬وهاتان الكلمتان هما المتشائم والمتفائل‮ .‬
    خذني‮ ‬أنا مثلا فإنني‮ ‬لاأميز التشاؤم عن التفاؤل فأسال نفسي‮ : ‬من أنا‮ ‬،‮ ‬أمتشائم أنا أم متفائل ؟
    أقوم في‮ ‬الصباح من نومي‮ ‬فأحمده علي‮ ‬أنه لم‮ ‬يقبضني‮ ‬في‮ ‬المنام‮ ‬،‮ ‬فإذا أصابني‮ ‬مكروه في‮ ‬يومي‮ ‬أحمده علي‮ ‬أن الأكره منه لم‮ ‬يقع‮ .. ‬فأيهما أنا‮ ‬،‮ ‬المتشائم أم المتفائل‮ ‬
    ووالدتي‮ ‬من عائلة المتشائل أيضا‮ ‬،‮ ‬وكان أخي‮ ‬البكر‮ ‬يعمل في‮ ‬ميناء حيفا‮ ‬،‮ ‬فهبت عاصفة اقتلعت الونش الذي‮ ‬كان‮ ‬يقوده وألقته معه في‮ ‬البحر فوق الصخور‮ ‬،‮ ‬فلموه وأعادوه إلينا إربًا إربًا‮ ‬،‮ ‬لارأس ولا أحشاء‮ ‬،‮ ‬وكان عروسًا ابن شهر‮.‬
    فقعدت عروسه تولول وتندب حظها‮ . ‬وقعدت والدتي‮ ‬تبكي‮ ‬معها صمتًا‮ .‬
    ثم إذ بوالدتي‮ ‬تستشيط وتضرب كفًا بكف وتبح قائلة‮ : ‬
    ‮( ‬مليح أن صار هكذا وما صار‮ ‬غير شكل‮ )‬
    فما ذهل أحد سوي‮ ‬العروس التي‮ ‬لم تكن من العائلة فلا تعي‮ ‬الحكم‮ ‬،‮ ‬ففقدت رشدها وأخذت تقول في‮ ‬وجه والدتي‮ : ‬ماله شكل‮ ‬ياعجوز النحس‮ (‬هذا اسم والدي‮ ‬رحمه الله‮)‬
    أي‮ ‬شييء بعد هذا‮ ‬يكون أسوأ منه ؟
    ولم‮ ‬يرق والدتي‮ ‬نزق الشباب‮ . ‬فأجابتها بهدوء‮ ‬،‮ ‬وكأنها تقرأ في‮ ‬المنديل‮ :     ‬
    أي‮ ‬تخطفي‮ ‬في‮ ‬حياتي‮ ‬يا بنية
    ‮ ‬أي‮ ‬تهربي‮ ‬مع رجل آخر‮ .‬
    والحقيقه أنها هربت بعد سنتين مع رجل آخر‮ .‬
    فلما سمعت الوالدة‮ ‬،‮ ‬رددت لازمتها‮ : ‬فلماذا لانحمده ؟
    فأيهم نحن‮ ‬،‮ ‬المتشائمون أم المتفائلون ؟
    صبرًا‮ .. ‬صبرًا‮ ‬،‮ ‬ولاتتسائل‮ : ‬من هو سعيد أبو النحس المتشائل هذا ؟
    لم‮ ‬ينبه في‮ ‬حياته فكيف ننبه له ؟
    عكا هي‮ ‬مدرستي‮ ‬الثانوية ويعاد هي‮ ‬حبي‮ ‬الأول‮ . ‬وفي‮ ‬القطار التقينا وصاحبتي‮ ‬
    ‮( ‬يعاد الحيفاوية‮ ) ‬التي‮ ‬كانت مثلنا تتأبط مزودتها وتتعلم في‮ ‬مدرسة البنات العكية‮ ‬،‮ ‬وتعود معنا‮ ‬،‮ ‬إلا أنها كانت تنزوي‮ ‬في‮ ‬باب المقصورة المشقوق‮ ‬،‮ ‬فعلقتها‮ .‬
    فنادتني‮ ‬ذات صباح أن أفسر لها كلمة بالإنجليزية‮ . ‬فلما عجزت عنها فسرتها لي‮ ‬وقالت‮ : ‬أقعد فصرت‮ . ‬أقعد معها في‮ ‬الذهاب والعودة فأحببتها حبا جما‮ . ‬فقالت إنها أحبتني‮ ‬لأنني‮ ‬خفيف الظل وضحكتي‮ ‬عالية‮ .‬
    ولكن‮ ‬غيرة زميل من زملائي‮ ‬جعلتني‮ ‬أبكي‮ ‬بدون صوت‮ ‬،‮ ‬فقد وشي‮ ‬بي‮ ‬إلي‮ ‬مدير مدرستها‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أحال كتابه إلي‮ ‬مدير مدرستنا‮ ‬،‮ ‬فاستدعي‮ ‬جميع طلاب حيفا القطاريين وهاج وماج ثم قال‮: ‬حيفا عكا بحر‮ ‬،‮ ‬بينهما بحر مايجوز في‮ ‬حيفا لايجوز في‮ ‬عكا‮ . ‬هذه مدينة محافظة منذ أيام صلاح الدين‮.‬
    فتذكرت المغفور له الرحالة أبا الحسن محمد ابن أحمد بن جبير الكناني‮ ‬،‮ ‬الأندلسي‮ ‬،‮ ‬الشاطبي‮ ‬،‮ ‬البلنسي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬بات ليلتين في‮ ‬خان عكاوي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬زمن صلاح الدين‮ ‬،‮ ‬فكتب عنها أنها‮ ( ‬تستعر كفرًا وطغيانا‮ ) ‬وأنها‮ ( ‬مملوءة كلها رحبسًا وعذره‮ ).‬
    وكان جدي‮ ‬لأبي‮ ‬رحمهما الله‮ ‬،‮ ‬الذي‮  ( ‬خطفت‮ ) ‬امرأته الأولي‮ ‬يعلمنا منذ الصغر قائلا‮ : ‬فعلت ذلك لأنها من عكاء‮ ( ‬وكان‮ ‬يمطها توكيدا‮ ) ‬فتنطحت للمدير وصحت في‮ ‬وجهه همسًا‮ : ‬ولكنها ليست من عكاء‮ .‬
    فطردنا من مكتبه‮ ‬،‮ ‬وكتب إلي‮ ‬أهلها‮ ‬،‮ ‬فأرسلوا من ضربني‮ ‬في‮ ‬المحطة‮ ‬،‮ ‬فازددت هيامًا بها‮ ‬،‮ ‬فضربت زميلي‮ ‬الذي‮ ‬وشي‮ ‬بنا‮. ‬وأما‮ ‬يعاد التي‮ ‬لم تعد إلي‮ ‬القطار منذ كتاب المدير إلي‮ ‬أهلها فلم أعثر لها علي‮ ‬أثر‮ ‬،‮ ‬ولكن قلبي‮ ‬ظل مجروحا بحبها‮. ‬من الضروري‮ ‬أن أعرفكم‮ ‬يا سادة بخصلة أخري‮ ‬أصيلة من خصال عائلتنا العريقة،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬التساؤل وإلي‮ ‬أننا مطلاقون‮ .‬
    كان والدي‮ ‬حين أستشهد أخي‮ ‬،‮ ‬يستشف الأرض تحته فلم‮ ‬يكشف الكمين الذي‮ ‬كمن له وأودي‮ ‬بحياته‮.‬
    ووالده من قبله شجَ‮ ‬رأسه بحجر الطاحون لأنه كان‮ ‬ينظر في‮ ‬الأرض بين قدميه فلم‮ ‬يقم بعدها‮ .‬
    فهذه شيمة عائلتنا‮ ‬،‮ ‬نظل نبحث تحت أقدامنا عن مال سقط سهوًا من صرة عابر سبيل‮ ‬يبدل حياتنا الرتيبة تبديلاً‮ ‬وثق‮ ‬يا محترم بأنه ما من عجوز في‮ ‬طول بلاد العرب وعرضها‮ ‬،‮ ‬يسبق رأسها بقية جسمها‮ ‬،‮ ‬وتدب مقوسة مثل رقم‮ ‬8 ‮ ‬إلا ولها صلة قربي‮ ‬بنا‮ .‬
    أما أنا فقررت ألا أموت مقوس الظهر كأسلافي،‮  ‬فمنذ نعومة أظفاري‮ ‬أقلعت عن البحث بين قدمي‮ ‬عن كنز للخلاص‮ ‬،‮ ‬بل رحت أبحث عنه فيما فوق‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬هذا الفضاء الذي‮ ‬لا نهاية له‮ . ‬
    كان من سبقنا‮ ‬يبني‮ ‬فوق من سبقهم‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬جاء جيل الأثريين‮ ‬يحفرون من تحت ويهدمون من فوق‮ ‬،‮ ‬فإذا صرنا علي‮ ‬هذا المنوال سنبلغ‮ ‬الدناصير‮ ‬،‮ ‬فقد قيض لنا ونحن في‮ ‬المدرسة الابتدائية أستاذ مغضوب عليه مولع بعلم الفلك حكي‮ ‬لنا حكايات العباس بن فرناس وجول فيرن‮ ‬،‮ ‬وتعصب للفلكيين العرب القدماء‮ ‬،‮ ‬من ابن رشد الذي‮ ‬كان أول من درس بقع الشمس حتي‮ ‬البتاني‮ ‬الحراني‮ ‬الذي‮ ‬أول من استنتج أن معادلة الزمن تتغير تغيرا بطيئا مع مر الأجيال‮ .‬
    فقد كان العرب حين‮ ‬يفكرون أسرع حركة حتي‮ ‬من دوران الأرض حول شمسها‮ ‬،‮ ‬فأصبحوا الآن‮ ‬يتخلون عن ملكة التفكير لغيرهم‮ .‬
    كان العرب حين‮ ‬يفكرون‮ ‬يعملون ثم‮ ‬يحلمون لاكما‮ ‬يفعلون الآن‮ ‬يحلمون ثم‮ ‬يظلون‮ ‬يحلمون‮. ‬ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم بأن‮ ‬يذكرني‮ ‬التاريخ حين‮ ‬يذكر الأقدمين‮. ‬وبقيت أحلم علي‮ ‬هذا المنوال حتي‮ ‬جندلوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه وقامت دولة إسرائيل حين أيقنت أنني‮ ‬مهم‮ ‬،‮ ‬تشجعت وذهبت عصرًا بالباص إلي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬شاطيء البحر تحت منارة اللاتين‮ ‬،‮ ‬حيث كان والدي‮ ‬رحمة الله قد شيد لنا بيتا بعرق جبين أخي‮ ‬الذي‮ ‬مزقه الونش إربًا‮ ‬،‮ ‬ولم أخبر أحدًا بنيتي‮ ‬علي‮ ‬هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬فلما عبرت خط السكة الحديد‮ ‬،‮ ‬وترحمت علي‮ ‬شاعرنا مطلق عبد الخالق الذي‮ ‬دهمه القطار وهو‮ ‬يعبر الخط من هذا المكان‮ ‬،‮ ‬تذكرت كلمة نوح إبراهيم‮ (‬الدين لله والوطن للجميع‮) ‬فأسرعت إلي‮ ‬خالتي‮ ‬أم أسعد التي‮ ‬تكنس كنيسة الكاثوليك منذ طفولتنا فوجدتها تكنس الحوش في‮ ‬المكان الذي‮ ‬تركناها فيه فقلت في‮ ‬نفسي‮  : ‬الحمد لله أن شيئا لم‮ ‬يتغير‮ ‬،‮ ‬ولامكنسة أم أسعد المصنوعة من عيدان العليق‮ ‬،‮ ‬وانحنيت علي‮ ‬يدها أقبلها فصاحت‮ : ‬أنا محصية‮ ‬يا خواجه‮ ! ‬لفظتها‮ " ‬محصية‮ " ‬كما‮ ‬يلفظها العسكر وأسرعت إلي‮ ‬غرفتها وأنا وراءها لا أفهم شيئًا‮ ‬،‮ ‬وقامت إلي‮ ‬أيقونة ستنا مريم المعلقة فوق فراشها المرتب فأزاحتها‮ ‬،‮ ‬فإذا بكوة في‮ ‬الجدار أخرجت منها صرة من قماش أبيض‮ ‬،‮ ‬فكتها مديرة بظهرها لنا حرصًا علي‮ ‬ما في‮ ‬الصرة‮ ‬،‮ ‬وكانت تردد‮ ‬ياعذرا هذي‮ ‬مصاري‮ ‬الجهاز‮ !! ‬ثم مدت‮ ‬يدها بقسيمة الإحصاء‮ ‬،‮ ‬المطوية بعناية وصاحت بصوتها الضعيف‮ : ‬أنا محصية وفي‮ ‬رعاية سيدنا المطران‮ . ‬فماذا تريد مني‮ ‬يا خواجه ؟
    فصحت بها‮ : ‬أنا سعيد‮ ‬يا خالتي‮ ‬فكيف تنسين ؟
    قالت‮ : ‬من سعيد ؟
    قلت‮  : ‬الطيراوي‮ ‬ــ ففي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬يظنون كل قروي‮ ‬أنه من الطيره ـ
    فدارت علي‮ ‬نفسها عدة دورات‮ .. ‬فأخذتها بين‮ ‬يدي‮ .. ‬وجلسنا علي‮ ‬الديوان وهي‮ ‬تسألني‮ ‬عن والدتي‮ ‬وعن أختي‮ ‬وعن لبن الطيره الذي‮ ‬يصلح لشيخ المحشي‮ ‬
    قلت‮  : ‬وبيتنا ؟
    قالت‮ : ‬سكنوه‮ !‬
    قلت‮  : ‬فهل تعرفينهم ؟
    قالت‮ : ‬أنت تري‮ ‬ياولدي‮ ‬كيف خبا سراجي‮ ‬،‮ ‬وكل الخواجات خواجات ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يصطاد سمكًا‮ .‬
    قلت‮  : ‬فهل‮ ‬يستقبلوني‮ ‬إذا زرت بيتنا‮ ‬
    قالت‮ : ‬علمي‮ ‬علمك‮ ‬يا ولدي‮ ‬،‮ ‬ورسمت علي‮ ‬صدرها إشارة الصليب فودعتها وقد أثارت هذه الإشارة هواجسي‮ ‬فلما مررت من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬ورأيت هناك‮ ‬غسيلا منشورًا خانتني‮ ‬شجاعتي‮ ‬فتظاهرت بأنني‮ ‬جئت أتنزه علي‮ ‬شاطيء البحر‮ ‬،‮ ‬وأخذت أذهب وأعود من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة أهم بأن أطرق الباب فتخونني‮ ‬شجاعتي‮ .‬
    حتي‮ ‬أمسي‮ ‬المساء فخرجت امرأة تلم الغسيل‮ ‬،‮ ‬فنظرت نحوي‮ ‬ثم هتفت بأمر‮ ‬،‮ ‬فأسرعت مبتعدًا‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬رأيت رجلاً‮ ‬في‮ ‬مثل سنها‮ ‬يخرج ويجمع معها الغسيل‮ ‬،‮ ‬قلت في‮ ‬نفسي‮ ‬هذه خدعة‮ .. ‬فكيف‮ ‬يجمع رجل‮ ‬غسيل بيته ؟
    هذه فعلة لم‮ ‬يفعلها أبدًا والدي‮ ‬رحمة الله‮ ‬،‮ ‬مع أنني‮ ‬لا أذكر والدتي‮ ‬إلاعاجزة وكثيرة الهم فازددت سرعة حتي‮ ‬أصبحت في‮ ‬الشارع الرئيسي‮ ‬،‮ ‬أمام فيلات موظفي‮ ‬حيفا العرب الذين بنوها ورحلوا إلي‮ ‬لبنان‮ ‬،‮ ‬ليبنوا‮ ‬غيرها وليرحلوا‮ .‬
    وكان الظلام قد أطبق‮ ‬،‮ ‬وكنت تعبًا وخائفًا من هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬والطريق طويل‮ .‬
    وكان‮ ‬يمر بين الفينة والفينة عامل‮ ‬يهودي‮ ‬،‮ ‬عرفت ذلك من ثياب العمل التي‮ ‬كانت عليهم‮ . ‬وكانوا جميعهم متوسطي‮ ‬العمر‮ . ‬فالشباب والشابات في‮ ‬الجيش‮ .‬
    ولم أكن أحمل ساعة فاحتجت إلي‮ ‬معرفة الوقت لعل الباص‮ ‬يمر‮ .‬
    فبأية لغة أسأل هؤلاء الناس عن الوقت ؟
    فإذا سألتهم بالعربيه كشفوا أمري‮ ‬
    فبالإنجليزية أثرت شكوكهم‮ ‬
    فرحت أستعيد ما أذكره من كلمات عبرية حتي‮ ‬تبادر إلي‮ ‬ذهني‮ ‬أن السؤال عن الوقت بالعبرية هو‮ : (‬ماشاعاه‮) ‬،‮ ‬والذي‮ ‬وجهته‮ ‬يومًا إلي‮ ‬فتاة قرب سينما أرمون‮ ‬،
    فتشتمت عورة أمي‮ ‬بالعربية الفصحي‮ .‬
    فلما أقبل أحد هؤلاء العمال نحوي‮ ‬أطلقتها‮ ( ‬ماشاعاه‮ ) ‬؟
    فتريث ثم هش قي‮ ‬وجهي‮ ‬،‮ ‬ثم كشف عن رسغه‮ ‬،‮ ‬ثم صاح‮ ( ‬أخت‮ ) ‬فلم أكن كسولا فتذكرت أن‮ (‬أخت‮) ‬هذه هي‮ ‬ثمان بالألمانية‮ ‬،‮ ‬فترحمت علي‮ ‬جارنا خريج شنلر‮ ‬،‮ ‬وعدت مطمئنا إلي‮ ‬وادي‮ ‬النسناس مشيًا علي‮ ‬الأقدام وأنا مزمع علي‮ ‬تعلم اللغة العبرية‮ .‬
    وفيما بعد تذكرت فيما كنا تعلمناه في‮ ‬المدرسة عن فك رموز الهيروغليفية‮ ‬،‮ ‬فأخذت أقرأ أسماء الدكاكين بالإنجليزية‮ ‬،‮ ‬فأقارن الحرف الإنجليزي‮ ‬بقرينه العبري‮ ‬علي‮ ‬لوحة الدكان حتي‮ ‬فككت الحرف،‮ ‬فتابعته في‮ ‬الجريدة العبرية وتكلمتها أسرع مما قرأتها‮ ‬،‮ ‬وأخذني‮ ‬الآمر عشر سنين حتي‮ ‬ألقيت أول خطاب تحية باللغة العبرية‮ ‬،‮ ‬وكان أمام رئيس بلدية حيفا فسجلها في‮ ‬صحيفتة سابقة‮ .‬
    أما العجيب في‮ ‬الأمر الآن فهو أن صباني‮ ‬نابلس‮ ‬،‮ ‬بعد ربع قرن من هذا الكلام‮ ‬،‮ ‬أتقنوا اللغة العبرية في‮ ‬أقل من سنتين‮ ‬،‮ ‬ولما تحول أحدهم إلي‮ ‬صناعة الرخام علق علي‮ ‬مدخل جبل النار لافتة بالخط الكوفي‮ ‬المقروء جيدًا عن مصنع‮  "‬الشايش‮" ‬الحديث لصاحبه مسعود ابن هاشم ابن أبي‮ ‬طالب العباسي‮ .‬
    ‮"‬والشايش‮" ‬هو الرخام بالعبرية فليست الحاجة هي‮ ‬أم الإختراع فقط بل أيضا مصلحة كبار القوم هي‮ ‬التي‮ ‬أرخصت أمهاتهم فقالوا‮ : ‬الذي‮ ‬يتزوج أمي‮ ‬هو عمي‮ !‬
    ومن مصالحهم أيضا أن‮ ‬يحولوا بينهم وبين ملكهم‮ ‬
    ولكن الأمر لم‮ ‬يقف عند هذا الحد‮ . ‬فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي‮ ‬
    باللغة العبرية حتي‮ ‬أقنعت نفسي‮ ‬أن هذه الدولة ليست بنت معيشة فلماذا لا أحفظ خط الرجعة ؟
    فقلت‮ : ‬مالي‮ ‬غير المحامي‮ ‬عصام الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وصديق ابن عم الوزير الأردني‮ ‬،‮ ‬وأخيه الروح بالروح‮ ‬،وقد حول بيته الكبير في‮ ‬شارع عباس إلي‮ ‬صومعة‮ ‬ينفث منها اللهب كلما زاره صحفي‮ ‬أجنبي‮ ‬
    حتي‮ ‬الشيوعيين الذين اعتبرهم وزير الأقليات أخطر طابور خامس في‮ ‬عقر الدولة‮ ‬،‮ ‬أعتبرهم ابن الوزير الأردني‮ ‬مارقين علي‮ ‬العروبة وعلي‮ ‬دينها‮ ‬،‮ ‬وكان لا‮ ‬يعترف بهم ـ بالدولة وبصحفها ـ فيرفض أن‮ ‬يقابل من رجال الصحافه سوي‮ ‬الأجانب‮ . ‬فلا تظهر تصريحاته إلا في‮ ‬التايمزين ـ تايمز لندن‮ ‬،‮ ‬وتايمز نيويورك‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أمهات الصحف في‮ ‬بلاد العرب‮ ‬،‮ ‬من النيل إلي‮ ‬بردي‮ .‬
    ونحن زعماء العمال في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬أخرجنا صفير التعجب من شفاهنا المزمومة علي‮ ‬وقاحته القومية حين سمعنا أنه رفض تعليم ابنه في‮ ‬الجامعة العبرية في‮ ‬القدس‮ ‬،‮ ‬بل بعثة إلي‮ ‬كمبردج ـ إلي‮ ‬كمبردج‮ !‬
    وعدنا نذم شفاهنا في‮ ‬صفير الدهشة‮ ‬
    فلما أرخي‮ ‬الليل سدولة تسترت به وطرقت بابه فتوقفت قرقعة أحجار النرد‮ ‬،‮ ‬وفتح لي‮ ‬وهو‮ ‬يخشخش بالزهر‮ .‬
    فمسيت عليه‮ ‬،‮ ‬فأدهشته الزيارة‮ ‬،‮ ‬فلما رأيت أحد زملائي‮ ‬من زعماء اتحاد عمال فلسطين عنده وكان‮ ‬يلاعبة وقدهم بالخروج حين دخلت لم أخف دهشتي‮ .‬
    فحياني‮ ‬وقال‮ : ‬جاري‮ ‬
    فتنحنحت علي‮ ‬سبيل الموافقة‮ ‬،‮ ‬وبقيت أتنحنح حتي‮ ‬خرج‮ ‬
    ولما أنتهيت من أعداد ما لابن العم الوزير الأردني‮ ‬من مناقب‮ ‬،‮ ‬ولما انتهي‮ ‬الباذنجاني‮ ‬من التحسر علي‮ ‬مصيري‮ ‬الأسود‮ ‬،‮ ‬ومن الوعد بالعفو عند المقدرة‮ ‬،‮ ‬سردت علي‮ ‬مسامعه ما وقع في‮ ‬مغامرتي‮ ‬،‮ ‬وما وقع في‮ ‬رأسي‮ ‬من نتائج‮ .‬
    باركني‮ ‬وقال‮ : ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬
    ولكنه لم‮ ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬فما أن وطأت قدماي‮ ‬عتبة النادي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬صباح اليوم التالي‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أستدعاني‮ ‬يعقوب إلي‮ ‬غرفته فإذا وراء مكتبه رجل ربعه‮ ‬،‮ ‬وضع فوق عينيه نظارة سوداء وأسدل الستائر‮ ‬،‮ ‬فقلت هذا ضرير وأقبلت عليه‮ ‬،‮ ‬وأخذت‮ ‬يده في‮ ‬يدي‮ ‬مسلما حتي‮ ‬لا أحرجه في‮ ‬عماه فزجرني‮ ‬يعقوب وصاح‮: ‬تأدب‮ !!‬
    فوقفت متأدبا‮ .‬
    فقال‮ ‬يعقوب‮ : ‬هذا رجل كبير‮ ‬،‮ ‬وجاء‮ ‬يحدثك علي‮ ‬أنفراد‮ ‬،‮ ‬فلا تخف عنه شيئا وتركنا لوحدنا‮ ‬،‮ ‬فما أن أطبق علينا الباب حتي‮ ‬انتفض الرجل الكبير واقفا فلم‮ ‬يزد طولة سوي‮ ‬شبر‮ .‬
    وصاح إننا نعرف أين كنت أول أمس‮ !‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬إذ لم‮ ‬يكن هذا ضريرًا فأنه أطرش‮ ‬،‮ ‬فاقتربت من أذنه وصحت‮ :‬
    ــ أردت أن أستنشق هواء البحر‮ ‬،‮ ‬ممنوع ؟
    فلطمني‮ ‬فلم‮ ‬يخطيء الهدف‮ .‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬لا أطرش ولا ضرير بل هو رجل كبير حقًا‮ ‬
    فتصاغرت له وقلت‮ : ‬اسأل عني‮ ‬
    فصاح‮ : ‬أم أسعد‮ ‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬حتي‮ ‬أنت‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬
    فصاح‮ : " ‬أخت‮ " ‬ولفظها ألمانية فصحي‮ ‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬مابقي‮ ‬إلا أن‮ ‬يسألني‮ ‬عن ليلتي‮ ‬السوداء في‮ ‬بيت الباذنجاني‮ ‬
    فصاح‮ : ‬النرد‮ ‬
    فارتميت علي‮ ‬الكرسي‮ ‬،‮ ‬ووضعت رأسي‮ ‬بين راحتي‮ ‬وأنا أهتز‮ ‬يمينًا وشمالاً‮ ‬مثلما عودتنا الوالدة‮ ‬،‮ ‬ثم وجدتني‮ ‬أقول فيما‮ ‬يشبه العويل‮ : ‬والله العظيم لا أعرف عن ابن عمي‮ ‬الوزير الأردني‮ ‬غير اسمه فصاح في‮:‬
    ـ هل هو ابن عمك لزمًا ؟
    قلت ـ والله العظيم لا‮ .‬
    عاجلني‮ ‬ـ لماذا ؟
    فتحيرت كيف أرد علي‮ ‬سؤاله هذا‮ ‬،‮ ‬ولكنه كان قد هدأ‮ ‬،‮ ‬وقام إلي‮ ‬،‮ ‬وربت علي‮ ‬كتفي‮ ‬أبويًا وقال‮ :‬
    ليكن هذا درسا لك‮ ‬،‮ ‬ولتعلم أن لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك‮ ‬،
    حتي‮ ‬ماتهمس به أضغاث أحلامك‮ ‬،‮ ‬وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل مايدور في‮ ‬هذه الدولة وخارجها‮ ‬،‮ ‬فلا تعد إليها مرة ثانية‮ .‬
    ولكنني‮ ‬ظللت أهتز‮ ‬يمينا وشمالاً‮ ‬لايخرج من فمي‮ ‬غير‮ :‬
    أنا تيس‮ .. ‬أنا تيس‮ !!‬
    حتي‮ ‬خرج بعد أن أنزل نظارتة السوداء عن عينيه‮ ‬،‮ ‬فرحت أترحم بصوت عالٍ‮ ‬علي‮ ‬والدي‮ ‬الذي‮ ‬كان أول من أدرك هذه الحقيقة عني‮ .‬
    فالله‮ ‬يستر عرضك‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬،‮ ‬ويستر عرضك‮ ‬يا‮ " ‬أخت‮ " ‬ووالله العظيم أستطيع أن أذهب آني‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬وأستطيع أن أفكر بما شئت‮ ‬،‮ ‬
    ولكنني‮ ‬كنت تيسا حين طرقت باب الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وكان والدي‮ ‬رحمه الله محقًا‮ ‬،‮ ‬كان دائما‮ ‬يغلبني‮ ‬في‮ ‬رقعة النرد حتي‮ ‬إذا قلت له‮ : ‬أنت‮ ‬غلاب بها‮ ‬يا أبي‮ ‬
    قال‮ : ‬لا‮ ‬يا بني‮  ‬إن كل أصحابي‮ ‬يغلبونني‮ ‬ولكنك تيس‮ !‬
    ولما قررت أن لا أبقي‮ ‬تيسًا‮ ‬،‮ ‬لم أخبر الرجل الكبير برأيي‮ ‬في‮ ‬جهازه الحديث وتذكرت فجري‮ ‬الموعود في‮ ‬مدينتي‮ ‬حيفا الحبيبة‮ ‬،‮ ‬فاشتدت علي‮ ‬الهواجس‮ ‬،‮ ‬وخرقت كلمات ذي‮ ‬المهابة أذني‮ ‬حينما قلت له‮ : ‬انصحني‮ ‬
    قال ـ لن تجديك نصيحتي‮ ‬إلا أنني‮ "‬سمعت في‮ ‬بلاد فارس حكاية عن فأس ليس فيها عود ألقيت بين الشجر‮ . ‬فقال الشجر لبعض ما ألقيت هنا هذه لخير‮ ‬،‮ ‬فقالت شجرة عادية‮ : ‬إن لم‮ ‬يدخل في‮ ‬أست هذه عود منكن فلا تخفنها‮"‬،‮ ‬إذهب فهذه الحكاية لا تصلح للعود‮ ‬،‮ ‬قلت‮ ‬
    ـ فهل أستطيع‮ ‬يا ذا المهابة أن ألقاك مرة ثانية‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ‬
    ـ متي‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬تعال إلي‮ ‬هذه الديا ميس‮ ‬،‮ ‬قلت‮ : ‬
    ـ في‮ ‬أية ساعة‮ ‬يا ذا المهابة‮ ‬،‮ ‬قال‮ :‬
    ـ حين تخور‮ ‬
    قالها واختفي‮ ‬فبقيت وحدي‮ ‬أتخلل في‮ ‬الدياميس وأهيم في‮ ‬ديماس حتي‮ ‬أتعثر بآخر لكي‮ ‬أزور صاحبي‮ ‬في‮ ‬دياميس عكا‮ ‬،‮ ‬فإني‮ ‬محتاج إليه‮ ‬،‮ ‬فبالغت في‮ ‬الخضوع لرؤسائي‮ ‬طوال الأسبوع‮ ‬،‮ ‬وقد قر قراري‮ ‬أن أفعلها وأن أتسلل إلي‮ ‬عكا‮ ‬يوم السبت‮ .. ‬وهو‮ ‬يوم عطلتنا وكان السبت الذي‮ ‬وقع الاختيار عليه‮ ‬،‮ ‬هو اليوم الحادي‮ ‬عشر من آخر شهر في‮ ‬سنه‮ ‬1948 ‮ ‬ذات الكف العفريتية‮ ‬،‮ ‬فأنا لا أنسي‮ ‬هذا التاريخ الذي‮ ‬أصبحت فيما بعد أؤرخ به حياتي‮ ‬ما قبل وما بعد في‮ ‬مساء الجمعة‮ ‬،‮ ‬عشية السبت‮ ‬،‮ ‬كنت منزويا في‮ ‬داري‮ ‬أجمع شتات أفكاري‮ ‬علي‮ ‬أسلم طريق أختاره في‮ ‬تسللي‮ ‬إلي‮ ‬عكا صبيحة الغد‮ ‬،‮ ‬وكنت أطفات النور وآويت إلي‮ ‬فراشي‮ ‬مبكرًا حتي‮ ‬لا تزورني‮ ‬جارتنا الأرمينية العانس التي‮ ‬ماكانت تطيب لي‮ ‬إلا حين نشرب حتي‮ ‬نثمل‮ .‬
    أنا حتي‮ ‬أحسبها صغيرتي‮ ‬يعاد‮ ‬
    وهي‮ ‬حتي‮ ‬تحسبني‮ ‬كبيرها سركيس‮ ‬
    وكان من عادتها أن تنشط نشوتها بالتمتمة الإنجليزيه من كلارك جيبل وشارل بواييه وأشبا ههما‮ .. ‬فلبستني‮ ‬آفتها‮ ‬،‮ ‬فصرت أتمتم مثلها بما‮ ‬يقال وبما لا‮ ‬يقال‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أنني‮ ‬لعنت في‮ ‬اليوم السابق الباذنجان وكل من‮ ‬يستطيبه فقامت‮ ‬غاضبة دفاعًا عن الباذنجان‮ ‬
    المحشو بالبرغل واللحم فما احتبست‮ .‬
    لذلك قررت من باب اليقظة‮ ‬،‮ ‬ألا أفتح لها الليلة الباب‮ ‬،‮ ‬وأنا في‮ ‬هذه الهواجس ومثلها‮ ‬
    إذ بطرق علي‮ ‬الباب قلت‮ : ‬جاءت‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬لن أفتح لها ولن أعتذر عما بدر مني‮ ‬في‮ ‬حق الباذنجان‮ . ‬فعاد الطارق‮ ‬يطرق فراودتني‮ ‬النفس الأمارة‮ ‬،‮ ‬فقلت أفتح لها ولا أتمتم‮ .. ‬هي‮ ‬مسكينة وأنا مسكين‮ . ‬وفتحت الباب فإذا أمامي‮ ‬امرأة وسط‮ ‬،‮ ‬ذابلة السحنة وخضراء العينين تسألني‮ ‬في‮ ‬استحياء ورجفة‮ : ‬سعيد ؟؟
    فأخذتني‮ ‬المفاجأة‮ ‬،‮ ‬فانعقد لساني‮ ‬وأنا أنظرفي‮ ‬عينيها الخضراويين وأطلب من نفسي‮ ‬ملحًا أن أتذكر هذا الوجه الذابل‮ ‬،‮ ‬لابد أنها من قريباتي‮ ‬في‮ ‬القرية أو جاءت من وراء الخطوط فما جاء بها في‮ ‬هذه الليلة الليلاء ؟
    قلت همسًا‮ : ‬تفضلي‮ ‬
    قالت‮ : ‬أختي‮ ‬يعاد تحت فهل تصعد ؟
    فبدأت أشك فيما أري‮ ‬وفيما أسمع‮ .‬
    لقد كنت حين تلح الحاجة عليَّ‮ ‬ويستفزعني‮ ‬الفراغ‮ ‬،‮ ‬أقعد مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬أو أمشي‮ ‬مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬فلا أري‮ ‬سوي‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فأقبض بيدي‮ ‬علي‮ ‬يدها‮ ‬،‮ ‬ثم أضمها إلي‮ ‬صدري‮ ‬،‮ ‬فنروح في‮ ‬غيبوبة‮ ‬،‮ ‬لم أقم منها مرة وأنا في‮ ‬مكتبي‮ ‬في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين
    إلا علي‮ ‬أبي‮ ‬مصطفي‮ ‬الأعرج وهو‮ ‬ينقض عليّ‮ ‬بعصاةٍ‮ ‬لأنني‮ ‬تركته‮ ‬ينتظر خارج المكتب نصف نهار‮ ‬،‮ ‬بعد أن قلت له‮ ‬ينتظرني‮ ‬ربع ساعة‮ ‬،‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غيبوبة أخري‮ ‬
    ـ هل حقا أنت أخت‮ ‬يعاد‮ .. ‬قالت نعم فهل تصعد‮ ..‬
    ـ‮ ‬يعاد‮ .. ‬يعاد‮ .. ‬قلتها وقفزت فرحًا ونزلت جريًا لكنها نبهتني‮ ‬أن لا‮ ‬يصح أن أنزل لها بثيابي‮ ‬الداخلية،‮ ‬قالت عد والبس ثيابك وأنا أناديها ففعلت ما نصحتني‮ ‬أن أفعله‮ ‬،‮ ‬ورحت أتراكض بين الغرف وأنا البس ثيابي‮ ‬تارة‮ ‬،‮ ‬وألقي‮ ‬في‮ ‬المرحاض بما احتوته منافض السجائر من بقايا أعقابها الملوثة بأحمر شفاة أخري‮ ‬،‮ ‬فانسكب الماء علي‮ ‬الآرض فانسحبت عليه‮ ‬،‮ ‬فوقعت علي‮ ‬يدي‮ ‬وركبتي‮ ‬،‮ ‬فلما سحبت حبل ماءٍ‮ ‬الشطف فلم‮ ‬ينهمر‮ ‬،‮ ‬ملأت دلوًاوألقيته فيه‮ ‬،‮ ‬وإذ أنا علي‮ ‬هذا الحال إذ بي‮ ‬أجد‮ ‬يعاد أمام قدمي‮ ‬بعد طول الغيبة‮ .. ‬فقالت ـ جازاك‮ ‬
    فانتصبت واقفًا والماءان‮ ‬يتصببان من وجهي‮ ‬،‮ ‬ماء الوجه وماء المرحاض فتهالكت علي‮ ‬أقرب مقعد ورحت أبكي‮ ‬،‮ ‬فتراكضت‮ ‬يعاد وأختها نحوي‮ ‬،‮ ‬وجففتا الماء ودموعي‮ ‬،‮ ‬وطمأناني‮ ‬علي‮ ‬أن كل شييء‮ ‬يتصلح فأي‮ ‬شييء هذا الذي‮ ‬يجب أن أصلحه؟
    فقالت‮ ‬يعاد معاتبة‮ : ‬أنت تعرف‮ ‬يا سعيد‮ ‬،‮ ‬سامحك الله مافعلت بأبي‮ ‬وبالآخرين‮ ‬
    ولكنني‮ ‬سامحني‮ ‬الله لم أفهم شيئا‮ .‬
    فقالت أخت‮ ‬يعاد أن‮ ‬يعاد جاءت اليوم من الناصرة‮ ‬،‮ ‬مشيًا علي‮ ‬الأقدام عبر شفا عمرو
    فابطن فوق الجبال وحيدة‮ ‬،‮ ‬لتخبر أختها في‮ ‬حيفا بأن والدهما قد ألقوا القبض عليه في‮ ‬الناصرة وبأنني‮ ‬أنا سعيدُُُُُُُُ‮ ‬ُ‮ ‬السبب في‮ ‬القبض عليه‮ ‬
    فصحت‮ .. ‬أنا ؟‮!‬
    فقالت‮ ‬يعاد‮ : ‬كلهم‮ ‬يقولون أنت‮ .. ‬أنت رأس الخيش‮ ‬يا سعيد‮ ‬
    ـــ أنا‮ !!‬
    صاحت‮ : ‬وأبوك من قبلك ؟
    ومن خلال العتاب المشبع بالخيبة وبايماني‮ ‬المغلظة أنني‮ ‬لايمكن أن أخرب بيت أحد من الناس‮ ‬،‮ ‬فكيف ببيت‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فهمت أن أبا‮ ‬يعاد كان قد هاجر مع عائلتة من حيفا إلي‮ ‬الناصرة‮ ‬،‮ ‬وذلك بعد لغم الرفنيري‮ ‬الأول‮ ‬،‮ ‬فلما سقطت عاصمة الجليل دعا الجيش الأهالي‮ ‬إلي‮ ‬تسليم أسلحتهم‮ . ‬فلما أبلغهم رئيس البلدية أن لاسلاح في‮ ‬الناصرة سوي‮ ‬طاولات شيش البيش التي‮ ‬انكبوا عليها في‮ ‬الساعات التي‮ ‬رفع فيها منع التجول‮ ‬،‮ ‬بدأت عمليات التطويق‮ ‬،فطوقوا الحارة الشرقية التي‮ ‬التجأت إليها العائلة‮ ‬،‮ ‬وحشروا الرجال في‮ ‬الأرض الخلاء عند الجابيه وراء كنيسة الأقباط‮ ‬،‮ ‬طول النهار في‮ ‬الحر الأوار وبدون ماء مع أن الجابية كانت تفيض تحت أقدامهم ماء مقدسة من عين العذراء المقدسة وقالت‮ ‬يعاد إنها هي‮ ‬التي‮ ‬ذكرت الشيوعيين ببيت الشعر الذي‮ ‬جعلوه عنوان نشرتهم والتي‮ ‬وزعوها في‮ ‬أثناء التطويق‮: ‬
    كالعيس في‮ ‬البيداء‮ ‬يقتلها الظمأ‮ ‬
    ‮                               ‬والماء فوق ظهورها محمول‮ ‬
    قاستدعاهم الحاكم العسكري‮ ‬،‮ ‬فلما أنكر أن‮ ‬يكون الجيش قد منع جمال الحارة ودوابها عن ماء الجابية‮ ‬يوم التطويق‮ ‬،‮ ‬حاولوا أن‮ ‬يفهموه أن الأمر تورية‮ ‬،‮ ‬فثارت ثائرتة دفاعًا عن كرامة بني‮ ‬الإنسان الذين لايصح تشبيههم بالدواب ـ حتي‮ ‬لو كانوا أعداءنا العرب ـ ثم قال‮ ( ‬لقد أصبحتم مواطنين مثلكم مثلنا‮ ) ‬وطردهم من حضرته‮ .‬
    وكان الجيش أثناء التطويق قد نحي‮ ‬جانبا كل من أرشد إليه رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ثم نقلهم إلي‮ ‬سجن الجملة علي‮ ‬اعتبار أنهم‮  ‬أسري‮ ‬حرب‮ . ‬وكان والد‮ ‬يعاد من بينهم فما رأس الخيش هذا ؟؟
    قالت‮ ‬يعاد‮ : ‬رجل أخفوا رأسه بعديلة‮ ‬،‮ ‬ثقبوا فيها ثلاثة ثقوب،‮ ‬لعينية وفمه‮. ‬وأقعدوه وراء طاولة تحوطها عسكر‮ ‬،‮ ‬وكان رجالنا‮ ‬يمرون أمامها فيتحققونهم‮ ‬،‮ ‬فإذا أهتز رأس الخيش للأمام مرتين نحو الرجل عن‮  ‬بقية الرجال أخذوه‮ ‬،‮ ‬فاخذوا في‮ ‬التطويق الواحد‮ ‬،‮ ‬مالايقل عن خمسمائة رجل وولد أسري‮ ‬حرب‮ ‬،‮ ‬فلماذا فعلتها‮ ‬يا سعيد ؟
    ولقد أقنعت‮ ‬يعاد وأختها بأنني‮ ‬لم أكن رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬منذ تلك الليلة أصبحت خرقة الخيش‮ !!‬
    كانت‮ ‬يعاد قد جاءت من الناصرة إلي‮ ‬حيفا دون إذن من السلطة ـ فهي‮ ‬متسللة ـ وكانوا‮  ‬يدخلون البيوت من أبوابها في‮ ‬لحظة بحثا عن هؤلاء المتسللين فإذا وجدوهم نقلوهم في‮ ‬ظلام الليل إلي‮ ‬مشارف جنين‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السهل الواقع بينهما وبين قرية المقيبله الذي‮ ‬كان الجيش البريطاني‮ ‬معسكرا فيه‮ ‬،‮ ‬فلما انجلي‮ ‬خلف لنا فيه ألغاما كثيرة‮ ‬،‮ ‬أضاف إليها عساكر العرب وعساكر اليهود ألغامًا وذلك لأن خط المواجهة الأول كان‮ ‬يقوم هناك‮ ‬،‮ ‬فلما وضعت الحرب أوزارها علي‮ ‬صدورنا‮ ‬،‮ ‬إنفجر أحدهم تحت أقدام أولاد صندله وهم عائدون إلي‮ ‬أمهاتهم من المدرسة‮ ‬،‮ ‬فقتل علي‮ ‬الطريق سبعة عشرمنهم‮ ‬،‮ ‬كما جاء في‮ ‬البيان الرسمي‮ ‬،‮ ‬غير الجرحي‮ ‬الذين ماتوا فيما بعد‮ . ‬وفي‮ ‬حينه جمعنا‮ ‬يعقوب وألقي‮ ‬علي‮ ‬مسامعنا محاضرة عن الشيوعيين أعداء السامية‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يحرضون الناس علي‮ ‬الإضراب والتظاهر مدعيين أن اللغم هو لغم إسرائيلي‮ . ‬
    قال‮: ‬بما أن جمعيتنا‮ ‬،‮ ‬اتحاد عمال فلسطين هي‮ ‬منظمة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬دولة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬فأنتم أحرار في‮ ‬أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنجليز أو العرب‮ .‬
    فلما تنطح زميلنا الشلفاوي‮ ( ‬كان مشلول اليد اليمني‮ ) ‬وقال إنه قرأ في‮ ‬بيان الشيوعيين أنهم‮ ‬يتهمون الحكومة بالإهمال في‮ ‬تنظيف الطريق من ألغام الحرب‮ ‬،‮ ‬أجابه‮ ‬يعقوب‮ : ‬نعلم أن زوج أختك واحد منهم‮ ! ‬فانشل لسان الشلفاوي‮ ! ‬ولذلك إتفقنا علي‮ ‬أن بيت أخت‮ ‬يعاد هو بيت لامأمن فيه علي‮ ‬أختها المتسللة‮ . ‬وأتفقنا وأنا خافض البصر‮ ‬،‮ ‬أن تبيت‮ ‬يعاد الليلة في‮ ‬بيتي‮ ‬حيث أفردت لها‮ ‬غرفة خاصة‮ ‬،‮ ‬وأنا خائف أن تسمعا خفقان قلبي‮ . ‬وحلفتني‮ ‬أخت‮ ‬يعاد بعرض أختي‮ ‬أن أصون عرضها وقالت لي‮ : ‬
    ـ وهي‮ ‬لك إذا شئت فيما بعد شرعًا‮ .‬
    وودعتنا وانصرفت‮ ‬،‮ ‬وأنا مبهور الأنفاس‮ ‬،‮ ‬وقد تشابك في‮ ‬ذهني‮ ‬عرض أختي‮ ‬الضائع ويعاد التي‮ ‬لقيتها فجأة والتي‮ ‬دخلت إلي‮ ‬غرفتها وأغلقت عليها الباب وأخذت تبكي‮ ‬وتتشنج بصوت مسموع‮ ‬،‮ ‬وأنا مستلقي‮ ‬علي‮ ‬فراشي‮ ‬أمام بابها لاأنام ولا أقوم‮ ‬،‮ ‬لاهي‮ ‬تكف عن البكاء ولا أنا أكف عن الاستلقاء‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬سمعتها تنادي‮ : ‬
    ـ سعيد‮ ‬
    فتظاهرت بأنني‮ ‬نائم‮ ‬
    ـ سعيد‮ ‬
    فحبست نفسي‮ ‬
    فإذا هي‮ ‬تفتح الباب بيننا‮ ‬،‮ ‬فأغمضت عيني‮ ‬،‮ ‬فشعرت بأنها تسوي‮ ‬اللحاف فوقي‮ . ‬ثم سمعت وقع خطواتها وهي‮ ‬تسير الهوينا نحو دورة المياه‮ ‬،‮ ‬ثم تغتسل‮ ‬،‮ ‬ثم تعود من حيث جاءت وتترك الباب مفتوحًا بيننًا فتحًا خفيفًا‮ . ‬
    فكيف أقوم الآن ؟
    ستعلم حينئذ أنني‮ ‬مستيقظ‮ . ‬فكيف لم أرد علي‮ ‬ندائها ؟ إنها حبي‮ ‬الأول وبعد هذه الليلة أصبحت حبي‮ ‬الأبدي‮ . ‬فكيف تركتها تبيت في‮ ‬بيتي‮ ‬،‮ ‬وحيدة ولم أقل لها كلمة واحدة ؟‮ ‬
    قبلة واحدة ؟ هل أنا جبان ؟ وإذا كنت جبانا ؟ فكيف لم أجبن أمام صاحبة سركيس ؟‮ ‬
    فماذا أفعل الآن ؟ وإلي‮ ‬متي‮ ‬أظل مستلقيا ؟
    ولكنني‮ ‬لم أستلق طويلاً‮ ‬فقد كان المستلقي‮ ‬الأبدي‮ : ‬الفجر‮ ‬يداهمني‮ ‬من النافذة الشرقية‮ ‬،‮ ‬وكنت راقدًا أحبس أنفاسي‮ ‬،‮ ‬مثلما‮ ‬يحبسها ولد طلع الفجر عليه وقد بلل فراشه فينتظر عجيبة تنقذه من مصيبة،‮ ‬فإذا طرق علي‮ ‬الباب شديد‮ ‬،‮ ‬نفضني‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غرفة‮ ‬يعاد التي‮ ‬كانت واقفة وقد ارتدت جميع ثيابها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬ترتجف جزعًا‮ .‬
    قالت‮ : ‬هل جاءوا‮ ‬
    قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
    قالت‮ : ‬فمن الطارق‮ ‬
    قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
    قالت‮ : ‬إغلق الباب عليّ‮ ‬ولاتخبرهم بوجودي‮ ‬هنا بعرضك‮ !‬
    واشتد طرق الباب وسمعنا لغطًا‮ .‬
    فهمست‮ : ‬يا حياتي‮ ‬
    فهمست‮ : ‬ليس الآن‮ .. ‬ليس الآن‮ ‬
    قلت لها‮ : ‬أنت لي‮ ‬
    قالت‮    : ‬فيما بعد‮ .. ‬فيما بعد‮ ‬
    قلت‮     : ‬بل الآن‮ .. ‬الآن‮ .‬
    فابتعدت عني‮ ‬،‮ ‬فتشبست بها‮ ‬،‮ ‬ففرت إلي‮ ‬غرفتي‮ ‬،‮ ‬فوقعنا علي‮ ‬السرير فسمعنا الباب الخارجي‮ ‬ينخلع‮ . ‬فانخلع ضلعي‮ ‬الشمال‮ ‬،‮ ‬فأغلقت الباب عليها‮ ‬،‮ ‬ووقفت أمامهم في‮ ‬ثياب النوم‮ ‬
    لقد كانوا عساكر‮ .. ‬قلت لهم ماذا تريدون‮ ‬
    قالوا‮ : ‬تفتيش‮ ‬
    قلت‮ : ‬لماذا خلعتم الباب
    فأزاحني‮ ‬أحدهم من أمامه فانتشروا في‮ ‬البيت‮ ‬ينبشون الدواليب ويقلبون الأدراج‮ ‬
    قالوا‮ : ‬هل أنت وحدك هنا ؟
    قلت‮ : ‬وحدي‮ ‬
    وكنت في‮ ‬هذه الأثناء قد لبست بنطلوني‮ ‬وقميصي‮ ‬مستحكمًا أمام باب الغرفة التي‮ ‬اختبأت فيها‮ ‬يعاد،‮ ‬واستللت بطاقة تدل علي‮ ‬نسبي‮ ‬إلي‮ ‬اتحاد عمال فلسطين فكفوا عن النبش والكش‮ .‬
    إلا أن الذي‮ ‬بدا رئيسا عليهم شك في‮ ‬الغرفة التي‮ ‬وقفت أمام بابها المغلق فأزاحني‮ ‬عنه ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فتسمرت مكاني‮ ‬،‮ ‬فصاح افتح‮ ‬،‮ ‬فقلت لاشييء هناك‮ ‬،‮ ‬فثار‮ ‬غضبه وتقدم من الباب ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فمددت ذراعي‮ ‬علي‮ ‬طولهما وقد قررت أن أستشهد‮ . ‬فنظر وراءه إلي‮ ‬جماعته وضحك فلم‮ ‬يضحكوا‮ .‬
    فأمرهم أن‮ ‬ينقضوا عليّ‮ ‬فترددوا‮ ‬،‮ ‬فزعق‮ . ‬فانقضوا دفعة واحدة‮ .‬
    وجرجروني‮ ‬حتي‮ ‬أخرجوني‮ ‬خارجًا‮ .‬
    ثم دحلوني‮ ‬علي‮ ‬الدرجات من الطابق الثالث فظلت الأيدي‮ ‬تتقاذفني‮ ‬وأنا مدحول حتي‮ ‬وجدتني‮ ‬في‮ ‬فناء الدرج تحت أقدام‮ ‬يعقوب ويدي‮ ‬متشبسة ببطاقة اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬وأنا أمدها متعمدًا نحو عينيه فلا تبلغهما‮ ‬
    فصاح‮ : ‬إنني‮ ‬أعرف من أنت‮ ‬ياحمار‮ ‬،‮ ‬قم وأبلغني‮ ‬بما حدث‮ ‬
    ولكنني‮ ‬لم أفعل‮ .‬
    فقد سمعنا من فوق صراخا أنثويًا‮ ‬،‮ ‬وصوت لطمات وركلاً‮ ‬وجلبة،‮ ‬وتطلعنا إلي‮ ‬فوق فإذا بمعركة حاميه تدور بين‮ ‬يعاد وبضعة عساكر آخرين وهم‮ ‬يحاولون ألايروا مايحدث‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها وعضت كتف أحدهم فصاح من الألم وولي‮ ‬بعيدًا‮ ‬،‮ ‬وظلوا‮ ‬يدفعونها وهي‮ ‬تقاومهم وتركلهم حتي‮ ‬ألقوا بها في‮ ‬فناء الدرج‮ ‬،‮ ‬فهبطت علي‮ ‬قدميها منتصبة القامة ورأسها في‮ ‬السماء‮ . ‬وقال أحدهم وهو‮ ‬يلهث‮ : ‬متسللة فصرخت‮ : ‬هذه بلدي‮ ‬،‮ ‬داري‮ ‬،‮ ‬وهذا زوجي‮ !‬
    فتكاثروا عليها ودفعوها أمامهم إلي‮ ‬سيارة كانت قد امتلات بالخلق من أمثالها وذهبوا‮: ‬
    وسمعتها والسيارة تذهب تنادي‮ ‬بأعلي‮ ‬صوتها‮ : ‬سعيد‮ ‬يا سعيد ولايهمك فأنني‮ ‬عائدة‮ .‬
    لكنها لم تعد‮ ‬،‮ ‬لكن واحدًا من المتسللين العائدين وضع في‮ ‬يدي‮ ‬خلسة ورقة‮ ‬،‮ ‬فاذا هي‮ ‬رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز‮ .‬
    وهي‮ ‬الورقة السرية الوحيدة التي‮ ‬احتفظت بها لكي‮ ‬أقنع نفسي‮ ‬بأنني‮ ‬قادر علي‮ ‬تحدي‮ ‬الجهاز‮ ‬،‮ ‬ولأنني‮ ‬اعتبرتها عقد زواج‮ .‬
    كتبت‮ ‬يعاد‮ :‬
    أرجو ممن‮ ‬يجد هذه الرساله أن‮ ‬يوصلها إلي‮ ‬زوجي‮ ‬سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل ـ وادي‮ ‬النسناس ـ حيفا سعيد‮ ‬يازوجي‮ !‬
    الوداع‮ ‬،‮ ‬الوداع‮ ‬ياحبيبي‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنتظرالموت عبر الحدود ولكنني‮ ‬أموت وأنا مطمئنة أنك ستنقذ والدي‮ ‬من السجن‮ ‬،‮ ‬سلم علي‮ ‬أختي‮ ‬،‮ ‬واعتني‮ ‬بأولادها الوداع‮ .. ‬الوداع‮ ‬يا حبيبي‮ .. ‬زوجتك‮ ‬يعاد‮.. ‬فلما علمت أنها لم تمت‮ ‬،‮ ‬قررت أن لي‮ ‬زوجه في‮ ‬جنين‮ ‬،‮ ‬أو في‮ ‬مخيم لاجئين فأخذت أهتم بجمع الشمل‮ .‬
    وكنت حريصًا علي‮ ‬الاستماع إلي‮ ‬رسائل المغتربين إلي‮ ‬ذويهم من إذاعة عَّمان‮ .‬
    ولكنني‮ ‬لم أقم أبدًا علي‮ ‬توجيه تحية إليها في‮ ‬برنامج‮ ( ‬سلام وتحيه‮ )‬
    الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يستهل بأغنية فريد الأطرش‮ (‬أحبابنا‮ ‬ياعين ماهم معانا‮ ‬،‮ ‬رحنا وراحوا عنا‮ ‬،‮ ‬ماحدش منهم إستني‮ . ‬عيني‮ ‬يا عيني‮ ) ‬فأمسح الدموع عن عيني‮ ‬في‮ ‬غفلة الجهاز‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬لم تبق إذاعة عربية إلا أذاعت مثل هذا البرنامج‮ .‬
    هذه تبدأه‮ ( ‬راجعون‮ ‬،‮ ‬راجعون‮ ) ‬وتلك‮ " ‬وسلامي‮ ‬لكم‮ ‬يا أهل الأرض المحتلة‮ " ‬وأخري‮ " ‬يا مرسال المراسيل عالدرب القريبة‮ ‬،‮ ‬خدلي‮ ‬بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي‮ " ‬حتي‮ ‬اختلط الحابل بالنابل فضاعت‮ ‬يعاد كلها‮ . ‬فلما وقعت حرب الأيام الستة‮ ‬،‮ ‬وصار مرسال المراسيل‮ ‬يهتف‮ " ‬نصر من الله وفتح قريب‮ " ‬لم أعد أبكي‮ ‬علي‮ ‬يعاد بل علي‮ ‬حالي‮ ‬وبدون أي‮ ‬خوف من الجهاز لأن الجميع تجهز‮ .‬
    ذلك أن‮ ‬يعقوب رثي‮ ‬لحالي‮ ‬،‮ ‬فلحقني‮ ‬إلي‮ ‬الساحة التي‮ ‬حشرونا فيها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الزاوية بين شارع الجبل وشارع عباس‮ ‬،‮ ‬فأخرجني‮ ‬قبل أن‮ ‬يبدأ الفرز‮ ‬،‮ ‬وقبل أن ألتقي‮ ‬رأس الخيش‮ . ‬ولما حكيت له ماجري‮ ‬مع‮ ‬يعاد‮  ‬وعدني‮ ‬أن‮ ‬يتدبر الأمر مع أولي‮ ‬الأمر وأن‮ ‬يجدوا‮ ‬يعاد‮ ( ‬حتي‮ ‬لوكانت في‮ ‬قطر‮ ) ‬وأن‮ ‬يعيدوها إليّ‮ ‬ثم ربت علي‮ ‬كتفيّ‮ ‬وقال‮ :‬
    ـ بشرط واحد‮ ‬ياسعيد وهو أن تكون ولدًا طيبًا‮ .‬
    فأومأت ــ
    ـ حاضر‮ ‬
    قال‮ : ‬وأن تخدمنا بأمانة‮ ‬
    قلت‮ : ‬حاضر‮ ‬
    وكل ذلك حرصًا علي‮ ‬مستقبل‮ ‬يعاد المسكينة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬وعد أن‮ ‬يعيدها إليّ‮ ‬
    وقال‮ : ‬بالطبع سيطول الأمر بعض الوقت‮ ‬
    ولكنه طال طوال الوقت‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل انتخابات جرت في‮ ‬هذه البلاد كان‮ ‬يقنعني‮ ‬بأنه حال الانتهاء من فرز الأصوات سيأخذني‮ ‬إلي‮ ‬بوابة مندلباوم لاستقبال‮ ‬يعاد‮.‬
    ـ فهات همتك ـ‮ ‬
    فكنت لا أنام ولا أهدأ‮ ‬،‮ ‬فألاحق الشيوعيين‮ ‬،‮ ‬وأحرض عليهم‮ ‬،‮ ‬وأنظم الاعتداء عليهم‮ ‬،‮ ‬وأشهد ضدهم‮ ‬،‮ ‬واندس في‮ ‬صفوف تظاهراتهم‮ ‬،‮ ‬فأ قلب صناديق القمامة في‮ ‬طريق التظاهر‮ ‬،‮ ‬وأهتف بسقوط الدولة‮ ‬،‮ ‬لتبرير اعتداء الشرطة عليهم‮ ‬،‮ ‬وأوسوس في‮ ‬آذان الشيوخ أنهم مزقوا القرآن الكريم في‮ ‬الأعظمية‮ ‬،‮ ‬وأجلس علي‮ ‬صندوق الاقتراع من السادسة صباحًا حتي‮ ‬منتصف الليل‮ .‬
    ولا أنال أجرًا علي‮ ‬هذه الهمة سوي‮ ‬إحياء الوعد بعودة‮ ‬يعاد أما بقية زملائي‮ ‬في‮ ‬الهمة‮ ‬،‮ ‬فكانوا‮ ‬يترقون في‮ ‬المناصب المخصصة لنا‮ . ‬
    فالشلفاوي‮ ‬صار عضو كنيست‮ ‬،‮ ‬ونظمي‮ ‬الشاويش أصبح شاويشا‮ ‬،‮ ‬وعبد الفتاح داهن زقمه صار مدير مدرسة‮ ‬،‮ ‬وزوجته مديرة مدرسة‮ ‬،‮ ‬وابنته معلمة‮ ‬،‮ ‬مع أن ابنه وقع في‮ ‬يد الشيوعيين فبعثوه‮ ‬يتعلم الطب في‮ ‬موسكو‮ .‬
    مابقي‮ ‬بدون أجر‮ ‬غيري‮ ‬وغير‮ ‬يعقوب الذي‮ ‬أصبحت أنا أجره‮ ‬،‮ ‬فلما دمجوا اتحاد عمال فلسطين في‮ ‬الهستدورت عينوه موظفا في‮ ‬الدائرة العربية وأنا تحت‮ ‬يده‮ .‬
    ولم تنقذني‮ ‬الهمه التي‮ ‬أبديتها في‮ ‬الخدمة من‮ ‬غضب‮ ‬يعقوب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬لم تنقذه من‮ ‬غضب الرجل الكبير ذي‮ ‬القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يضع علي‮ ‬عينيه نظارة سوداء في‮ ‬الغرفة المعتمة المسدلة الستائر فما أن تظهر نتيجة انتخابات حتي‮ ‬يستصبحني‮ ‬هائجا مائجا‮:  ‬
    ـ راحت‮ ‬يعاد عليك‮ ‬،‮ ‬كيف سمحت للشيوعيين بأن‮ ‬ينالوا كل هذه الأصوات‮ ‬،‮ ‬فأرد عليه بدهشة‮ ‬
    ـ أنا‮ .. ‬فيرد عليّ‮ ‬باستنكار‮ ‬
    ـ‮ ‬يا الله خيرها في‮ ‬غيرها‮ ‬
    وعلي‮ ‬الرغم من كل أفعالي‮ ‬ظللت أشعر براحة الضمير‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنشد التقاء‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تزوجت فصار السر الذي‮ ‬بيني‮ ‬وبين‮ ‬يعقوب أن نعيد‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬يؤرقني‮ ‬كما لو أنه الخيانة الزوجية‮ ‬،‮ ‬فأخذ‮ ‬يعقوب‮ ‬يضغط بكل ثقله علي‮ ‬هذا الجرح‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬التقيت‮ ‬يعاد فيما‮ ‬يكون فيه اللقاء في‮ ‬إسرائيل ـ في‮ ‬السجن ـ‮ ‬
    والأصح أنني‮ ‬كنت خارجًا منه،‮ ‬أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في‮ ‬الولاء حتي‮ ‬أصبح في‮ ‬عرفهم تفريطًا‮ ‬،‮ ‬وذلك حين كنت أستمع في‮ ‬ليلة من الليالي‮ ‬الست العفريتية إلي‮ ‬الإذاعة العربية من محطة إسرائيل ـ إحتراسًا ـ‮  ‬
    فأتاني‮ ‬صوت المذيع وهو‮ ‬يدعو العرب المهزومين إلي‮ ‬رفع أعلام بيضاء فوق أسطح منازلهم‮ ‬،‮ ‬فينامون في‮ ‬بيوتهم آمنين‮ .‬
    فاختلط عليّ‮ ‬أمر هذا الأمر‮ : ‬أيهم‮ ‬يأمره المذيع‮ ‬
    ـ مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس ؟
    قلت انهزم أسلم عاقبة‮ !‬
    واقنعت نفسي‮ ‬بأنه إذا ظهر خطئي‮ ‬حملوه علي‮ ‬حسن نيتي‮ ‬وبياض طويتي‮ ‬،‮ ‬فصنعت من بياض فراشي‮ ‬علمًا أبيض علقته علي‮ ‬عصا المكنسة ونصبتها علي‮ ‬سطح بيتي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬شارع الجبل في‮ ‬حيفا ولاء الافراط في‮ ‬الولاء للدولة‮ .‬
    ويادلالة علي‮ ‬من تدلين‮ !‬
    ‮ ‬فما أن أشرف علي‮ ‬الناس هذا الشرشف‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬شرفني‮ ‬معلمي‮ ‬يعقوب بزيارة عاطل ـ أي‮ ‬خلوا من السلام عليكم ـ فلم أرد التحية‮.‬
    وكان‮ ‬يصرخ‮ : ‬انزله‮ ‬يا بغل‮ !‬
    فانزلت رأسي‮ ‬حتي‮ ‬لامست قدميه وأنا أقول‮ :‬
    هل عيونك ملكًا علي‮ ‬الضفة‮ ‬يا صاحب الجلالة؟
    فأخذ‮ ‬يعقوب تبلابيبي‮ ‬ـ وراح‮ ‬يدفعني‮ ‬علي‮ ‬الدرج نحو السطح وهو‮ ‬يشنشن‮ : ‬الشرشف‮ ‬،‮ ‬الشرشف‮ ! ‬حتي‮ ‬بلغنا موضع المكنسه‮ ‬،‮ ‬فانتزعها‮ ‬،‮ ‬فحسبت أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يضربني‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬فتعاركنا راقصين رقصة العصا‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تهاوي‮ ‬علي‮ ‬حافة السطح وهو‮ ‬يبكي‮ ‬ويقول‮ : ‬
    ـ رحت‮ ‬يا صديق العمر ورحت معك‮ ! ‬فقلت‮ ‬
    ـ إنني‮ ‬رفعت الشرشف علي‮ ‬عصا المكنسه ملبيا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية
    قال‮ : ‬حمار‮ .. ‬حمار‮ ‬
    قلت‮ : ‬ماشأني‮ ‬إذا كان حمار ؟
    ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوي‮ ‬الحمير ؟
    فأفهمني‮ ‬أن المعني‮ ‬بالحمار هو أنا‮ ‬،‮ ‬أم مذيعو القسم العربي‮ ‬في‮ ‬محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب‮ ‬،‮ ‬ولذلك أساءوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك‮ ‬يا أحمق‮ ! ‬فدافعت عن بني‮ ‬قومي‮ ‬الذين‮ ‬يعملون في‮ ‬محطة الإذاعة‮ ‬
    قائلاً‮ : ‬ماعلي‮ ‬الرسول إلا البلاغ‮ . ‬يهتفون بما‮ ‬يلقنون وإذا كان رفع العلم الأبيض علي‮ ‬عصا مكنسة‮ ‬يسييء إلي‮ ‬جلال الاستسلام فإنكم لاتجيزون لنا حمل أي‮ ‬سلاح سوي‮ ‬المكانس وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت منذ إندلاع نيران هذه الحرب سلاحًا أبيض فتاكاً‮  ‬لايجوز لنا حمله إلا بإذن فإنني‮ ‬معكم أباً‮ ‬عن جد‮ ‬،‮ ‬وأنت تعلم‮ ‬يا صديق العمر بإخلاصي‮ ‬المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها‮ ‬،‮ ‬ماهو معلن منها وماسوف‮ ‬يعلن‮ ! ‬وكان صديقي‮ ‬يعقوب‮ ‬يستمع إلي‮ ‬هذياني‮ ‬وهو مشدوه الفم لايقوي‮ ‬علي‮ ‬كفكفة الدمع المنسكب علي‮ ‬وجنتيه‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يقوي‮ ‬علي‮ ‬كفي‮ ‬عن الهذيان حتي‮ ‬تمالك جأشه فأوضح لي‮ ‬ماوقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير ذو القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬أنه ليس التباسا بل نفير بشق عصا الطاعه علي‮ ‬الدولة‮.‬
    قلت‮ : ‬كلها عصا مكنسة‮ ‬
    قال‮  : ‬نداء المذيع موجة نحو عرب الضفة أن‮ ‬يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬فما شأنك أنت في‮ ‬ذلك في‮ ‬حيفا التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬قلب الدولة‮ ‬،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعتبرها مدينة محتلة؟
    قلت‮ : ‬زيادة الخير خيرين‮ ‬
    قال‮  : ‬بل إشارة إلي‮ ‬أنك تعتبرها مدينة محتلة‮ ‬،‮ ‬فتدعو إلي‮ ‬فصلها عن الدولة‮ .‬
    قلت‮ : ‬إن هذا التأويل لم‮ ‬يدر في‮ ‬خاطري‮ ‬أبدًا‮ .‬
    قال‮  : ‬إننا لا نأخذكم علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خواطركم‮ ‬،‮ ‬بل علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خاطر الرجل الكبير‮ .‬
    ‮        ‬وهو‮ ‬يري‮ ‬أن العلم الأبيض‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬رفعته علي‮ ‬سطح بيتك في‮ ‬حيفا‮ ‬،‮ ‬هو دليل علي‮ ‬أنك تقوم بحركة إنفصالية عن الدولة ولا تعترف بها‮ .‬
    قلت‮ : ‬إنك تعلم علم اليقين أنني‮ ‬مفرط في‮ ‬خدمة الأمن ولا أفرط فيه‮ ‬
    قال‮  : ‬أصبح الرجل الكبير‮ ‬يعتقد بأن إفراطك هو تمويه علي‮ ‬تفريطك‮ ‬،‮ ‬ويستعيد‮ ‬
    ‮        ‬الرجل الكبير أصلك وفصلك فيجد الأدلة علي‮ ‬أنك تتغابي‮ ‬ولكنك لست بغبي‮ .‬
    قلت‮ : ‬ألم‮ ‬يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوي‮ ‬عربي‮ ‬؟
    ‮        ‬ولماذا لم أجد لي‮ ‬وطناً‮ ‬سوي‮ ‬هذه البلاد ؟؟‮ ‬
    تمت بجمد الله
    وبعونه                 

  • ‮"‬السندريلا‮" ‬
    • مسرحية ‮"‬السندريلا‮" ‬
    • اسم الفرقة المسرحية اتحاد شباب العمال
    • التاريخ الأربعاء‮ ‬23 نوفمبر‮ ‬
    • تأليف تأليف جماعي
    • اخراج علاء عبد المعطي
    • الحضور الدخول مجاني
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٢٧
  • من‮ ‬يخاف فيرجينيا وولف
    • مسرحية من‮ ‬يخاف فيرجينيا وولف
    • التاريخ الأربعاء‮ ‬18 يناير‮ ‬
    • الوقت 9:30 ‮ ‬مساء‮ ‬
    • المكان مسرح الجمهورية
    • تأليف إدوارد إلبي‮ ‬
    • اخراج د.سناء شافع
    • الحضور الدخول بمقابل مادي
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٣٥
You are here