أكاديمية الحزب الوطنى للفنون بالعمرانية!!

  منه لله الحزب الوطنى، كلما ظننا أن مصر اتعدل حالها، عاد الحزب الوطنى وأنصاره والسائرون على خ...

يوميات مخرج مسرحى لمخيون قريبا بقصور الثقافة

  وقع الفنان القدير عبد العزيز مخيون عقد كتابه المرتقب صدوره قريبا عن الهيئة العامة لقصور الثق...

(فن محوج ) تحول رواية (تراب الماس) لعرص مسرحي علي الجزويت

  اختارت فرقة (فن محوج ) رواية الكاتب الروائي أحمد مراد لتحويلها إلي عرض مسرحي بنفس العنوان ( ...

سناء شافع يعترض على منح أكاديمية الفنون خمس شهادات دكتوراة فخرية فى شهرين

اعترض الفنان والمخرج د. سناء شافع الاستاذ بالمعهد العالى للفنون المسرحية على هوجة منح الدكتوراة الفخ...

ناصف شاهد "أم الدنيا" للجندى و"راجعين" لمرسى

  فى تجربة جديدة من نوعها على مسرح الثقافة الجماهيرية استعانت إدارة المسرح هذا العام بالنجمين ...

عن المرأة الشقيانة.. دعاء حمزة تقدم صح النوم على الفلكى

  تقدم الفنانة دعاء حمزة العرض المنودرامى ( صح  النوم ) المأخوذ عن النص الإيطالى «نوبة صح...

حلق خدوجة يكشف عن أمانة موظف مسرح ميامى

  عثر موظف الأمن بمسرح ميامى عيد عباس على حلق الفنانة خدوجة صبرى أحد اعضاء لجنة التحكيم بمهرجا...

البطوسى يفوز بالجائزة المغربية

  فى حفل افتتاح الدورة الـ 16 للمهرجان الدولى لمسرح الطفل بـ "تازة" المغرب 23 إبريل الماضى أعل...

  • أكاديمية الحزب الوطنى للفنون بالعمرانية!!

  • يوميات مخرج مسرحى لمخيون قريبا بقصور الثقافة

  • (فن محوج ) تحول رواية (تراب الماس) لعرص مسرحي علي الجزويت

  • سناء شافع يعترض على منح أكاديمية الفنون خمس شهادات دكتوراة فخرية فى شهرين

  • ناصف شاهد "أم الدنيا" للجندى و"راجعين" لمرسى

  • عن المرأة الشقيانة.. دعاء حمزة تقدم صح النوم على الفلكى

  • حلق خدوجة يكشف عن أمانة موظف مسرح ميامى

  • البطوسى يفوز بالجائزة المغربية

اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
جريدة مسرحنا المصرية - الموقع الرسمي
اعداد جريدة مسرحنا

اعداد جريدة مسرحنا (112)

الصفحة 1 من 9
  • نصوص مسرحية

  • هوامش

  • كل مرة

  • فواصل

  • ملف خاص

  • لو عندك وقت

  • ‮"‬عرايس‮" ‬دينا سليمان
    ‮

     

    قبل شهور أُعلمت باختيار مسرحيتي‮ "‬الخوف‮" ‬لتقدم ضمن فعاليات مهرجان هايدلبرج بألمانيا،‮ ‬وعرفت وقتها أنه تم اختيار مسرحية أخري‮ ‬لكاتبة اسمها دينا سليمان‮. ‬لم أكن أعرف دينا وقتها ولم أكن سمعت بها‮ (‬ولعلها لم تكن سمعت بي‮ ‬هي‮ ‬أيضا‮) ‬ولكني‮ ‬ادعيت معرفتها وأثنيت علي‮ ‬اختيار المهرجان لدينا،‮ ‬فقد كان من المهم جدا تمثيل مصر في‮ ‬مهرجان دولي‮ ‬بكتابات جديدة حتي‮ ‬ولو لم‮ ‬يسمع بها أحد من قبل في‮ ‬مصر التي‮ ‬لا تقرأ ولا تكتب‮!. ‬ولأسباب قدرية بحتة فيما أعتقد لم أسافر لحضور المهرجان الذي‮ ‬حضرته دينا وعرفت أنها كانت متوهجة وتركت انطباعا جيدا عند منظمي‮ ‬المهرجان ورواده‮.‬
    مسرحية دينا سليمان عنوانها‮ "‬العرايس‮" ‬وهي‮ ‬ليست فقط مسرحية نسوية بامتياز ولكنها أيضا لا تقل جمالا ولا حرفية عن أي‮ ‬من تلك المسرحيات التي‮ ‬نصدع بها رؤوس الطلاب في‮ ‬المعهد طوال الوقت‮. ‬دينا سليمان خريجة كلية الفنون الجميلة دفعة عام‮ ‬2009‮ ‬ ورغم صغر عمرها فإن مسرحيتها تشي‮ ‬بقدرة كبيرة علي‮ ‬معرفة الطريق الذي‮ ‬تضع فيه قدمها‮.‬
    عرايس دينا سليمان مسرحية نسوية علي‮ ‬الطريقة المصرية إن جاز لنا القول‮. ‬في‮ ‬عشر لوحات نتعرف علي‮ ‬معاناة عشر بنات تبدو لنا ـ أي‮ ‬المعاناة ـ تقليدية للغاية من فرط ما سمعنا بها دون أن نتعامل معها باعتبارها معاناة حقيقية‮. ‬في‮ ‬عشر لوحات لم‮ ‬يهاجم الرجل باعتباره رجلا تتجسد لنا أزمة الحياة في‮ ‬مجتمع ذكوري‮ ‬يفرض ذكورته باعتبارها بداهة الأشياء وحقيقتها،‮ ‬باعتبارها الامتياز الذي‮ ‬منحه الله للرجال حصريا‮. ‬حتي‮ ‬تكسير البنات‮/ ‬العرايس لفاترينات العرض اللاتي‮ ‬تقبعن خلفها بانتظار العريس في‮ ‬نهاية المسرحية جاءت هادئة هدوء المسرحية التي‮ ‬حرصت دينا علي‮ ‬ألا تكون زاعقة وصارخة‮. ‬حتي‮ ‬بكاء بعض البنات‮ ‬يمر عابرا بلا مزايدات ولا شعارات‮.‬
    فوق هذا وذاك فإن المسرحية تتجرأ علي‮ ‬الكلام المسكوت عنه مسمية الأشياء باسمها‮. ‬تتحدث عن الرغبة باسمها وعن التحرش باسمه،‮ ‬وعن تربية البنات في‮ ‬مجتمع ذكوري‮ ‬باعتباره التناقض الأكبر في‮ ‬حياتنا‮.‬
    ‮"‬خايفة ـ‮ ‬يمكن ـ اتأخرت ـ‮  ‬احلم ـ لأ ـ واحشني‮ ‬ـ احساس ـ‮ ‬غلط ـ احبك ـ موت ـ عاوزة ـ عيب وحشة ـ دفا ـ ضحكة ـ عورة ـ رعشة ـ وجع مفيش ـ دم ـ جواز ـ حرام ـ ضعيفة ـ بكارة حاضر ـ مكسوفة ـ‮  ‬لمسة ـ حياة ـ ناقصة ـ مر ـ حضن ـ طفلة ـ بنت ـ شابة ـ عروسة ـ طالق ـ أم ـ عانس مزة ـ عيلة‮".. ‬مفردات تخص البنات وتخص عالمهن الذي‮ ‬سجلته دينا باقتدار وموهبة ملفتين‮.‬

     

    حاتم حافظ

    معلومات أضافية
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٧٣
  • جمال السجيني‮ ... ‬في‮ ‬الزمالك‮ ‬
    جمال السجيني‮ ... ‬في‮ ‬الزمالك‮ ‬

     

    الفن مقاومة‮ .... ‬هذا ما أؤمن به‮ .. ‬وأؤمن أكثر بأن مانحياه الآن من هجمة تترية للقضاء علي‮ ‬الحياة بتهم التكفير‮  ‬يستدعي‮ ‬مزيدا من المقاومة‮ .. ‬مزيدا من الفن‮ . ‬
    وهاهي‮ ‬واحدة من كتائب المقاومة تحتشد في‮ ‬قاعة‮ (‬الزمالك‮) ‬للفنون لتحتفي‮ ‬بأحد المقاومين الكبار وتتحدي‮ ‬به جحافل التتار الجدد‮. ‬
    إنه جمال السجيني‮ ‬الذي‮ ‬تعرض له القاعة تسعة أعمال نحتية‮ ‬،‮ ‬لم تر النور من قبل‮ ‬،‮ ‬تؤرخ لمسيرة المقاومة الشعبية المصرية وتقول للظلاميين الجدد موتوا بغيظكم‮ . ‬
    ربما لا‮ ‬يعرف كثيرون أن الفنان المصري‮ ‬الراحل جمال السجيني‮ ‬،‮ ‬حمل في‮ ‬يوم ما من صيف‮ ‬1969 بعضاً‮ ‬من منحوتانه وألقي‮ ‬بها في‮ ‬النيل‮ ! ... ‬نعم هذا ما فعله‮  ‬فنان لا تنقصه الشهرة‮  ‬حتي‮ ‬يلجأ إلي‮ ‬هذا الفعل الخارق ليلفت إليه الأنظار‮ ‬،‮ ‬فالسجيني‮ ‬حقق من الشهرة العربية‮  ‬والعالمية ما‮ ‬يكفيه‮ ‬،‮ ‬لكنه فعلها‮ .. ‬ألقي‮ ‬منحوتاته في‮ ‬النيل في‮ ‬لحظة‮ ‬يأس بعد أن تكدس منزله ومعمله بمنحوتات ولوحات ومطروقات تكفي‮ ‬أن تزين‮  ‬متحفا خاصا‮ ‬،‮ ‬وهو ما لم تلتفت إليه الدولة فأراد بفعلته هذه أن‮ ‬يشد انتباهها إلي‮ ‬خطر لم تقدره وما زالت‮ !‬
    بعد ثماني‮  ‬سنوات من هذه الواقعة العبثية‮ ‬،‮. ‬وبالتحديدفي‮ ‬22 ‮ ‬نوفمبر‮ ‬1977‮ ‬توفي‮ ‬جمال السجيني‮ ‬في‮ ‬أسبانيا جراء أزمة قلبية داهمته قبلها بيومين عندما شاهد علي‮ ‬شاشات التلفزيون الرئيس السادات‮ ‬يزور القدس‮ .. ‬فلم‮ ‬يتحمل قلبه أن‮ ‬يري‮ ‬رئيس مصر‮ ‬يزور كيان المغتصب بل ويصافح أعداءه بود‮ .‬
    رحل السجيني‮ ‬وبقيت أعماله حبيسة المعمل والمنزل‮ ‬،‮ ‬ومن هنا تحديدا تأتي‮ ‬أهمية المعرض الذي‮ ‬تقيمه قاعة الزمالك للفن بقيادة السيدة ناهدة الخوري‮ .‬
    في‮ ‬المعرض ستشاهد‮ (‬النيل‮) ‬حكيما عجوزا‮ ‬يربت بيده الحنون علي‮ ‬حضارة بناها الإنسان ويتحدي‮ ‬بها الزمن‮ . ‬وستري‮ ‬أم كلثوم تتشكل من إهرامات متراكمة تصعد كل منها فوق الأخري‮ ‬لتصل إلي‮ ‬وجه‮ (‬ثومة‮)  ‬فتكاد تسمعها تصدح‮ (‬أنا تاج الشرق‮) . ‬وستري‮ (‬بور سعيد‮) ‬تمثالا‮ ‬يستلهم مسلة المصري‮ ‬القديم‮ ‬،‮ ‬يروي‮ ( ‬حكاية شعب‮ ) ‬رفض الاستسلام واختار المقاومة طريقا للحياة‮ . ‬وستشاهد‮ (‬القرية المصرية‮) ‬أنثي‮ ‬تواقة للحياة‮ ‬،‮ ‬وستنعم بحنان‮ (‬الأمومة‮) ‬مجسدة في‮ ‬تمثال أفقي‮ ‬ينضح حنانا ونعومة‮ .‬
    وفي‮ ‬نهاية جولتك ستستمتع بمشاهدة فيلم‮ ( ‬جمال السجيني‮ ... ‬فارس النهر‮ ) ‬الذي‮ ‬أخرجه الفنان جمال قاسم قبل عام لتعرف أكثر عن هذا الفنان الذي‮ ‬كان وسيظل لسنوات عديدة مقبلة واحدا من المقاومين الكبار‮. ‬وستجد نفسك تعاود التجوال مرة ومرة ومرة‮ .. ‬،‮ ‬فمنحوتات السجيني‮ ‬لا تمنحك أسرارها دفعة واحدة‮ ‬،‮ ‬إنها تستدرجك ببطء وتظل تغويك بالمزيد والمزيد‮ ‬،‮ ‬فتظل تدور حولها واحدة بعد الأخري‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تكتشف أنك أصبحت‮ ‬غيرك الذي‮ ‬دخل القاعة منذ قليل‮ . ‬
    ‮ ‬فشكرا واجبا للسيدة ناهدة الخوري‮ ‬صاحبة هذه المغامرة في‮ ‬ذلك التوقيت الذي‮ ‬يهددنا فيه الظلاميون بهدم منحوتات الأجداد أهراما ومعابد‮ .‬

    محمد الروبي

    معلومات أضافية
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٨١
  • الشيء المسيء لصناعه

     

    الفيديو المختصر لما‮ ‬يطلق عليه الفيلم المسيء للرسول الذي‮ ‬بثه موقع‮ ‬يوتيوب وتداولته معظم مواقع الإنترنت‮  ‬بعدما بثه الداعية خالد عبدالله علي‮ ‬قناته لا‮ ‬يمكن بأي‮ ‬حال من الأحوال تسميته بـ فيلم فهو مادة ركيكه ورديئه تماما مثل رداءة صناعها‮ ‬،‮ ‬هل هذا هو مايسمونه هجومهم علي‮ ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬لقد شاهدت الثمانية عشر دقيقة بعدما بثها بعض الأصدقاء علي‮ ‬الفيس بوك فأصابني‮ ‬القرف الشديد من كل شيء في‮ ‬هذة اللقطات المسيئة جدا لأصحابها‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن لطفل صغير أن‮ ‬يتأثر أو‮ ‬يتعاطف مع كل هذا الغثيان‮ ‬،‮ ‬لابد وأنه سيضحك من فرط سذاجة صناع هذا الشيء،‮ ‬وبدلا من أن نسخر من هذا الشيء ونحقره ونرد الصاع صاعين لصناعه كما فعلت مجموعة ديسكفر إسلام في‮ ‬أوروبا أقمنا الدنيا ولم نقعدها‮ ‬،‮ ‬واستطاعت بعض الحكومات العربية أن تغطي‮ ‬عبر هذة الضجه الكارتونية المفتعلة علي‮ ‬الكثير من أخطائها‮ ‬،‮ ‬مثلا‮ ‬،‮ ‬لقد نسينا تماما موضوع القرض الذي‮ ‬أخذته الحكومه المصرية من صندوق النقد‮ ‬،‮ ‬ولم نفكر فيما ستفعل الحكومه به ولا بالمنح الأخري‮ ‬الآتية من تركيا‮ ‬،‮ ‬قطر‮ ‬،‮ ‬اليابان‮ ‬،‮ .. ‬إلخ‮.‬
    أما ماذا فعلت مجموعة ديسكفر المهتمه بنشر صحيح صورة الإسلام‮ ‬،‮ ‬لقد طبعت أكثر من مائة ألف نسخة من القرآن الكريم المفسرملحقا به موجز للسيرة النبوية العطرة‮ .. ‬هذا ما أسميه رد عملي‮ ‬،‮ ‬أما الحرق والقتل وطوفان الغضب ـ كما حدث وما زال‮ ‬يحدث ـ فلن‮ ‬يؤدي‮ ‬إلا إلي‮ ‬تشويه صورة العربي‮ ‬المسلم لدي‮ ‬العالم الخارجي،‮ ‬يمكننا أن نرد بصناعة فيلم تسجيلي‮ ‬عن الرسول ناطق بكل لغات الدنيا‮ ‬،‮ ‬أو إقامة شراكة عربية لبث فضائية تنويرية تعرف بصحيح الإسلام وبرسول الله وصحابته الكرام‮ ‬،‮ ‬أو‮ ...‬أو‮ ....‬أما مطالبة أمريكا بالاعتذار أو بمحاسبة صناع هذة المادة الرديئة فغالب الأمر لن‮ ‬يحدث شيء من هذا‮ ‬،‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يدخل في‮ ‬باب الحريات التي‮ ‬لا تحاسب عليها قوانين أمريكا‮ ‬،‮ ‬فهناك وقد رأيت ذلك بنفسي‮ ‬في‮ ‬نيويورك وبوسطن ونيوجرسي‮ ‬وغيرها من الولايات مراكز للتعريف بالإسلام بوسائل دعائية متعددة،‮ ‬فيلمية وكتابيه ودعويه‮ ‬،‮... ‬،‮ ‬ولم تمنعها حكومة أمريكا‮ ‬،‮ ‬فقط تنقص هذة المراكز الدعم المادي‮ ‬الكافي‮ ‬،‮ ‬أين إذن نقود النفط العربي‮ ..‬؟‮!‬
    والمتورطون في‮ ‬صناعة هذة المادة الرديئه من بينهم عرب‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬أن جنسياتهم الأولي‮ ‬عربية‮ ..‬؟ هل فكر أحد لماذا قامت الدنيا ولم تقعد في‮ ‬مصر وبعض الدول العربية الأخري‮ ‬بينما هناك دول عربية لم‮ ‬يهتز لها جفن وكأن الموضوع لا‮ ‬يهمها من قريب أو بعيدا؟ هل تعرف هذة‮  ‬الدول حجم المؤامرات الملقاه علي‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬ولا تستبعد أن‮ ‬يكون هذا الشريط جزءا منها‮ ‬،‮ ‬لذا لا‮ ‬يهمها أن تسود الفوضي‮  ‬وينتصر التدين الشكلي‮ ‬،‮ ‬وتتفاقم رحي‮ ‬الخلاف بين مسلمي‮ ‬مصر ومسيحييها‮ ‬،‮ ‬وأن تظل الصراعات دائرة إلي‮ ‬الأبد‮ ‬،‮ ‬أملا في‮ ‬أن تحل بعض الهوامش محل المتن علي‮ ‬المستويين العربي‮ ‬والعالمي‮ ‬؟‮! ‬
    سنكون واهمين إذا ما تخيلنا أن هذا الشريط هو نهاية سلسلة حلقات الهجوم علي‮ ‬الإسلام‮ ‬،‮ ‬لنتذكر الرسوم الدانماركية‮ ‬،‮ ‬وسلسلة‮  ‬الأفلام المسيئه للعرب وللإسلام عموما‮ ‬،‮ ‬ولنتذكر دوما أن الرد‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون بتوسيع دائرة التعريف بالإسلام عبر القنوات الإعلامية والفضائيات المختلفة‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن أن تكون ردودنا دوما القتل والحرق ورمي‮ ‬الحجارة والتصايح بالصوت العالي‮ ‬ورفع الشعارات الزائفة والتي‮ ‬لا تحمل في‮ ‬نهايهة الأمر إلا مجرد جعجعة فارغة‮ ...‬

     

    إبراهيم الحسيني

  • مخاض مسرحي
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٢١

     


    ما نعيشه الآن لا‮ ‬يمكن لنا أن نسميه حالة مسرحية،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يمكننا أن نطلق عليه محاولة للبحث عن وجود حالة مسرحية،‮ ‬فدائمًا ما تعقب الهزات المجتمعية الكبيرة والمصيرية كالحروب،‮ ‬الكوارث الطبيعية،‮ ‬الثورات‮.. ‬حالة حراك اجتماعي‮ ‬علي‮ ‬كافة المستويات،‮ ‬يدخل ضمن هذا الحراك المتوتر حالة فوران وغليان لمنظومة الأفكار،‮ ‬الأعراف والقوانين داخل المجتمع،‮ ‬وبالطبع ذلك‮ ‬يشمل الفنون والآداب،‮ ‬وخاصة كل ما هو أدائي‮ ‬ومرتبط بالجموع منها كالمسرح مثلاً،‮ ‬لذا‮ ‬يحدث أن تعقب الهزة المجتمعية العنيفة محاولة دؤوب لإعادة تعريف الفنون،‮ ‬وبالتالي‮ ‬إعادة تعريف فن المسرح،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تطفو علي‮ ‬السطح أولاً‮ ‬مجموعات متدافعة من الأسئلة والأفكار،‮ ‬تلك التي‮ ‬يصلح بعضها للتنفيذ داخل أرض الواقع المجتمعي‮ ‬الجديد بعد الهزة الاجتماعية وهي‮ ‬هنا الثورة،‮ ‬وبعضها لا‮ ‬يصلح إطلاقًا،‮ ‬والمسرح الآن‮ - ‬وأعتقد أنه سيظل لفترة قادمة هكذا‮ - ‬في‮ ‬حالة بحث عن تعريف جديد له شريحة التفكير التي‮ ‬كنا نعمل بها قبل الثورة تغير من نفسها الآن،‮ ‬وبناءً‮ ‬علي‮ ‬ذلك ستنهدم الكثير من الثوابت التي‮ ‬كان معمولاً‮ ‬بها لتحل محلها ثوابت جديدة تناسب تفكير المرحلة الجديدة،‮ ‬والمتأمل لمسرح ما بعد الحربين العالميتين سيجده‮ ‬يختلف كثيرًا في‮ ‬سماته عن المرحلة الماقبلية،‮ ‬قد‮ ‬يكون ظهور العبث أحد أهم هذه السمات،‮ ‬وفي‮ ‬مصر،‮ ‬حالة مسرح ما بعد ثورة‮ ‬يوليو بتوجهاته المنتصرة لأفكار الثورة‮ ‬يختلف عما قبل ذلك،‮ ‬سنجد شبيها بذلك التغير النسبي‮ ‬في‮ ‬مسرح ما بعد‮ ‬67‮.‬
    والواقع الآن‮ ‬ينتج آلاف الأسئلة ولا إجابات،‮ ‬كل التحليلات السياسية والاقتصادية مجرد تكهنات ولا‮ ‬يقين،‮ ‬هناك تفاؤل عارم بالحياة بأن الدنيا ستتغير لكنه‮ ‬يبقي‮ ‬في‮ ‬النهاية مجرد تفاؤل‮.. ‬فهل نحن وفق هذا المنطق مقدمون علي‮ ‬مسرح عبث جديد؟‮! ‬أم مقدمون علي‮ ‬مسرح‮ ‬ينتصر لمطالب الثورة؟‮!.. ‬الأمر مختلف تمامًا عن حالة مسرح ما بعد ثورة‮ ‬يوليو،‮ ‬المجتمع الآن ممزق بين العديد من التيارات الفكرية،‮ ‬الحزبية،‮ ‬الدينيه،‮ ‬الرسمية،‮ ‬الشعبية،‮.. ‬هناك جزر منعزله في‮ ‬توجهاتها،‮ ‬قد تتجمع‮  ‬هذه الجزر لتشكل بنية فكرية في‮ ‬رأس فناني‮ ‬المسرح فينتجون مسرحًا‮ ‬يناسب المرحلة،‮ ‬وقد لا تجمع هذه الجزر رؤية فكرية ولا فنية محددة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬سيظل طلب معظم مخرجينا اليوم هو‮: ‬أريد نصًا عن الثورة‮.. ‬وإذا قلت ليس عندي‮ ‬الآن نص مسرحي‮ ‬عن الثورة،‮ ‬فيكون الطلب الثاني‮: ‬أريد نصًا قديمًا إذن ولكن اجعل نهايته عن الثورة‮!!..‬
    والمتأمل للواقع الآن‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يجد آلاف الأفكار التي‮ ‬تصلح لكتابة أعمال درامية صالحة لآن تكون إضافة جيدة لما سبق سواء كانت عن ذلك الحدث المجتمعي‮ ‬الفارق في‮ ‬مسيرة المجتمع المصري‮ (‬ثورة‮ ‬يناير‮) ‬أو عن الكثير من الحوادث التي‮ ‬صاحبت قيام هذه الثورة أو استمرت في‮ ‬الحدوث اجتماعيًا حتي‮ ‬الآن‮.. ‬وبالتالي‮ ‬يستطيع المسرح في‮ ‬هذه المرحلة خلق حالة فنية تستطيع مستقبلاً‮ ‬تطوير نفسها،‮ ‬حالة ننتقل بها من تيار المخاض المسرحي‮ ‬الراهن لما‮ ‬يمكن أن نقول عليه تيار مسرح ما بعد الثورة‮.

     

    إبراهيم الحسيني

  • عالم المسرح
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم 262

     

        كـُـنا في منتصف النهار ، الساعة هي الثانية عشر ظهراً ، كنت خارجاً من مبنى التليفزيون ، وكانت حرارة الشمس تواصل غزواتها الصيفية فوق رءوسنا ، وبالرغم من ذلك كان الرجل يهتف بأعلى صوته : أريد إقامة شرع الله ... كان الرجل يرتدي جلباباً عادياً ، ذقنه غير حليقة في غير قصدية ، شعره أميل لأن يكون منكوشاً ، هيئته العامة توحي بعصبية ما ، وتوتر يـُـمكن أن تصفه بالدائم ، رجال أمن المبنى يخشون الاحتكاك به حتى لا يموت بين أيديهم الغليظة ، فالرجل نحيف جداً ويتميـّـز بهزال واضح ، يبدو أنه يـُـعاني من أمراض الدنيا كلها ، ومنها الهـوّس الديني ...!
        هذه الأيام يـُـمكنك أن تـُـصادف هذه الحالة كثيراً ، فجأة أصبح معظم الناس شيوخ ، وقادرون على الإفتاء ، ومدافعون شرسون عن فكرة الدين ، رغم أن أحداً لم يـُـهاجم الدين ، فالمصريون متديـّـنون بطبعهم ، ولا يستطيع أحد أن يصف مصر بالدولة المارقة التي تحتاج لفتحٍ إسلامي جديد ...!
    هل يستطيع المسرح أن يحل هذه الإشكالية المـُـعقدة ؟ هل يستطيع أن يتحاور مع هذا الفهم الأوحد للحياة ؟ ... طبيعة المسرح أنه فن ديمقراطي ، وطبيعة الدولة التي نصبو إليها هي دولة مدنية ، ديمقراطية ، ... إذاً فكرة الحوار هي الحل ، لكن هؤلاء المدافعون الشرسون عن هوسهم لا يقبلون الحوار ، فقط يقبلونه إذا أعطيت لهم ضمانة بأن توافق على آرائهم وتعتنق وجهات نظرهم ، وهذا ليس حواراً ولا يحزنون ... فهل يستطيع المسرح أن يـعدل من وضعية الأمخاخ داخل الرءوس المهووسة بفكرة الدفاع الأحمق عن خطر غير موجود بالفعل في الواقع ...؟!
    إذا امتدت يد الدولة إلى الاهتمام بالمسرح ، وأسمت أحد الأعوام الثلاثة القادمة " عام المسرح نحو حوار درامي ديمقراطي " ، واهتمت بما يمكن تسميته بمسرح المجتمعات ، وأصبح لدى كل طائفة مسرحها الذي تتحاور عبره ، فأصبح لكل مهنة ، طائفة ، مكان ، ... المسرح الذي يـُـعبر عنها وعن قضاياها ، والقادر على مناقشة أزماتها وصراعاتها مع الطوائف الأخرى ، قد يمكننا عبر ذلك إزاحة الوعي المتخلف الذي يسكن رءوس البعض منـّـا ، وإحلال وعياً جديداً أكثر صحة وحيوية ، لقد فعلتها أثينا القديمة قبلاً ، فهل يمكن لنا أيضاً أن يأتي ذلك اليوم ونفعلها ...؟!
      إبراهيم الحـُـسيني

  • مسرحنا المهرجان القومي .. نقطة نور وسط العتمة
    الكاتب مسرحنا
    المهرجان القومي .. نقطة نور وسط العتمة

    الأربعاء الماضي‮ ‬ومن المسرح الكبير بدار الأوبرا أعطي‮ ‬د‮. ‬محمد صابر عرب إشارة البدء لانطلاق المهرجان القومي‮ ‬السادس للمسرح المصري‮ ‬الذي‮ ‬يستمر حتي‮ ‬الشهر الحالي‮ ‬باعثًا نقطة نور وسط عتمة وفوضي‮ ‬سياسية تحياها البلاد‮.. ‬ومؤكدًا أن المسرح والثقافة عمومًا حائط صد‮ ‬أخير وخط أحمر لا‮ ‬يمكن تجاوزه و الجور عليه‮.‬
    فرق عديدة تمثل مسرح الدولة ومسرح الثقافة تتنافس جميعًا لا من أجل الحصول علي‮ ‬جائزة وإنما من أجل إضاءة مسارح مصر واستعراض أبرز إنتاجها خلال عام مضي‮ ‬لم‮ ‬يكن مقدرًا مع قيمتها‮ - ‬التي‮ ‬تؤكد أن المسرح المصري‮ ‬صامد وموجود رغم كل التحديات‮.‬
    الملف المنشور هنا‮ ‬يحتفي‮ ‬بالمهرجان بطريقته
    ‮ ‬حيث‮ ‬يناقش أهمية انعقاده الآن‮.. ‬كما‮ ‬يناقش فعالياته ولوائحه من خلال المشاركين والمتعاملين معه‮.‬

    كتب في الأحد, 31 آذار/مارس 2013 12:47 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 1878 مره
  • مسرحنا عندما‮ ‬يسقط الطاغية وتحل الخصوبة في‮ ‬ذكري‮ ‬تنحي‮ ‬الديكتاتور
    الكاتب مسرحنا
    عندما‮ ‬يسقط الطاغية وتحل الخصوبة في‮ ‬ذكري‮ ‬تنحي‮ ‬الديكتاتور

     

    الميلاد‮ ..‬الموت‮.. ‬البعث الجديد‮ ‬،‮ ‬آلية بديهية لا تحتاج إلي‮ ‬تفسير اتسمت بها الحبكة الكونية التي‮ ‬ترسم خطوط الحياة ورحلتها المستمرة سعيا نحو التجدد من خلال نفي‮ ‬كل ما‮ ‬يصيبه الوهن والشيخوخة في‮ ‬مقابل ظهور ميلاد جديد‮ ‬يسعي‮ ‬للحفاظ علي‮ ‬مبدأ الصيرورة‮ ‬،‮ ‬ولعل الدراما اقترنت بمبدأ الحياة لحفاظها منذ نشأتها الأولي‮ ‬علي‮ ‬تلك الآلية ونشأت من رحمها‮ ‬،‮ ‬فها هو الإله‮ (‬روح الحياة‮) ‬يتم التضحية به في‮ ‬سبيل إعلان ظهور جديد له أكثر حيوية وقدرة مما سبق‮ ‬،‮ ‬وتبادرنا التراجيديا بشكل مباشر لترسيخ ذلك المبدأ‮ ‬،‮ ‬ليحل الإله في‮ ‬جسد الملك الذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يترك العرش في‮ ‬النهاية لملك جديد‮ ‬،‮ ‬كل ذلك وعبر تتابع الأسطورة في‮ ‬أكثر من تراجيديا‮ ‬يتم في‮ ‬بنية دائرية لا مفر للخروج منها‮ .‬
    إلا أن أكثر ما تتسم به تلك الآلية هو مبدأ العنف الذي‮ ‬يقترن دوما بتغيير النظام والذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يكون بداية بتغيير رأس السلطة في‮ ‬شكلها الأخير‮ ‬،‮ ‬ولعل تلك السمة‮ ‬يطالعنا بها تاريخ البشرية بداية من شكلها البدائي‮ ‬الأولي‮ ‬المتمثل في‮ ‬قتل الملك الكاهن بعد أن حل عليه الوهن والضعف وتخلت عنه القوة علي‮ ‬يد الملك الشاب الذي‮ ‬يمتلك مبدأ الحياة وتجددها‮ ‬،‮ ‬لذلك نجد دوما الدراما العظيمة هي‮ ‬التي‮ ‬تعي‮ ‬تلك الحركة وتطورها‮ ‬،‮ ‬تلك الحركة التي‮ ‬تعبر عن تجدد الحياة‮ ‬،‮ ‬ومن هذا المنطلق تستعيد مسرحنا‮ ‬يوم سقوط الرئيس‮ ‬،‮ ‬ليس احتفاء بالحادثة بقدر ما هو احتفاء بشعب عظيم رفض الجمود واختار الحياة لوطننا الغالي‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬وسيظل‮ ‬يناضل حتي‮ ‬تكتمل الدورة بأن تحل القوة والخصوبة محل الضعف والعقم‮. ‬

    كتب في الخميس, 07 شباط/فبراير 2013 11:29 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 1795 مره
  • مسرحنا ‮"‬صانع البهجة‮ " ... ‬حقق نجوميته في‮ ‬السينما وأهداها للمسرح‮ ‬
    الكاتب مسرحنا
    ‮

     

    بخلاف كونه ظاهرة سينمائية فريدة‮ ‬،‮ ‬يمثل الفنان الاستثنائي‮ " ‬إسماعيل‮ ‬ياسين ــ الذي‮ ‬نحتفل بمئويته هذه الأيام ــ حالة أخري‮ ‬فريدة في‮ ‬عشق المسرح‮ ‬،‮ ‬
    ‮" ‬سمعة‮ " ‬صاحب أشهر وأصفي‮ ‬ابتسامة في‮ ‬تاريخ السينما‮ ‬،‮ ‬غامر طوال الوقت بشهرته وأمواله في‮ ‬الفرقة المسرحية التي‮ ‬تحمل اسمه والتي‮ ‬مازالت أعمالها حبيسة‮  ‬مكتبة التلفزيون المصري‮ ‬
    مائة عام مضت علي‮ ‬ميلاد‮ " ‬سمعة‮ " ‬ومازال النجم الأوفر حظا في‮ ‬قلوب الملايين‮ ‬،‮ ‬وصانع البهجة الأهم والأبقي‮ ‬في‮ ‬تاريخ الفن‮ ‬،‮ ‬من السينما إلي‮ ‬المسرح‮ " ‬رايح جاي‮ " ... ‬

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 13:01 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 1775 مره
  • مسرحنا نموذج البطل الذي يتهافت عليه الجميع إسماعيل‮ ‬ياسين‮ .. ‬أسطورة الكوميدية المصرية
    الكاتب مسرحنا
    نموذج البطل الذي يتهافت عليه الجميع إسماعيل‮ ‬ياسين‮ .. ‬أسطورة الكوميدية المصرية

     

    أسطورة كوميدية‮ ‬يصعب أن تتكرر من جديد‮  ‬،‮ ‬واحد من أبرز من أثروا المسرح المصري‮ ‬بأعمال تفجَّرت فيها الكوميديا من رحم الأحزان التي‮ ‬طالما كان أسيرا لها‮  ‬،‮ ‬وحالة خاصة في‮ ‬الكوميديا المصرية‮  ‬،‮ ‬فهو صاحب أكبر عدد من الأفلام التي‮ ‬تحمل اسمه‮  ‬،‮ ‬واستطاع بشجاعة أن‮ ‬يسخر من نفسه وملامحه في‮ ‬أفلامه‮  ‬،‮ ‬ورغم أن البعض‮ ‬يعتبره مهرجاً‮  ‬،‮ ‬فإن إعجاب الأجيال المتلاحقة بأدائه‮ ‬يعكس مدي‮ ‬أهميته ويؤكد أنه ظاهرة لن تتكرر‮. ‬هكذا قالوا عنه‮ .. ‬اسمه إسماعيل‮ ‬ياسين‮  ‬،‮ ‬حكايته نستعرضها خلال السطور القادمة‮ ..‬احتفالا بمرور‮ ‬100 عام علي‮ ‬مولده‮.‬
    ولد إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬شارع عباس بمدينة السويس‮ ‬،‮ ‬وتوفيت والدته وهو لا‮ ‬يزال طفلاً‮ ‬صغيراً‮. ‬التحق بأحد الكتاتيب‮ ‬،‮ ‬ثم تابع دراسته في‮ ‬مدرسة ابتدائية حتي‮ ‬الصف الرابع الابتدائي‮ ‬،‮ ‬وأفلس محل الصاغة الخاص بوالده ودخل السجن لتراكم الديون عليه‮ ‬،‮ ‬اضطر الفتي‮ ‬الصغير للعمل مناديا أمام محل لبيع الأقمشة‮ ‬،‮ ‬فقد كان عليه أن‮ ‬يتحمل مسئولية نفسه منذ صغره‮. ‬هذا قبل أن‮ ‬يضطر إلي‮ ‬هجر المنزل خوفا من بطش زوجة أبيه ليعمل مناديا للسيارات بأحد المواقف بالسويس‮ .‬
    عندما بلغ‮ ‬أسطورة الكوميديا من العمر‮ ‬17 ‮ ‬عاما اتجه إلي‮ ‬القاهرة في‮ ‬بداية الثلاثينات حيث عمل صبيا في‮ ‬أحد المقاهي‮ ‬بشارع محمد علي‮ ‬وأقام بالفنادق الصغيرة الشعبية‮.‬
    التحق بالعمل مع الأسطي‮ "‬نوسة‮" ‬،‮ ‬والتي‮ ‬كانت أشهر راقصات الأفراح الشعبية في‮ ‬ذلك الوقت‮. ‬ولأنه لم‮ ‬يجد ما‮ ‬يكفيه من المال تركها ليعمل وكيلا في‮ ‬مكتب أحد المحامين للبحث عن لقمة العيش أولاً‮.‬
    عاد إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬يفكر مرة ثانية في‮ ‬كيفية تحقيق حلمه الفني‮ ‬فذهب إلي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬،‮ ‬بعد أن اكتشفه توأمه الفني‮ ‬وصديق عمره وشريك رحلة كفاحه الفنية المؤلف الكبير أبو السعود الإبياري‮ ‬والذي‮ ‬كون معه ثنائياً‮ ‬فنياً‮ ‬شهيراً‮ ‬وكان شريكاً‮ ‬له في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬ثم في‮ ‬السينما والمسرح‮ ‬،‮ ‬وهو الذي‮ ‬رشحه لبديعة لتقوم بتعيينه بفرقتها وبالفعل انضم إلي‮ ‬فرقتها ليلقي‮ ‬المونولوجات في‮ ‬الملهي‮ .‬
    ‮ ‬استطاع إسماعيل‮ ‬ياسين أن‮ ‬ينجح في‮ ‬فن المونولوج‮ ‬،‮ ‬وظل عشر سنوات من عام‮ ‬1945- 1935 متألقا في‮ ‬هذا المجال حتي‮ ‬أصبح‮ ‬يلقي‮ ‬المونولوج في‮ ‬الإذاعة نظير أربعة جنيهات عن المونولوج الواحد شاملا أجر التأليف والتلحين‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬كان‮ ‬يقوم بتأليفه دائماً‮ ‬توأمه الفني‮ ‬أبو السعود الإبياري‮.‬
    وبعد تألقه في‮ ‬هذا المجال انتقل الي‮ ‬السينما إلي‮ ‬أن أصبح أحد أبرز نجومها وهو ثاني‮ ‬إثنين في‮ ‬تاريخ السينما أنتجت لهما أفلامًا تحمل أسماءهما بعد ليلي‮ ‬مراد‮ ‬،‮ ‬ومن هذه الأفلام‮ (‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬متحف الشمع‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬يقابل ريا وسكينة‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬الجيش‮ - ‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬البوليس‮  ‬،‮ ‬وغيرها من الأفلام‮ " .‬
    ولا‮ ‬ينسي‮ ‬أحد لهذا العملاق الكبير كيف أسهم في‮ ‬صياغة تاريخ المسرح الكوميدي‮ ‬المصري‮ ‬وكون فرقة تحمل اسمه وظلت هذه الفرقة تعمل علي‮ ‬مدي‮ ‬12 عاما من عام‮ ‬1954 حتي‮ ‬عام‮ ‬1966 .
    يروي‮ ‬المعاصرون لإسماعيل‮ ‬ياسين كيف بدا حلمه بتكوين مسرحه الخاص عام‮ ‬1953 ‮ ‬حيث تحمس للمشروع عدد من الصحفيين منهم الأستاذ موسي‮ ‬صبري‮ ‬،‮ ‬والأستاذ عبدالفتاح البارودي‮ ‬،‮ ‬وبدأت الفرقة بعدد من نجوم الفن ـ آنذاك ـ من بينهم تحية كاريوكا‮ ‬،‮ ‬وشكري‮ ‬سرحان‮ ‬،‮ ‬وعقيلة راتب‮ ‬،‮ ‬وعبدالوارث عسر‮ ‬،‮ ‬وحسن فايق‮ ‬،‮ ‬وعبدالفتاح القصري‮ ‬،‮ ‬واستيفان روستي‮ ‬،‮ ‬وعبدالمنعم إبراهيم‮ ‬،‮ ‬وسناء جميل‮ ‬،‮ ‬وزهرة العلا‮ ‬،‮ ‬وفردوس محمد‮ ‬،‮ ‬وزوزو ماضي‮ ‬،‮ ‬وزينات صدقي‮ ‬،‮ ‬ومحمود المليجي‮ ‬،‮ ‬وتوفيق الدقن‮ ‬،‮ ‬ومحمد رضا‮ ‬،‮ ‬ومحمد توفيق‮ ‬،‮ ‬والسيد بدير‮ ‬،‮ ‬ونور الدمرداش‮. ‬ونجح إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬إقناع الأستاذ وجيه أباظة بأن‮ ‬يتوسط عند صاحب دار سينما ميامي‮ "‬سولي‮ ‬بيانكو‮" ‬ليحولها إلي‮ ‬مسرح‮ ‬،‮ ‬واستطاع وجيه أباظة إقناع الرجل بقبول إيجار شهري‮ ‬قدره‮ ‬450 ‮ ‬جنيها‮ ‬،‮ ‬وكان هذا مبلغا ضخما بمقاييس تلك المرحلة‮ ‬،‮ ‬وتكلف تأثيث المسرح وتجهيزه مبلغ‮ ‬20 ‮ ‬ألف جنيه‮ (!) ‬،‮ ‬حيث استعان إسماعيل‮ ‬ياسين بمهندس إيطالي‮ ‬متخصص في‮ ‬بناء المسارح المتنقلة‮ ‬،‮ ‬وهو نفس المهندس الذي‮ ‬صمم مسرح البالون في‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬وأصبح لفرقة إسماعيل‮ ‬ياسين مسرح‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬700 ‮ ‬مقعد‮ ‬،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬سبعة بناوير وسبعة ألواج‮ ‬،‮ ‬ورفع الستار في‮ ‬11 ‮ ‬نوفمبر‮ ‬1954 ‮ ‬بمسرحية‮ "‬حبيبي‮ ‬كوكو‮" ‬التي‮ ‬استمر عرضها لمدة‮ ‬80 ‮ ‬ليلة‮ ‬،‮ ‬وهو أيضا زمن قياسي‮ ‬في‮ ‬تلك المرحلة‮ ‬،‮ ‬كما انطلق إسماعيل‮ ‬ياسين بعدها ليقدم العديد من‮  ‬المسرحيات الناجحة منها‮ "‬عروس تحت التمرين‮" ‬،‮ ‬"الست عايزة كده‮" ‬،‮ ‬"من كل بيت حكاية‮" ‬،‮ ‬"جوزي‮ ‬بيختشي‮" ‬،‮ ‬و"خميس الحادي‮ ‬عشر‮" ‬،‮ ‬"راكد المرأة‮" ‬،‮ ‬"أنا عايز مليونير‮" ‬،‮ ‬"سهرة في‮ ‬الكراكون‮" ‬،‮ ‬"عفريت خطيبي‮" ‬،‮ ‬والمدهش أن كل هذه العروض قدمت في‮ ‬الموسم الأول لافتتاح المسرح‮ ‬،‮ ‬وظل مسرح إسماعيل‮ ‬ياسين علي‮ ‬تألقه طوال فترة الخمسينيات‮ ‬،‮ ‬وللأسف تراجع في‮ ‬الستينيات ولم‮ ‬يتح له أن تسجل أعماله المتألقة في‮ ‬التليفزيون‮ ‬،‮ ‬ولا توجد في‮ ‬مكتبة التليفزيون‮  ‬إلا مسرحية واحدة‮. ‬يشاركه البطولة فيها محمود المليجي‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يظهر فيها نجم الكوميديا بما عهدناه من تألق‮.‬
    ‮ ‬ومضت السنوات كان فيها إسماعيل‮ ‬ياسين نموذجا لبطل الكوميديا الذي‮ ‬يتهافت عليه الجميع‮  ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تحالفت عليه الأمراض والمتاعب في‮ ‬عام‮ ‬1960 ‮ ‬فخرج الي‮  ‬لبنان‮  ‬التي‮ ‬اضطر فيها الي‮ ‬تقديم أدوار صغيرة،‮ ‬ثم عاد إلي‮ ‬مصر‮  ‬،‮ ‬ليعمل في‮ ‬أدوار صغيرة أيضاً‮ ‬قبل أن توافيه المنية بأزمة قلبية في‮ ‬مايو‮ ‬1972.

     

    الهامي‮ ‬سمير‮ ‬

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 12:56 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 1574 مره
  • مسرحنا ‮ ‬مرور مئة عام علي‮ ‬ميلاد‮ "‬أبو ضحكة جنان‮"‬
    الكاتب مسرحنا
    ‮            ‬مرور مئة عام علي‮ ‬ميلاد‮

     

    ولد اسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬يوم‮ ‬15 سبتمبر عام‮ ‬1912 بالسويس وفي‮ ‬سن التاسعة توفيت والدته ودخل والده السجن بعد أن صادفه سوء الحظ في‮ ‬تجارته ليجد نفسه وحيداً‮ ‬مضطراً‮ ‬للعمل ليسد جوعه متنقلاً‮ ‬من مهنة إلي‮ ‬أخري‮ ‬لكن ظل الفن هاجسه ومبتغاه حيث انتقل إلي‮ ‬القاهرة في‮ ‬بدايات الثلاثينيات عندما بلغ‮ ‬من العمر‮ ‬17 عاما لكي‮ ‬يبحث عن مشواره الفني‮ ‬كمطرب،‮ ‬فقد اقتنع‮  ‬بعذوبة صوته،‮ ‬فأخذ‮ ‬يحلم بمنافسة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي‮ ‬كان‮ ‬يعشق كل أغنياته إلا أن شكله وخفة ظله حجبا عنه النجاح في‮ ‬الغناء،‮ ‬وفي‮ ‬القاهرة عمل صبيا في‮ ‬أحد المقاهي‮ ‬بشارع محمد علي‮ ‬ثم عاد‮ ‬يفكر مرة ثانية في‮ ‬تحقيق حلمه الفني‮ ‬فذهب إلي‮ ‬بديعة مصابني،‮ ‬بعد أن اكتشفه توأمه الفني‮ ‬وصديق عمره الكاتب الكوميدي‮ ‬أبو السعود الإبياري‮ ‬والذي‮ ‬كون معه ثنائياً‮ ‬فنياً‮ ‬شهيراً‮ ‬وكان شريكاً‮ ‬له في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮ ‬ثم في‮ ‬السينما والمسرح, وهو الذي‮ ‬رشحه لبديعة مصابني‮ ‬لتقوم بتعيينه بفرقتها وبالفعل انضم إلي‮ ‬فرقتها ليلقي‮ ‬المونولوجات في‮ ‬ملهي‮ ‬بديعة مصابني‮.‬
    وقد اقتحم‮ "‬أبو ضحكة جنان عالم الفن من خلال ثلاثة محاور رئيسية‮ ( ‬المونولوج‮ ‬– السينما‮ ‬– المسرح‮) ‬فقد كان فنانا شاملا أعطي‮ ‬لفن المونولوج الكثير من الشهرة والتميز وخفة الظل،‮ ‬أعطي‮ ‬للسينما الكثير من الأفلام التي‮ ‬ستظل شاهدة له بالتفرد في‮ ‬عالم الكوميديا السينمائية،‮ ‬وفي‮ ‬المسرح قدم العديد من المسرحيات التي‮ ‬أسعدت الملايين من البسطاء في‮ ‬مصر والعالم العربي‮.‬
    وكان بارعاً‮ ‬في‮ ‬إلقاء فن المونولوج‮. ‬فقدم أكثر من‮ ‬300 مونولوج ناقش إسماعيل‮ ‬ياسين من خلالها عددا من المشاكل والأفكار المختلفة حيث كان‮. ‬صاحب رؤيه فلسفية تحملها اغانيه ومونولوجاته وتعابير وجهه بل أبعد من ذلك‮  ‬حيث نراه‮ ‬يرصد وينتقد الظواهر الاجتماعية السائدة في‮ ‬ذلك العصر بموضوعيه حينا وبسخريه أحيانا،‮  ‬تحدث حتي‮ ‬عن السعاده فيتساءل في‮ ‬أحد مونولوجاته هل السعادة مطلب مرهون بالمال أو بالغرام؟‮ ‬
    ‮ ‬ويقول في‮ ‬مطلعه‮ (‬قوللي‮ ‬يا صاحب السعادة‮ (‬سعادتك‮!) ‬هو إيه معني‮ ‬السعادة ؟ كلنا عاوزين سعادة‮ ‬,بس إيه هي‮ ‬السعادة؟ ناس قالولي‮ ‬إن السعادة للنفوس حاجة سموها الجنيه‮.. ‬فضلت أجمع وأحوش في‮ ‬الفلوس لحد ما حسيت إني‮ ‬بيه ولا اللي‮ ‬قالولي‮ ‬إن السعادة في‮ ‬الغرام ويا إحسان أو نوال‮.. ‬نظرة ثم ابتسامة وأخوك قوام طب في‮ ‬شرك الجمال‮). ‬كما تناول قضية الفقر ووجوب رضا الإنسان بما قسمه الله له وذلك من خلال أحد مونولوجاته الذي‮ ‬يقول مطلعه‮ ( ‬اللهم افقرني‮ ‬كمان وكمان اللهم اغني‮ ‬عدويني‮) ‬
    وبعد أن ذاع صيت إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬فن إلقاء المونولوج،‮ ‬تشجع كاتب السيناريو فؤاد الجزايرلي‮ ‬عام‮ ‬1939 وأسند له عددا من الأدوار السينمائية،‮ ‬منها أفلام‮ "‬خلف الحبايب‮"‬،‮ "‬علي‮ ‬بابا والأربعين حرامي‮"‬،‮ "‬نور الدين والبحارة الثلاثة‮"‬،‮ "‬القلب له واحد‮"‬،‮ ‬ونجح‮ "‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮" ‬فيما أسند إليه فذاع صيته مرة أخري‮ ‬وازدادت شهرته‮.‬
    في‮ ‬عام‮ ‬1945 جذبت موهبة إسماعيل‮ ‬ياسين انتباه‮ "‬أنور وجدي‮" ‬أنور وجدي‮ ‬فاستعان به في‮ ‬عدد من‮  ‬أفلامه،‮ ‬ثم أنتج له عام‮ ‬1949 ‮ ‬أول بطولة مطلقة في‮ "‬فيلم‮" ‬فيلم‮ ( ‬الناصح‮) ‬أمام الوجه الجديد‮  "‬ماجدة‮" ‬ماجدة‮. ‬ليسطع نجم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬سماء السينما المصرية‮ ‬
    ومع إتمامه الأربعين من عمره عام‮ ‬1952‮ ‬ أصبح إسماعيل‮ ‬ياسين نجم الشباك الأول بلغة إيرادات السينما في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬وذاع صيته ليملأ الدنيا ويصبح صاحب الرقم القياسي‮ ‬في‮ ‬عدد الأفلام لأكثر من‮ ‬400 ‮ ‬فيلم حتي‮ ‬وصل به الأمر في‮ ‬عام‮ ‬1957 ‮ ‬أن‮ ‬يتصدر اسمه‮ ‬18 ‮ ‬أفيشا سينمائيا‮  ‬وتهافتت عليه شركات الإنتاج والمنتجون المستقلون أملا في‮ ‬الحصول علي‮ ‬توقيعه علي‮ ‬عقودها‮.‬
    ‮ ‬وفي‮ ‬تراثه السينمائي‮ ‬تستوقفنا تلك المحطة المتميزة التي‮ ‬كون عندها‮ »‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮« ‬مع الفنانة الشاملة‮ "‬شادية‮" ‬أشهر ثنائيات السينما المصرية حيث قدما معا حوال‮ ‬23 ‮ ‬فيلما كان أولها فيلم‮ "‬كلام الناس‮" ‬عام‮ ‬1949 ‮ ‬وأخرها فيلم‮ "‬الستات ميعرفوش‮ ‬يكدبوا‮" ‬عام‮ ‬1954
       وبداية من عام‮ ‬1955 ‮ ‬كون هو وتوأمه الفني‮  "‬أبو السعود الإبياري‮" ‬مع المخرج‮ "‬فطين عبد الوهاب‮" ‬ثلاثياً‮ ‬من أهم الثلاثيات في‮ ‬تاريخ‮ "‬السينما المصرية‮" ‬حيث قدم له فطين عبدالوهاب سلسلة هي‮ ‬الأشهر في‮ ‬تاريخ السينما منها‮ (‬إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬الأسطول والجيش والبوليس‮) ‬وكان الغرض منها التعريف بالمؤسسات العسكرية للثورة ولم‮ ‬يكن هناك خيرا منه لهذه المهمة التي‮ ‬قبلها عن طيب خاطر رغم ما كبدته من معاناة وجهد حتي‮ ‬عندما تمت الوحدة بين مصر وسوريا انتجت السينما في‮ ‬ذلك الوقت فيلم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬دمشق
    وقد ظهر في‮ ‬جميع أفلامه في‮ ‬صورة الإنسان الطيب المغلوب علي‮ ‬أمره ذي‮ ‬الحظ العاثر في‮ ‬إطار صراع بين الشر والخير‮ ‬ينتهي‮ ‬دائما نهاية سعيدة لصالح الأخير إلي‮ ‬جانب ذلك تناولت أفلامه العديد من المشكلات الاجتماعية التي‮ ‬عالجها بصورة كوميدية خفيفة كمشكلة الحماوات وصعوبات الزواج بسبب الفوارق الطبقية وضيق ذات اليد وقد اعتمد إسماعيل‮ ‬يس في‮ ‬أفلامه علي‮ ‬كوميديا الشخصية حبث كان‮ ‬يمتلك العديد من‮  ‬اللزمات أشهرها‮  ‬السخرية من كبر فمه بالإضافة إلي‮ ‬كوميديا المواقف التي‮ ‬تعتمد علي‮ ‬بناء الحبكة حيث‮ ‬ينشأ الضحك،‮ ‬عادة،‮ ‬من المواقف الهزلية،‮ ‬والمفارقة والأخطاء الكثيرة،‮ ‬والتخفي‮...‬إلخ‮. ‬
    وفي‮ ‬عام‮ ‬1954 ساهم في‮ ‬صياغة تاريخ‮ "‬المسرح‮" ‬الكوميدي‮ ‬المصري‮ ‬وكون فرقة تحمل اسمه بشراكة توأمه الفني‮ ‬وشريك مشواره الفني‮ ‬المؤلف الكبير‮ "‬أبو السعود الإبياري‮" ‬،‮ ‬وظلت هذه الفرقة تعمل علي‮ ‬مدي‮ ‬12 عاما‮ ‬
    وقد قدم خلال هذه الفترة‮ ‬60 مسرحية سجلت جميعها للتليفزيون ولكن أحد الموظفين بالتليفزيون المصري‮ ‬أخطأ وقام بمسحها جميعا،‮ ‬إلا فصلين من مسرحية‮ "‬كل الرجالة كده‮" ‬وفصل واحد من مسرحية أخري،‮ ‬وإن كان من‮ ‬يري‮ ‬أن ذلك المسح تم بشكل متعمد‮. ‬ورغم نجاحه في‮ ‬إعادة تشكيل أفكار المسرح المصري‮ ‬وتغيير نمطه،‮ ‬إلا أن النجاح لم‮ ‬يكن حليفا له في‮ ‬نهاية مشواره الفني‮ ‬خاصة مع بداية الستينيات عندما انحسرت عنه أضواء السينما،‮ ‬وما لبث أن حل فرقته المسرحية عام‮ ‬1966 ‮ ‬بعد وقوعه ضحية للديون،‮ ‬لينتهي‮ ‬أبو ضحكة جنان مثلما بدأ تماما،‮ ‬وحيدا‮ ‬يبحث عن ابتسامة‮  ‬فلا‮ ‬يجدها،‮ ‬ورغم وفاته في‮ ‬24 ‮ ‬مايو‮ ‬1972‮ ‬إلا أن مكانته ستظل محفورة في‮ ‬قلوب الجماهير المصرية والعربية‮. ‬

     

    ‮ ‬د‮: ‬ابراهيم حجاج

    كتب في الإثنين, 08 تشرين1/أكتوير 2012 14:54 في ملف خاص كن أول من يضيف تعليقا! تم قراءة الموضوع 1681 مره
  • المتشائل

     


    عن وقائع إميل حبيبي‮ ‬الغريبة
    في‮ ‬إختفاء سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل‮ ‬    

    الرواية نشرت في‮ ‬سلسلة روايات الهلال العدد‮ ‬474 ‮ ‬يونيو‮ ‬1988
    النص
    البداية
    ‮( ‬سعيد‮ ‬يجلس علي‮ ‬خازوق كبير‮ ‬،‮ ‬ظهره في‮ ‬مواجهة الجماهير‮ ‬،‮ ‬حينما‮ ‬،‮ ‬تُعلن بداية المسرحية سعيد‮ ‬يستدير‮ ‬،‮ ‬الخازوق‮ ‬يشير في‮ ‬تشكيله إلي‮ ‬انجلترا وأمريكا وكل من ساعد علي‮ ‬زرع إسرائيل‮ )‬
    هديء من روعك‮ ‬يا ابن النحس‮ ‬،‮ ‬واجعل أمرك شوري‮ ‬مع عقلك فما الذي‮ ‬وضعك هذا الموضع‮ !!‬
    وهل من المعقول أن تنام في‮ ‬فراشك فتستيقظ فإذا أنت علي‮ ‬خازوق ؟
    تأبي‮ ‬هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق‮ . ‬
    فأنا إذا في‮ ‬حلم لاغير علي‮ ‬الرغم من أنه حلم طويل‮ .‬
    فما بالي‮ ‬أظل قاعدا علي‮ ‬الخازوق‮ .‬
    لاستر ولاظهر ولا أنيس ولا أنزل ؟
    ألا‮ ‬يوجد لي‮ ‬مكان تحت الشمس إلا فوق هذا الخازوق‮ ‬،
    ألا‮ ‬يوجد لديكم خازوق أقصر ارتفاعا أقعد عليه ؟
    ربع خازوق‮ ‬،‮ ‬نصف خازوق‮ ‬،‮ ‬ثلاثة أرباع خازوق‮ ‬
    هذا خازوق في‮ ‬كابوس لامحالة‮ .‬
    كابوس عن خازوق‮ ‬
    فإذا نزلت عن الآخر نفضت الآخر عن صدري‮ ‬فأعود إلي‮ ‬فراشي‮ ‬
    فأتغطي‮ ‬وأتدفأ‮ . ‬فكيف أتردد ؟
    أخوف من أن أهوي‮ ‬من هذا العلو الشاهق إلي‮ ‬قاع الهوة‮ ‬،‮ ‬ولكن موضعي‮ ‬هذا هو موضع الوهم علي‮ ‬خازوق الوهم‮ . ‬هيا أحتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل مافيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة‮ ‬،‮ ‬ثم اهبط عليه وئيدا كالسنجاب‮ .‬
    ‮( ‬يتحسس الخازوق بيديه وقدميه المتدليتين‮ )‬
    أملس مثل جلد الثعبان‮ ‬،‮ ‬بارد مثل بروده
    ‮( ‬صمت مخيف‮ )‬
    لن أقوي‮ ‬علي‮ ‬التشبث بهذا الثعبان‮ ‬،‮ ‬وإذا نزلت عليه فأنا واقع لامحالة في‮ ‬القاع‮ ‬،
    فيدق عنقي‮ ‬فأتوجع فأموت‮ ( ‬يمسك جيدا في‮ ‬الخازوق ـ‮ ‬يتبت فيه ـ‮ )‬
    آه‮ .. ‬واتتني‮ ‬فكرة‮ .. ‬طافت بعقلي‮ .. ‬مرت أمام عيني‮ .. ‬حكاية الساحر الهندي‮ ‬الذي‮ ‬ينصب الحبل فيظل‮ ‬يرتفع في‮ ‬السماء حتي‮ ‬تغيب رأسه في‮ ‬الغيم فيصعد عليه حتي‮ ‬يغيب ثم‮ ‬يعود ويهبط عليه فلا‮ ‬يتأذي‮ ‬بل‮ ‬يسترزق‮ .‬
    ولكن ما أنا بساحر هندي‮ ‬،‮ ‬بل مجرد عربي‮ ‬بقي‮ ‬سحرًا في‮ ‬إسرائيل
    ‮( ‬سعيد‮ ‬يصرخ بأعلي‮ ‬صوته‮ ‬،‮ ‬وأثناء صرخاتة‮ ‬ينزل من أعلي‮ ‬الخازوق إلي‮ ‬الأرض‮)‬
    أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ ‬
    ‮( ‬سعيد‮ ‬ينظر إلي‮ ‬الخازوق في‮ ‬رعب‮ ‬،‮ ‬يتحسس نفسه‮ .. ‬يجلس‮ .. ‬يستند بظهره عليه‮ .. ‬يروي‮ )‬
    الخازوق‮ ‬يا سادة كلنا نجلس عليه‮ ‬،‮ ‬لكن لا أحد منا‮ ‬يري‮ ‬الآخر‮ ‬،‮ ‬كل وخازوقه وحيد،‮ ‬وهذا هو خازوقنا المشترك ـ‮ (‬يشير إلي‮ ‬الخازوق الذي‮ ‬يحمل رمزًا لقوي‮ ‬القهر والطغيان والصهيونية‮ ) ‬لنبدأ من البداية كانت حياتي‮ ‬عجيبة‮ ‬،‮ ‬والحياة العجيبة لاتنتهي‮ ‬إلا بهذه النهاية العجيبة‮.‬
    كانت البداية حين ولدت مرة أخري‮ ‬بفضل حمار،‮ ‬ففي‮ ‬الحوداث كمنوا لنا وأطلقوا الرصاص علينا‮ ‬،‮ ‬فصرعوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه‮ .‬
    أما أنا فوقع بيني‮ ‬وبينهم حمار صائب‮ ‬،‮ ‬فجندلوه فنفق عوضًا عني‮ .‬
    إن حياتي‮ ‬التي‮ ‬عشتها في‮ ‬إسرائيل بعد هي‮ ‬بفضل هذه الدابة المسكينة‮ .‬
    ألم تقرأ عن كلاب لعقت الماء المشبع بالسم‮ ‬،‮ ‬فماتت‮ ‬،‮ ‬لتنبه أسيادها ولتنقذ حياتهم ؟
    وعن الخيول التي‮ ‬فرت بفرسانها الجرحي‮ : ‬تغدو سوابق الريح‮ ‬،‮ ‬فأنفقها الاجهاد بعد أن بلغت بهم مصارف الأمان ؟
    أما أنا فأول إنسان‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬ما أعهد أنقذه حمار محرن لايسابق ريحًا ولا‮ ‬يبغم‮ .‬
    غير أنني‮ ‬أراني‮ ‬أنسانا فذاً‮ ‬
    علمني‮ ‬بحياتك الإنسان الفذ من‮ ‬يكون ؟
    أهو الذي‮ ‬يختلف عن الآخرين ؟
    أم هو الواحد من هؤلاء الأخرين ؟
    فكم من مره التقيت اسمي‮ ‬في‮ ‬أمهات الصحف ؟
    ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في‮ ‬ساحة الحناطير‮ ( ‬باريس حاليا‮ )‬
    يوم انفجار البطيخة ؟ كل عربي‮ ‬ساب في‮ ‬حيفا السفلي‮ ‬علي‮ ‬الأثر حبسوه‮ ‬،‮ ‬من راجل ومن راكب‮ .‬
    وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حبسوا سهوًا‮ ‬،‮ ‬وآخرين‮ ‬
    الآخرون هؤلاء أنا‮ .‬
    الصحف لاتسهو عني‮ ‬فكيف تزعم أنك لاتسمع بي‮ ‬يا محترم ؟
    إني‮ ‬إنسان فذ‮ ‬
    فلا تستطيع صحيفة ذات اطلاع‮ ‬،‮ ‬وذات مصادر‮ ‬،‮ ‬وذات إعلانات‮ ‬،‮ ‬
    وذات ذوات‮ ‬،‮ ‬وذات قرون أن تهملني‮ .‬
    إن معشري‮ ‬يملأون البيدر والدسكرة والمخمرة‮ ‬
    أنا الأخرون‮ .. ‬أنا فذ‮ !‬
    إن اسمي‮ ‬وهو سعيد أبو النحس المتشائل‮ ‬،‮ ‬يطابق رسمي‮ ‬مخلقًا منطقيًا‮ .‬
    وعائلة المتشائل عائلة عريقة نجيبة في‮ ‬بلادنا‮ .. ‬يرجع نسبها إلي‮ ‬جارية قبرصية
    من حلب لم‮ ‬يجد تيمور لنك لرأسها مكانًا في‮ ‬هرم الجماجم المحزوزة‮ ‬،‮ ‬مع أن قاعدته كانت عشرين ألف ذراع وعلوه كان عشر أذرع‮ ‬،‮ ‬فأرسلها مع أحد قواده إلي‮ ‬بغداد لتغتسل فتنتظر عودته‮ .. ‬فاستغفلته‮ .. ( ‬ويقال ـ وهذا سر عائلي‮ ‬ـ إن ذلك كان السبب في‮ ‬المذبحة المشهورة‮ ) ‬وفرت مع أعرابي‮ ‬من عرب القويسات اسمه أبجر‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬قال فيه الشاعر‮ :‬
    يا أبجر بن أبجر‮ ‬يا أنت‮ ‬
    ‮                     ‬أنت الذي‮ ‬طلقت عام جعت
    فطلقها حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي‮ ‬عمرة‮ ‬،‮ ‬من‮ ‬غور الجفتلك‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬طلقها في‮ ‬بير السبع،‮ ‬وظل جدودنا‮ ‬يطلقون جداتنا حتي‮ ‬حطت بنا الرحال في‮ ‬بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر،‮ ‬وقيل أنه عكاءُ‮ ‬،‮ ‬وبقينا مطلاقين حتي‮ ‬قامت الدولة‮.‬
    وبعد النحس الأول‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1948 ‮ ‬تبعثر أولاد عائلتنا‮ ‬،‮ ‬وأستوطنوا جميع بلاد العرب التي‮ ‬لم‮ ‬يجر أحتلالها‮ .‬
    فلي‮ ‬ذو قربي‮ ‬يعملون في‮ ‬بلاد بلاط آل رابع في‮ ‬ديوان الترجمة من الفارسية وإليها‮ ‬،
    وواحد تخصص بإشعال السجائر لعاهل آخر‮ ‬،‮ ‬وكان منا نقيب في‮ ‬سوريا‮ ‬،‮ ‬ومهيب في‮ ‬العراق‮ ‬،‮ ‬وعماد في‮ ‬لبنان‮ . ‬إلا أنه مات بالسكتة‮ ‬يوم إفلاس بنك أنترا
    وأول عربي‮ ‬عينته حكومة إسرائيل رئيسا علي‮ ‬لجنة تسويق العلت والخبيزة في‮ ‬الجليل الأعلي‮ ‬هو من ابناء عائلتنا‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أن والدته كما‮ ‬يقال هي‮ ‬شركسية مطلقة‮ ‬
    ومازال عبثا‮ ‬يطالب بالجليل الأدني‮ ‬،‮ ‬ووالدي‮ ‬رحمه الله كان له أياد علي‮ ‬الدولة قبل قيامها‮ .‬
    ولما أستشهد والدي‮ ‬علي‮ ‬قارعة الطريق وانقذني‮ ‬الحمار ركبنا البحر إلي‮ ‬عكا‮ ‬،‮ ‬فلما وجدنا أن لاخطر علينا وأن الناس لاهون بجلودهم‮ ‬،‮ ‬نجونا بجلودنا إلي‮ ‬لبنان حيث بعناها واسترزقنا‮ ‬
    هذه هي‮ ‬شيمة عائلتنا ولذلك سميت بعائلة المتشائل‮ ‬
    فالمتسائل‮: ‬نحت كلمتين اختلطتا علي‮ ‬جميع أفراد عائلتنا منذ مطلقتنا القبرصية الأولي‮ . ‬وهاتان الكلمتان هما المتشائم والمتفائل‮ .‬
    خذني‮ ‬أنا مثلا فإنني‮ ‬لاأميز التشاؤم عن التفاؤل فأسال نفسي‮ : ‬من أنا‮ ‬،‮ ‬أمتشائم أنا أم متفائل ؟
    أقوم في‮ ‬الصباح من نومي‮ ‬فأحمده علي‮ ‬أنه لم‮ ‬يقبضني‮ ‬في‮ ‬المنام‮ ‬،‮ ‬فإذا أصابني‮ ‬مكروه في‮ ‬يومي‮ ‬أحمده علي‮ ‬أن الأكره منه لم‮ ‬يقع‮ .. ‬فأيهما أنا‮ ‬،‮ ‬المتشائم أم المتفائل‮ ‬
    ووالدتي‮ ‬من عائلة المتشائل أيضا‮ ‬،‮ ‬وكان أخي‮ ‬البكر‮ ‬يعمل في‮ ‬ميناء حيفا‮ ‬،‮ ‬فهبت عاصفة اقتلعت الونش الذي‮ ‬كان‮ ‬يقوده وألقته معه في‮ ‬البحر فوق الصخور‮ ‬،‮ ‬فلموه وأعادوه إلينا إربًا إربًا‮ ‬،‮ ‬لارأس ولا أحشاء‮ ‬،‮ ‬وكان عروسًا ابن شهر‮.‬
    فقعدت عروسه تولول وتندب حظها‮ . ‬وقعدت والدتي‮ ‬تبكي‮ ‬معها صمتًا‮ .‬
    ثم إذ بوالدتي‮ ‬تستشيط وتضرب كفًا بكف وتبح قائلة‮ : ‬
    ‮( ‬مليح أن صار هكذا وما صار‮ ‬غير شكل‮ )‬
    فما ذهل أحد سوي‮ ‬العروس التي‮ ‬لم تكن من العائلة فلا تعي‮ ‬الحكم‮ ‬،‮ ‬ففقدت رشدها وأخذت تقول في‮ ‬وجه والدتي‮ : ‬ماله شكل‮ ‬ياعجوز النحس‮ (‬هذا اسم والدي‮ ‬رحمه الله‮)‬
    أي‮ ‬شييء بعد هذا‮ ‬يكون أسوأ منه ؟
    ولم‮ ‬يرق والدتي‮ ‬نزق الشباب‮ . ‬فأجابتها بهدوء‮ ‬،‮ ‬وكأنها تقرأ في‮ ‬المنديل‮ :     ‬
    أي‮ ‬تخطفي‮ ‬في‮ ‬حياتي‮ ‬يا بنية
    ‮ ‬أي‮ ‬تهربي‮ ‬مع رجل آخر‮ .‬
    والحقيقه أنها هربت بعد سنتين مع رجل آخر‮ .‬
    فلما سمعت الوالدة‮ ‬،‮ ‬رددت لازمتها‮ : ‬فلماذا لانحمده ؟
    فأيهم نحن‮ ‬،‮ ‬المتشائمون أم المتفائلون ؟
    صبرًا‮ .. ‬صبرًا‮ ‬،‮ ‬ولاتتسائل‮ : ‬من هو سعيد أبو النحس المتشائل هذا ؟
    لم‮ ‬ينبه في‮ ‬حياته فكيف ننبه له ؟
    عكا هي‮ ‬مدرستي‮ ‬الثانوية ويعاد هي‮ ‬حبي‮ ‬الأول‮ . ‬وفي‮ ‬القطار التقينا وصاحبتي‮ ‬
    ‮( ‬يعاد الحيفاوية‮ ) ‬التي‮ ‬كانت مثلنا تتأبط مزودتها وتتعلم في‮ ‬مدرسة البنات العكية‮ ‬،‮ ‬وتعود معنا‮ ‬،‮ ‬إلا أنها كانت تنزوي‮ ‬في‮ ‬باب المقصورة المشقوق‮ ‬،‮ ‬فعلقتها‮ .‬
    فنادتني‮ ‬ذات صباح أن أفسر لها كلمة بالإنجليزية‮ . ‬فلما عجزت عنها فسرتها لي‮ ‬وقالت‮ : ‬أقعد فصرت‮ . ‬أقعد معها في‮ ‬الذهاب والعودة فأحببتها حبا جما‮ . ‬فقالت إنها أحبتني‮ ‬لأنني‮ ‬خفيف الظل وضحكتي‮ ‬عالية‮ .‬
    ولكن‮ ‬غيرة زميل من زملائي‮ ‬جعلتني‮ ‬أبكي‮ ‬بدون صوت‮ ‬،‮ ‬فقد وشي‮ ‬بي‮ ‬إلي‮ ‬مدير مدرستها‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أحال كتابه إلي‮ ‬مدير مدرستنا‮ ‬،‮ ‬فاستدعي‮ ‬جميع طلاب حيفا القطاريين وهاج وماج ثم قال‮: ‬حيفا عكا بحر‮ ‬،‮ ‬بينهما بحر مايجوز في‮ ‬حيفا لايجوز في‮ ‬عكا‮ . ‬هذه مدينة محافظة منذ أيام صلاح الدين‮.‬
    فتذكرت المغفور له الرحالة أبا الحسن محمد ابن أحمد بن جبير الكناني‮ ‬،‮ ‬الأندلسي‮ ‬،‮ ‬الشاطبي‮ ‬،‮ ‬البلنسي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬بات ليلتين في‮ ‬خان عكاوي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬زمن صلاح الدين‮ ‬،‮ ‬فكتب عنها أنها‮ ( ‬تستعر كفرًا وطغيانا‮ ) ‬وأنها‮ ( ‬مملوءة كلها رحبسًا وعذره‮ ).‬
    وكان جدي‮ ‬لأبي‮ ‬رحمهما الله‮ ‬،‮ ‬الذي‮  ( ‬خطفت‮ ) ‬امرأته الأولي‮ ‬يعلمنا منذ الصغر قائلا‮ : ‬فعلت ذلك لأنها من عكاء‮ ( ‬وكان‮ ‬يمطها توكيدا‮ ) ‬فتنطحت للمدير وصحت في‮ ‬وجهه همسًا‮ : ‬ولكنها ليست من عكاء‮ .‬
    فطردنا من مكتبه‮ ‬،‮ ‬وكتب إلي‮ ‬أهلها‮ ‬،‮ ‬فأرسلوا من ضربني‮ ‬في‮ ‬المحطة‮ ‬،‮ ‬فازددت هيامًا بها‮ ‬،‮ ‬فضربت زميلي‮ ‬الذي‮ ‬وشي‮ ‬بنا‮. ‬وأما‮ ‬يعاد التي‮ ‬لم تعد إلي‮ ‬القطار منذ كتاب المدير إلي‮ ‬أهلها فلم أعثر لها علي‮ ‬أثر‮ ‬،‮ ‬ولكن قلبي‮ ‬ظل مجروحا بحبها‮. ‬من الضروري‮ ‬أن أعرفكم‮ ‬يا سادة بخصلة أخري‮ ‬أصيلة من خصال عائلتنا العريقة،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬التساؤل وإلي‮ ‬أننا مطلاقون‮ .‬
    كان والدي‮ ‬حين أستشهد أخي‮ ‬،‮ ‬يستشف الأرض تحته فلم‮ ‬يكشف الكمين الذي‮ ‬كمن له وأودي‮ ‬بحياته‮.‬
    ووالده من قبله شجَ‮ ‬رأسه بحجر الطاحون لأنه كان‮ ‬ينظر في‮ ‬الأرض بين قدميه فلم‮ ‬يقم بعدها‮ .‬
    فهذه شيمة عائلتنا‮ ‬،‮ ‬نظل نبحث تحت أقدامنا عن مال سقط سهوًا من صرة عابر سبيل‮ ‬يبدل حياتنا الرتيبة تبديلاً‮ ‬وثق‮ ‬يا محترم بأنه ما من عجوز في‮ ‬طول بلاد العرب وعرضها‮ ‬،‮ ‬يسبق رأسها بقية جسمها‮ ‬،‮ ‬وتدب مقوسة مثل رقم‮ ‬8 ‮ ‬إلا ولها صلة قربي‮ ‬بنا‮ .‬
    أما أنا فقررت ألا أموت مقوس الظهر كأسلافي،‮  ‬فمنذ نعومة أظفاري‮ ‬أقلعت عن البحث بين قدمي‮ ‬عن كنز للخلاص‮ ‬،‮ ‬بل رحت أبحث عنه فيما فوق‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬هذا الفضاء الذي‮ ‬لا نهاية له‮ . ‬
    كان من سبقنا‮ ‬يبني‮ ‬فوق من سبقهم‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬جاء جيل الأثريين‮ ‬يحفرون من تحت ويهدمون من فوق‮ ‬،‮ ‬فإذا صرنا علي‮ ‬هذا المنوال سنبلغ‮ ‬الدناصير‮ ‬،‮ ‬فقد قيض لنا ونحن في‮ ‬المدرسة الابتدائية أستاذ مغضوب عليه مولع بعلم الفلك حكي‮ ‬لنا حكايات العباس بن فرناس وجول فيرن‮ ‬،‮ ‬وتعصب للفلكيين العرب القدماء‮ ‬،‮ ‬من ابن رشد الذي‮ ‬كان أول من درس بقع الشمس حتي‮ ‬البتاني‮ ‬الحراني‮ ‬الذي‮ ‬أول من استنتج أن معادلة الزمن تتغير تغيرا بطيئا مع مر الأجيال‮ .‬
    فقد كان العرب حين‮ ‬يفكرون أسرع حركة حتي‮ ‬من دوران الأرض حول شمسها‮ ‬،‮ ‬فأصبحوا الآن‮ ‬يتخلون عن ملكة التفكير لغيرهم‮ .‬
    كان العرب حين‮ ‬يفكرون‮ ‬يعملون ثم‮ ‬يحلمون لاكما‮ ‬يفعلون الآن‮ ‬يحلمون ثم‮ ‬يظلون‮ ‬يحلمون‮. ‬ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم بأن‮ ‬يذكرني‮ ‬التاريخ حين‮ ‬يذكر الأقدمين‮. ‬وبقيت أحلم علي‮ ‬هذا المنوال حتي‮ ‬جندلوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه وقامت دولة إسرائيل حين أيقنت أنني‮ ‬مهم‮ ‬،‮ ‬تشجعت وذهبت عصرًا بالباص إلي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬شاطيء البحر تحت منارة اللاتين‮ ‬،‮ ‬حيث كان والدي‮ ‬رحمة الله قد شيد لنا بيتا بعرق جبين أخي‮ ‬الذي‮ ‬مزقه الونش إربًا‮ ‬،‮ ‬ولم أخبر أحدًا بنيتي‮ ‬علي‮ ‬هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬فلما عبرت خط السكة الحديد‮ ‬،‮ ‬وترحمت علي‮ ‬شاعرنا مطلق عبد الخالق الذي‮ ‬دهمه القطار وهو‮ ‬يعبر الخط من هذا المكان‮ ‬،‮ ‬تذكرت كلمة نوح إبراهيم‮ (‬الدين لله والوطن للجميع‮) ‬فأسرعت إلي‮ ‬خالتي‮ ‬أم أسعد التي‮ ‬تكنس كنيسة الكاثوليك منذ طفولتنا فوجدتها تكنس الحوش في‮ ‬المكان الذي‮ ‬تركناها فيه فقلت في‮ ‬نفسي‮  : ‬الحمد لله أن شيئا لم‮ ‬يتغير‮ ‬،‮ ‬ولامكنسة أم أسعد المصنوعة من عيدان العليق‮ ‬،‮ ‬وانحنيت علي‮ ‬يدها أقبلها فصاحت‮ : ‬أنا محصية‮ ‬يا خواجه‮ ! ‬لفظتها‮ " ‬محصية‮ " ‬كما‮ ‬يلفظها العسكر وأسرعت إلي‮ ‬غرفتها وأنا وراءها لا أفهم شيئًا‮ ‬،‮ ‬وقامت إلي‮ ‬أيقونة ستنا مريم المعلقة فوق فراشها المرتب فأزاحتها‮ ‬،‮ ‬فإذا بكوة في‮ ‬الجدار أخرجت منها صرة من قماش أبيض‮ ‬،‮ ‬فكتها مديرة بظهرها لنا حرصًا علي‮ ‬ما في‮ ‬الصرة‮ ‬،‮ ‬وكانت تردد‮ ‬ياعذرا هذي‮ ‬مصاري‮ ‬الجهاز‮ !! ‬ثم مدت‮ ‬يدها بقسيمة الإحصاء‮ ‬،‮ ‬المطوية بعناية وصاحت بصوتها الضعيف‮ : ‬أنا محصية وفي‮ ‬رعاية سيدنا المطران‮ . ‬فماذا تريد مني‮ ‬يا خواجه ؟
    فصحت بها‮ : ‬أنا سعيد‮ ‬يا خالتي‮ ‬فكيف تنسين ؟
    قالت‮ : ‬من سعيد ؟
    قلت‮  : ‬الطيراوي‮ ‬ــ ففي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬يظنون كل قروي‮ ‬أنه من الطيره ـ
    فدارت علي‮ ‬نفسها عدة دورات‮ .. ‬فأخذتها بين‮ ‬يدي‮ .. ‬وجلسنا علي‮ ‬الديوان وهي‮ ‬تسألني‮ ‬عن والدتي‮ ‬وعن أختي‮ ‬وعن لبن الطيره الذي‮ ‬يصلح لشيخ المحشي‮ ‬
    قلت‮  : ‬وبيتنا ؟
    قالت‮ : ‬سكنوه‮ !‬
    قلت‮  : ‬فهل تعرفينهم ؟
    قالت‮ : ‬أنت تري‮ ‬ياولدي‮ ‬كيف خبا سراجي‮ ‬،‮ ‬وكل الخواجات خواجات ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يصطاد سمكًا‮ .‬
    قلت‮  : ‬فهل‮ ‬يستقبلوني‮ ‬إذا زرت بيتنا‮ ‬
    قالت‮ : ‬علمي‮ ‬علمك‮ ‬يا ولدي‮ ‬،‮ ‬ورسمت علي‮ ‬صدرها إشارة الصليب فودعتها وقد أثارت هذه الإشارة هواجسي‮ ‬فلما مررت من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬ورأيت هناك‮ ‬غسيلا منشورًا خانتني‮ ‬شجاعتي‮ ‬فتظاهرت بأنني‮ ‬جئت أتنزه علي‮ ‬شاطيء البحر‮ ‬،‮ ‬وأخذت أذهب وأعود من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة أهم بأن أطرق الباب فتخونني‮ ‬شجاعتي‮ .‬
    حتي‮ ‬أمسي‮ ‬المساء فخرجت امرأة تلم الغسيل‮ ‬،‮ ‬فنظرت نحوي‮ ‬ثم هتفت بأمر‮ ‬،‮ ‬فأسرعت مبتعدًا‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬رأيت رجلاً‮ ‬في‮ ‬مثل سنها‮ ‬يخرج ويجمع معها الغسيل‮ ‬،‮ ‬قلت في‮ ‬نفسي‮ ‬هذه خدعة‮ .. ‬فكيف‮ ‬يجمع رجل‮ ‬غسيل بيته ؟
    هذه فعلة لم‮ ‬يفعلها أبدًا والدي‮ ‬رحمة الله‮ ‬،‮ ‬مع أنني‮ ‬لا أذكر والدتي‮ ‬إلاعاجزة وكثيرة الهم فازددت سرعة حتي‮ ‬أصبحت في‮ ‬الشارع الرئيسي‮ ‬،‮ ‬أمام فيلات موظفي‮ ‬حيفا العرب الذين بنوها ورحلوا إلي‮ ‬لبنان‮ ‬،‮ ‬ليبنوا‮ ‬غيرها وليرحلوا‮ .‬
    وكان الظلام قد أطبق‮ ‬،‮ ‬وكنت تعبًا وخائفًا من هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬والطريق طويل‮ .‬
    وكان‮ ‬يمر بين الفينة والفينة عامل‮ ‬يهودي‮ ‬،‮ ‬عرفت ذلك من ثياب العمل التي‮ ‬كانت عليهم‮ . ‬وكانوا جميعهم متوسطي‮ ‬العمر‮ . ‬فالشباب والشابات في‮ ‬الجيش‮ .‬
    ولم أكن أحمل ساعة فاحتجت إلي‮ ‬معرفة الوقت لعل الباص‮ ‬يمر‮ .‬
    فبأية لغة أسأل هؤلاء الناس عن الوقت ؟
    فإذا سألتهم بالعربيه كشفوا أمري‮ ‬
    فبالإنجليزية أثرت شكوكهم‮ ‬
    فرحت أستعيد ما أذكره من كلمات عبرية حتي‮ ‬تبادر إلي‮ ‬ذهني‮ ‬أن السؤال عن الوقت بالعبرية هو‮ : (‬ماشاعاه‮) ‬،‮ ‬والذي‮ ‬وجهته‮ ‬يومًا إلي‮ ‬فتاة قرب سينما أرمون‮ ‬،
    فتشتمت عورة أمي‮ ‬بالعربية الفصحي‮ .‬
    فلما أقبل أحد هؤلاء العمال نحوي‮ ‬أطلقتها‮ ( ‬ماشاعاه‮ ) ‬؟
    فتريث ثم هش قي‮ ‬وجهي‮ ‬،‮ ‬ثم كشف عن رسغه‮ ‬،‮ ‬ثم صاح‮ ( ‬أخت‮ ) ‬فلم أكن كسولا فتذكرت أن‮ (‬أخت‮) ‬هذه هي‮ ‬ثمان بالألمانية‮ ‬،‮ ‬فترحمت علي‮ ‬جارنا خريج شنلر‮ ‬،‮ ‬وعدت مطمئنا إلي‮ ‬وادي‮ ‬النسناس مشيًا علي‮ ‬الأقدام وأنا مزمع علي‮ ‬تعلم اللغة العبرية‮ .‬
    وفيما بعد تذكرت فيما كنا تعلمناه في‮ ‬المدرسة عن فك رموز الهيروغليفية‮ ‬،‮ ‬فأخذت أقرأ أسماء الدكاكين بالإنجليزية‮ ‬،‮ ‬فأقارن الحرف الإنجليزي‮ ‬بقرينه العبري‮ ‬علي‮ ‬لوحة الدكان حتي‮ ‬فككت الحرف،‮ ‬فتابعته في‮ ‬الجريدة العبرية وتكلمتها أسرع مما قرأتها‮ ‬،‮ ‬وأخذني‮ ‬الآمر عشر سنين حتي‮ ‬ألقيت أول خطاب تحية باللغة العبرية‮ ‬،‮ ‬وكان أمام رئيس بلدية حيفا فسجلها في‮ ‬صحيفتة سابقة‮ .‬
    أما العجيب في‮ ‬الأمر الآن فهو أن صباني‮ ‬نابلس‮ ‬،‮ ‬بعد ربع قرن من هذا الكلام‮ ‬،‮ ‬أتقنوا اللغة العبرية في‮ ‬أقل من سنتين‮ ‬،‮ ‬ولما تحول أحدهم إلي‮ ‬صناعة الرخام علق علي‮ ‬مدخل جبل النار لافتة بالخط الكوفي‮ ‬المقروء جيدًا عن مصنع‮  "‬الشايش‮" ‬الحديث لصاحبه مسعود ابن هاشم ابن أبي‮ ‬طالب العباسي‮ .‬
    ‮"‬والشايش‮" ‬هو الرخام بالعبرية فليست الحاجة هي‮ ‬أم الإختراع فقط بل أيضا مصلحة كبار القوم هي‮ ‬التي‮ ‬أرخصت أمهاتهم فقالوا‮ : ‬الذي‮ ‬يتزوج أمي‮ ‬هو عمي‮ !‬
    ومن مصالحهم أيضا أن‮ ‬يحولوا بينهم وبين ملكهم‮ ‬
    ولكن الأمر لم‮ ‬يقف عند هذا الحد‮ . ‬فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي‮ ‬
    باللغة العبرية حتي‮ ‬أقنعت نفسي‮ ‬أن هذه الدولة ليست بنت معيشة فلماذا لا أحفظ خط الرجعة ؟
    فقلت‮ : ‬مالي‮ ‬غير المحامي‮ ‬عصام الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وصديق ابن عم الوزير الأردني‮ ‬،‮ ‬وأخيه الروح بالروح‮ ‬،وقد حول بيته الكبير في‮ ‬شارع عباس إلي‮ ‬صومعة‮ ‬ينفث منها اللهب كلما زاره صحفي‮ ‬أجنبي‮ ‬
    حتي‮ ‬الشيوعيين الذين اعتبرهم وزير الأقليات أخطر طابور خامس في‮ ‬عقر الدولة‮ ‬،‮ ‬أعتبرهم ابن الوزير الأردني‮ ‬مارقين علي‮ ‬العروبة وعلي‮ ‬دينها‮ ‬،‮ ‬وكان لا‮ ‬يعترف بهم ـ بالدولة وبصحفها ـ فيرفض أن‮ ‬يقابل من رجال الصحافه سوي‮ ‬الأجانب‮ . ‬فلا تظهر تصريحاته إلا في‮ ‬التايمزين ـ تايمز لندن‮ ‬،‮ ‬وتايمز نيويورك‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أمهات الصحف في‮ ‬بلاد العرب‮ ‬،‮ ‬من النيل إلي‮ ‬بردي‮ .‬
    ونحن زعماء العمال في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬أخرجنا صفير التعجب من شفاهنا المزمومة علي‮ ‬وقاحته القومية حين سمعنا أنه رفض تعليم ابنه في‮ ‬الجامعة العبرية في‮ ‬القدس‮ ‬،‮ ‬بل بعثة إلي‮ ‬كمبردج ـ إلي‮ ‬كمبردج‮ !‬
    وعدنا نذم شفاهنا في‮ ‬صفير الدهشة‮ ‬
    فلما أرخي‮ ‬الليل سدولة تسترت به وطرقت بابه فتوقفت قرقعة أحجار النرد‮ ‬،‮ ‬وفتح لي‮ ‬وهو‮ ‬يخشخش بالزهر‮ .‬
    فمسيت عليه‮ ‬،‮ ‬فأدهشته الزيارة‮ ‬،‮ ‬فلما رأيت أحد زملائي‮ ‬من زعماء اتحاد عمال فلسطين عنده وكان‮ ‬يلاعبة وقدهم بالخروج حين دخلت لم أخف دهشتي‮ .‬
    فحياني‮ ‬وقال‮ : ‬جاري‮ ‬
    فتنحنحت علي‮ ‬سبيل الموافقة‮ ‬،‮ ‬وبقيت أتنحنح حتي‮ ‬خرج‮ ‬
    ولما أنتهيت من أعداد ما لابن العم الوزير الأردني‮ ‬من مناقب‮ ‬،‮ ‬ولما انتهي‮ ‬الباذنجاني‮ ‬من التحسر علي‮ ‬مصيري‮ ‬الأسود‮ ‬،‮ ‬ومن الوعد بالعفو عند المقدرة‮ ‬،‮ ‬سردت علي‮ ‬مسامعه ما وقع في‮ ‬مغامرتي‮ ‬،‮ ‬وما وقع في‮ ‬رأسي‮ ‬من نتائج‮ .‬
    باركني‮ ‬وقال‮ : ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬
    ولكنه لم‮ ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬فما أن وطأت قدماي‮ ‬عتبة النادي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬صباح اليوم التالي‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أستدعاني‮ ‬يعقوب إلي‮ ‬غرفته فإذا وراء مكتبه رجل ربعه‮ ‬،‮ ‬وضع فوق عينيه نظارة سوداء وأسدل الستائر‮ ‬،‮ ‬فقلت هذا ضرير وأقبلت عليه‮ ‬،‮ ‬وأخذت‮ ‬يده في‮ ‬يدي‮ ‬مسلما حتي‮ ‬لا أحرجه في‮ ‬عماه فزجرني‮ ‬يعقوب وصاح‮: ‬تأدب‮ !!‬
    فوقفت متأدبا‮ .‬
    فقال‮ ‬يعقوب‮ : ‬هذا رجل كبير‮ ‬،‮ ‬وجاء‮ ‬يحدثك علي‮ ‬أنفراد‮ ‬،‮ ‬فلا تخف عنه شيئا وتركنا لوحدنا‮ ‬،‮ ‬فما أن أطبق علينا الباب حتي‮ ‬انتفض الرجل الكبير واقفا فلم‮ ‬يزد طولة سوي‮ ‬شبر‮ .‬
    وصاح إننا نعرف أين كنت أول أمس‮ !‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬إذ لم‮ ‬يكن هذا ضريرًا فأنه أطرش‮ ‬،‮ ‬فاقتربت من أذنه وصحت‮ :‬
    ــ أردت أن أستنشق هواء البحر‮ ‬،‮ ‬ممنوع ؟
    فلطمني‮ ‬فلم‮ ‬يخطيء الهدف‮ .‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬لا أطرش ولا ضرير بل هو رجل كبير حقًا‮ ‬
    فتصاغرت له وقلت‮ : ‬اسأل عني‮ ‬
    فصاح‮ : ‬أم أسعد‮ ‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬حتي‮ ‬أنت‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬
    فصاح‮ : " ‬أخت‮ " ‬ولفظها ألمانية فصحي‮ ‬
    فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬مابقي‮ ‬إلا أن‮ ‬يسألني‮ ‬عن ليلتي‮ ‬السوداء في‮ ‬بيت الباذنجاني‮ ‬
    فصاح‮ : ‬النرد‮ ‬
    فارتميت علي‮ ‬الكرسي‮ ‬،‮ ‬ووضعت رأسي‮ ‬بين راحتي‮ ‬وأنا أهتز‮ ‬يمينًا وشمالاً‮ ‬مثلما عودتنا الوالدة‮ ‬،‮ ‬ثم وجدتني‮ ‬أقول فيما‮ ‬يشبه العويل‮ : ‬والله العظيم لا أعرف عن ابن عمي‮ ‬الوزير الأردني‮ ‬غير اسمه فصاح في‮:‬
    ـ هل هو ابن عمك لزمًا ؟
    قلت ـ والله العظيم لا‮ .‬
    عاجلني‮ ‬ـ لماذا ؟
    فتحيرت كيف أرد علي‮ ‬سؤاله هذا‮ ‬،‮ ‬ولكنه كان قد هدأ‮ ‬،‮ ‬وقام إلي‮ ‬،‮ ‬وربت علي‮ ‬كتفي‮ ‬أبويًا وقال‮ :‬
    ليكن هذا درسا لك‮ ‬،‮ ‬ولتعلم أن لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك‮ ‬،
    حتي‮ ‬ماتهمس به أضغاث أحلامك‮ ‬،‮ ‬وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل مايدور في‮ ‬هذه الدولة وخارجها‮ ‬،‮ ‬فلا تعد إليها مرة ثانية‮ .‬
    ولكنني‮ ‬ظللت أهتز‮ ‬يمينا وشمالاً‮ ‬لايخرج من فمي‮ ‬غير‮ :‬
    أنا تيس‮ .. ‬أنا تيس‮ !!‬
    حتي‮ ‬خرج بعد أن أنزل نظارتة السوداء عن عينيه‮ ‬،‮ ‬فرحت أترحم بصوت عالٍ‮ ‬علي‮ ‬والدي‮ ‬الذي‮ ‬كان أول من أدرك هذه الحقيقة عني‮ .‬
    فالله‮ ‬يستر عرضك‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬،‮ ‬ويستر عرضك‮ ‬يا‮ " ‬أخت‮ " ‬ووالله العظيم أستطيع أن أذهب آني‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬وأستطيع أن أفكر بما شئت‮ ‬،‮ ‬
    ولكنني‮ ‬كنت تيسا حين طرقت باب الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وكان والدي‮ ‬رحمه الله محقًا‮ ‬،‮ ‬كان دائما‮ ‬يغلبني‮ ‬في‮ ‬رقعة النرد حتي‮ ‬إذا قلت له‮ : ‬أنت‮ ‬غلاب بها‮ ‬يا أبي‮ ‬
    قال‮ : ‬لا‮ ‬يا بني‮  ‬إن كل أصحابي‮ ‬يغلبونني‮ ‬ولكنك تيس‮ !‬
    ولما قررت أن لا أبقي‮ ‬تيسًا‮ ‬،‮ ‬لم أخبر الرجل الكبير برأيي‮ ‬في‮ ‬جهازه الحديث وتذكرت فجري‮ ‬الموعود في‮ ‬مدينتي‮ ‬حيفا الحبيبة‮ ‬،‮ ‬فاشتدت علي‮ ‬الهواجس‮ ‬،‮ ‬وخرقت كلمات ذي‮ ‬المهابة أذني‮ ‬حينما قلت له‮ : ‬انصحني‮ ‬
    قال ـ لن تجديك نصيحتي‮ ‬إلا أنني‮ "‬سمعت في‮ ‬بلاد فارس حكاية عن فأس ليس فيها عود ألقيت بين الشجر‮ . ‬فقال الشجر لبعض ما ألقيت هنا هذه لخير‮ ‬،‮ ‬فقالت شجرة عادية‮ : ‬إن لم‮ ‬يدخل في‮ ‬أست هذه عود منكن فلا تخفنها‮"‬،‮ ‬إذهب فهذه الحكاية لا تصلح للعود‮ ‬،‮ ‬قلت‮ ‬
    ـ فهل أستطيع‮ ‬يا ذا المهابة أن ألقاك مرة ثانية‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ‬
    ـ متي‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬تعال إلي‮ ‬هذه الديا ميس‮ ‬،‮ ‬قلت‮ : ‬
    ـ في‮ ‬أية ساعة‮ ‬يا ذا المهابة‮ ‬،‮ ‬قال‮ :‬
    ـ حين تخور‮ ‬
    قالها واختفي‮ ‬فبقيت وحدي‮ ‬أتخلل في‮ ‬الدياميس وأهيم في‮ ‬ديماس حتي‮ ‬أتعثر بآخر لكي‮ ‬أزور صاحبي‮ ‬في‮ ‬دياميس عكا‮ ‬،‮ ‬فإني‮ ‬محتاج إليه‮ ‬،‮ ‬فبالغت في‮ ‬الخضوع لرؤسائي‮ ‬طوال الأسبوع‮ ‬،‮ ‬وقد قر قراري‮ ‬أن أفعلها وأن أتسلل إلي‮ ‬عكا‮ ‬يوم السبت‮ .. ‬وهو‮ ‬يوم عطلتنا وكان السبت الذي‮ ‬وقع الاختيار عليه‮ ‬،‮ ‬هو اليوم الحادي‮ ‬عشر من آخر شهر في‮ ‬سنه‮ ‬1948 ‮ ‬ذات الكف العفريتية‮ ‬،‮ ‬فأنا لا أنسي‮ ‬هذا التاريخ الذي‮ ‬أصبحت فيما بعد أؤرخ به حياتي‮ ‬ما قبل وما بعد في‮ ‬مساء الجمعة‮ ‬،‮ ‬عشية السبت‮ ‬،‮ ‬كنت منزويا في‮ ‬داري‮ ‬أجمع شتات أفكاري‮ ‬علي‮ ‬أسلم طريق أختاره في‮ ‬تسللي‮ ‬إلي‮ ‬عكا صبيحة الغد‮ ‬،‮ ‬وكنت أطفات النور وآويت إلي‮ ‬فراشي‮ ‬مبكرًا حتي‮ ‬لا تزورني‮ ‬جارتنا الأرمينية العانس التي‮ ‬ماكانت تطيب لي‮ ‬إلا حين نشرب حتي‮ ‬نثمل‮ .‬
    أنا حتي‮ ‬أحسبها صغيرتي‮ ‬يعاد‮ ‬
    وهي‮ ‬حتي‮ ‬تحسبني‮ ‬كبيرها سركيس‮ ‬
    وكان من عادتها أن تنشط نشوتها بالتمتمة الإنجليزيه من كلارك جيبل وشارل بواييه وأشبا ههما‮ .. ‬فلبستني‮ ‬آفتها‮ ‬،‮ ‬فصرت أتمتم مثلها بما‮ ‬يقال وبما لا‮ ‬يقال‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أنني‮ ‬لعنت في‮ ‬اليوم السابق الباذنجان وكل من‮ ‬يستطيبه فقامت‮ ‬غاضبة دفاعًا عن الباذنجان‮ ‬
    المحشو بالبرغل واللحم فما احتبست‮ .‬
    لذلك قررت من باب اليقظة‮ ‬،‮ ‬ألا أفتح لها الليلة الباب‮ ‬،‮ ‬وأنا في‮ ‬هذه الهواجس ومثلها‮ ‬
    إذ بطرق علي‮ ‬الباب قلت‮ : ‬جاءت‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬لن أفتح لها ولن أعتذر عما بدر مني‮ ‬في‮ ‬حق الباذنجان‮ . ‬فعاد الطارق‮ ‬يطرق فراودتني‮ ‬النفس الأمارة‮ ‬،‮ ‬فقلت أفتح لها ولا أتمتم‮ .. ‬هي‮ ‬مسكينة وأنا مسكين‮ . ‬وفتحت الباب فإذا أمامي‮ ‬امرأة وسط‮ ‬،‮ ‬ذابلة السحنة وخضراء العينين تسألني‮ ‬في‮ ‬استحياء ورجفة‮ : ‬سعيد ؟؟
    فأخذتني‮ ‬المفاجأة‮ ‬،‮ ‬فانعقد لساني‮ ‬وأنا أنظرفي‮ ‬عينيها الخضراويين وأطلب من نفسي‮ ‬ملحًا أن أتذكر هذا الوجه الذابل‮ ‬،‮ ‬لابد أنها من قريباتي‮ ‬في‮ ‬القرية أو جاءت من وراء الخطوط فما جاء بها في‮ ‬هذه الليلة الليلاء ؟
    قلت همسًا‮ : ‬تفضلي‮ ‬
    قالت‮ : ‬أختي‮ ‬يعاد تحت فهل تصعد ؟
    فبدأت أشك فيما أري‮ ‬وفيما أسمع‮ .‬
    لقد كنت حين تلح الحاجة عليَّ‮ ‬ويستفزعني‮ ‬الفراغ‮ ‬،‮ ‬أقعد مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬أو أمشي‮ ‬مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬فلا أري‮ ‬سوي‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فأقبض بيدي‮ ‬علي‮ ‬يدها‮ ‬،‮ ‬ثم أضمها إلي‮ ‬صدري‮ ‬،‮ ‬فنروح في‮ ‬غيبوبة‮ ‬،‮ ‬لم أقم منها مرة وأنا في‮ ‬مكتبي‮ ‬في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين
    إلا علي‮ ‬أبي‮ ‬مصطفي‮ ‬الأعرج وهو‮ ‬ينقض عليّ‮ ‬بعصاةٍ‮ ‬لأنني‮ ‬تركته‮ ‬ينتظر خارج المكتب نصف نهار‮ ‬،‮ ‬بعد أن قلت له‮ ‬ينتظرني‮ ‬ربع ساعة‮ ‬،‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غيبوبة أخري‮ ‬
    ـ هل حقا أنت أخت‮ ‬يعاد‮ .. ‬قالت نعم فهل تصعد‮ ..‬
    ـ‮ ‬يعاد‮ .. ‬يعاد‮ .. ‬قلتها وقفزت فرحًا ونزلت جريًا لكنها نبهتني‮ ‬أن لا‮ ‬يصح أن أنزل لها بثيابي‮ ‬الداخلية،‮ ‬قالت عد والبس ثيابك وأنا أناديها ففعلت ما نصحتني‮ ‬أن أفعله‮ ‬،‮ ‬ورحت أتراكض بين الغرف وأنا البس ثيابي‮ ‬تارة‮ ‬،‮ ‬وألقي‮ ‬في‮ ‬المرحاض بما احتوته منافض السجائر من بقايا أعقابها الملوثة بأحمر شفاة أخري‮ ‬،‮ ‬فانسكب الماء علي‮ ‬الآرض فانسحبت عليه‮ ‬،‮ ‬فوقعت علي‮ ‬يدي‮ ‬وركبتي‮ ‬،‮ ‬فلما سحبت حبل ماءٍ‮ ‬الشطف فلم‮ ‬ينهمر‮ ‬،‮ ‬ملأت دلوًاوألقيته فيه‮ ‬،‮ ‬وإذ أنا علي‮ ‬هذا الحال إذ بي‮ ‬أجد‮ ‬يعاد أمام قدمي‮ ‬بعد طول الغيبة‮ .. ‬فقالت ـ جازاك‮ ‬
    فانتصبت واقفًا والماءان‮ ‬يتصببان من وجهي‮ ‬،‮ ‬ماء الوجه وماء المرحاض فتهالكت علي‮ ‬أقرب مقعد ورحت أبكي‮ ‬،‮ ‬فتراكضت‮ ‬يعاد وأختها نحوي‮ ‬،‮ ‬وجففتا الماء ودموعي‮ ‬،‮ ‬وطمأناني‮ ‬علي‮ ‬أن كل شييء‮ ‬يتصلح فأي‮ ‬شييء هذا الذي‮ ‬يجب أن أصلحه؟
    فقالت‮ ‬يعاد معاتبة‮ : ‬أنت تعرف‮ ‬يا سعيد‮ ‬،‮ ‬سامحك الله مافعلت بأبي‮ ‬وبالآخرين‮ ‬
    ولكنني‮ ‬سامحني‮ ‬الله لم أفهم شيئا‮ .‬
    فقالت أخت‮ ‬يعاد أن‮ ‬يعاد جاءت اليوم من الناصرة‮ ‬،‮ ‬مشيًا علي‮ ‬الأقدام عبر شفا عمرو
    فابطن فوق الجبال وحيدة‮ ‬،‮ ‬لتخبر أختها في‮ ‬حيفا بأن والدهما قد ألقوا القبض عليه في‮ ‬الناصرة وبأنني‮ ‬أنا سعيدُُُُُُُُ‮ ‬ُ‮ ‬السبب في‮ ‬القبض عليه‮ ‬
    فصحت‮ .. ‬أنا ؟‮!‬
    فقالت‮ ‬يعاد‮ : ‬كلهم‮ ‬يقولون أنت‮ .. ‬أنت رأس الخيش‮ ‬يا سعيد‮ ‬
    ـــ أنا‮ !!‬
    صاحت‮ : ‬وأبوك من قبلك ؟
    ومن خلال العتاب المشبع بالخيبة وبايماني‮ ‬المغلظة أنني‮ ‬لايمكن أن أخرب بيت أحد من الناس‮ ‬،‮ ‬فكيف ببيت‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فهمت أن أبا‮ ‬يعاد كان قد هاجر مع عائلتة من حيفا إلي‮ ‬الناصرة‮ ‬،‮ ‬وذلك بعد لغم الرفنيري‮ ‬الأول‮ ‬،‮ ‬فلما سقطت عاصمة الجليل دعا الجيش الأهالي‮ ‬إلي‮ ‬تسليم أسلحتهم‮ . ‬فلما أبلغهم رئيس البلدية أن لاسلاح في‮ ‬الناصرة سوي‮ ‬طاولات شيش البيش التي‮ ‬انكبوا عليها في‮ ‬الساعات التي‮ ‬رفع فيها منع التجول‮ ‬،‮ ‬بدأت عمليات التطويق‮ ‬،فطوقوا الحارة الشرقية التي‮ ‬التجأت إليها العائلة‮ ‬،‮ ‬وحشروا الرجال في‮ ‬الأرض الخلاء عند الجابيه وراء كنيسة الأقباط‮ ‬،‮ ‬طول النهار في‮ ‬الحر الأوار وبدون ماء مع أن الجابية كانت تفيض تحت أقدامهم ماء مقدسة من عين العذراء المقدسة وقالت‮ ‬يعاد إنها هي‮ ‬التي‮ ‬ذكرت الشيوعيين ببيت الشعر الذي‮ ‬جعلوه عنوان نشرتهم والتي‮ ‬وزعوها في‮ ‬أثناء التطويق‮: ‬
    كالعيس في‮ ‬البيداء‮ ‬يقتلها الظمأ‮ ‬
    ‮                               ‬والماء فوق ظهورها محمول‮ ‬
    قاستدعاهم الحاكم العسكري‮ ‬،‮ ‬فلما أنكر أن‮ ‬يكون الجيش قد منع جمال الحارة ودوابها عن ماء الجابية‮ ‬يوم التطويق‮ ‬،‮ ‬حاولوا أن‮ ‬يفهموه أن الأمر تورية‮ ‬،‮ ‬فثارت ثائرتة دفاعًا عن كرامة بني‮ ‬الإنسان الذين لايصح تشبيههم بالدواب ـ حتي‮ ‬لو كانوا أعداءنا العرب ـ ثم قال‮ ( ‬لقد أصبحتم مواطنين مثلكم مثلنا‮ ) ‬وطردهم من حضرته‮ .‬
    وكان الجيش أثناء التطويق قد نحي‮ ‬جانبا كل من أرشد إليه رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ثم نقلهم إلي‮ ‬سجن الجملة علي‮ ‬اعتبار أنهم‮  ‬أسري‮ ‬حرب‮ . ‬وكان والد‮ ‬يعاد من بينهم فما رأس الخيش هذا ؟؟
    قالت‮ ‬يعاد‮ : ‬رجل أخفوا رأسه بعديلة‮ ‬،‮ ‬ثقبوا فيها ثلاثة ثقوب،‮ ‬لعينية وفمه‮. ‬وأقعدوه وراء طاولة تحوطها عسكر‮ ‬،‮ ‬وكان رجالنا‮ ‬يمرون أمامها فيتحققونهم‮ ‬،‮ ‬فإذا أهتز رأس الخيش للأمام مرتين نحو الرجل عن‮  ‬بقية الرجال أخذوه‮ ‬،‮ ‬فاخذوا في‮ ‬التطويق الواحد‮ ‬،‮ ‬مالايقل عن خمسمائة رجل وولد أسري‮ ‬حرب‮ ‬،‮ ‬فلماذا فعلتها‮ ‬يا سعيد ؟
    ولقد أقنعت‮ ‬يعاد وأختها بأنني‮ ‬لم أكن رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬منذ تلك الليلة أصبحت خرقة الخيش‮ !!‬
    كانت‮ ‬يعاد قد جاءت من الناصرة إلي‮ ‬حيفا دون إذن من السلطة ـ فهي‮ ‬متسللة ـ وكانوا‮  ‬يدخلون البيوت من أبوابها في‮ ‬لحظة بحثا عن هؤلاء المتسللين فإذا وجدوهم نقلوهم في‮ ‬ظلام الليل إلي‮ ‬مشارف جنين‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السهل الواقع بينهما وبين قرية المقيبله الذي‮ ‬كان الجيش البريطاني‮ ‬معسكرا فيه‮ ‬،‮ ‬فلما انجلي‮ ‬خلف لنا فيه ألغاما كثيرة‮ ‬،‮ ‬أضاف إليها عساكر العرب وعساكر اليهود ألغامًا وذلك لأن خط المواجهة الأول كان‮ ‬يقوم هناك‮ ‬،‮ ‬فلما وضعت الحرب أوزارها علي‮ ‬صدورنا‮ ‬،‮ ‬إنفجر أحدهم تحت أقدام أولاد صندله وهم عائدون إلي‮ ‬أمهاتهم من المدرسة‮ ‬،‮ ‬فقتل علي‮ ‬الطريق سبعة عشرمنهم‮ ‬،‮ ‬كما جاء في‮ ‬البيان الرسمي‮ ‬،‮ ‬غير الجرحي‮ ‬الذين ماتوا فيما بعد‮ . ‬وفي‮ ‬حينه جمعنا‮ ‬يعقوب وألقي‮ ‬علي‮ ‬مسامعنا محاضرة عن الشيوعيين أعداء السامية‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يحرضون الناس علي‮ ‬الإضراب والتظاهر مدعيين أن اللغم هو لغم إسرائيلي‮ . ‬
    قال‮: ‬بما أن جمعيتنا‮ ‬،‮ ‬اتحاد عمال فلسطين هي‮ ‬منظمة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬دولة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬فأنتم أحرار في‮ ‬أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنجليز أو العرب‮ .‬
    فلما تنطح زميلنا الشلفاوي‮ ( ‬كان مشلول اليد اليمني‮ ) ‬وقال إنه قرأ في‮ ‬بيان الشيوعيين أنهم‮ ‬يتهمون الحكومة بالإهمال في‮ ‬تنظيف الطريق من ألغام الحرب‮ ‬،‮ ‬أجابه‮ ‬يعقوب‮ : ‬نعلم أن زوج أختك واحد منهم‮ ! ‬فانشل لسان الشلفاوي‮ ! ‬ولذلك إتفقنا علي‮ ‬أن بيت أخت‮ ‬يعاد هو بيت لامأمن فيه علي‮ ‬أختها المتسللة‮ . ‬وأتفقنا وأنا خافض البصر‮ ‬،‮ ‬أن تبيت‮ ‬يعاد الليلة في‮ ‬بيتي‮ ‬حيث أفردت لها‮ ‬غرفة خاصة‮ ‬،‮ ‬وأنا خائف أن تسمعا خفقان قلبي‮ . ‬وحلفتني‮ ‬أخت‮ ‬يعاد بعرض أختي‮ ‬أن أصون عرضها وقالت لي‮ : ‬
    ـ وهي‮ ‬لك إذا شئت فيما بعد شرعًا‮ .‬
    وودعتنا وانصرفت‮ ‬،‮ ‬وأنا مبهور الأنفاس‮ ‬،‮ ‬وقد تشابك في‮ ‬ذهني‮ ‬عرض أختي‮ ‬الضائع ويعاد التي‮ ‬لقيتها فجأة والتي‮ ‬دخلت إلي‮ ‬غرفتها وأغلقت عليها الباب وأخذت تبكي‮ ‬وتتشنج بصوت مسموع‮ ‬،‮ ‬وأنا مستلقي‮ ‬علي‮ ‬فراشي‮ ‬أمام بابها لاأنام ولا أقوم‮ ‬،‮ ‬لاهي‮ ‬تكف عن البكاء ولا أنا أكف عن الاستلقاء‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬سمعتها تنادي‮ : ‬
    ـ سعيد‮ ‬
    فتظاهرت بأنني‮ ‬نائم‮ ‬
    ـ سعيد‮ ‬
    فحبست نفسي‮ ‬
    فإذا هي‮ ‬تفتح الباب بيننا‮ ‬،‮ ‬فأغمضت عيني‮ ‬،‮ ‬فشعرت بأنها تسوي‮ ‬اللحاف فوقي‮ . ‬ثم سمعت وقع خطواتها وهي‮ ‬تسير الهوينا نحو دورة المياه‮ ‬،‮ ‬ثم تغتسل‮ ‬،‮ ‬ثم تعود من حيث جاءت وتترك الباب مفتوحًا بيننًا فتحًا خفيفًا‮ . ‬
    فكيف أقوم الآن ؟
    ستعلم حينئذ أنني‮ ‬مستيقظ‮ . ‬فكيف لم أرد علي‮ ‬ندائها ؟ إنها حبي‮ ‬الأول وبعد هذه الليلة أصبحت حبي‮ ‬الأبدي‮ . ‬فكيف تركتها تبيت في‮ ‬بيتي‮ ‬،‮ ‬وحيدة ولم أقل لها كلمة واحدة ؟‮ ‬
    قبلة واحدة ؟ هل أنا جبان ؟ وإذا كنت جبانا ؟ فكيف لم أجبن أمام صاحبة سركيس ؟‮ ‬
    فماذا أفعل الآن ؟ وإلي‮ ‬متي‮ ‬أظل مستلقيا ؟
    ولكنني‮ ‬لم أستلق طويلاً‮ ‬فقد كان المستلقي‮ ‬الأبدي‮ : ‬الفجر‮ ‬يداهمني‮ ‬من النافذة الشرقية‮ ‬،‮ ‬وكنت راقدًا أحبس أنفاسي‮ ‬،‮ ‬مثلما‮ ‬يحبسها ولد طلع الفجر عليه وقد بلل فراشه فينتظر عجيبة تنقذه من مصيبة،‮ ‬فإذا طرق علي‮ ‬الباب شديد‮ ‬،‮ ‬نفضني‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غرفة‮ ‬يعاد التي‮ ‬كانت واقفة وقد ارتدت جميع ثيابها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬ترتجف جزعًا‮ .‬
    قالت‮ : ‬هل جاءوا‮ ‬
    قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
    قالت‮ : ‬فمن الطارق‮ ‬
    قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
    قالت‮ : ‬إغلق الباب عليّ‮ ‬ولاتخبرهم بوجودي‮ ‬هنا بعرضك‮ !‬
    واشتد طرق الباب وسمعنا لغطًا‮ .‬
    فهمست‮ : ‬يا حياتي‮ ‬
    فهمست‮ : ‬ليس الآن‮ .. ‬ليس الآن‮ ‬
    قلت لها‮ : ‬أنت لي‮ ‬
    قالت‮    : ‬فيما بعد‮ .. ‬فيما بعد‮ ‬
    قلت‮     : ‬بل الآن‮ .. ‬الآن‮ .‬
    فابتعدت عني‮ ‬،‮ ‬فتشبست بها‮ ‬،‮ ‬ففرت إلي‮ ‬غرفتي‮ ‬،‮ ‬فوقعنا علي‮ ‬السرير فسمعنا الباب الخارجي‮ ‬ينخلع‮ . ‬فانخلع ضلعي‮ ‬الشمال‮ ‬،‮ ‬فأغلقت الباب عليها‮ ‬،‮ ‬ووقفت أمامهم في‮ ‬ثياب النوم‮ ‬
    لقد كانوا عساكر‮ .. ‬قلت لهم ماذا تريدون‮ ‬
    قالوا‮ : ‬تفتيش‮ ‬
    قلت‮ : ‬لماذا خلعتم الباب
    فأزاحني‮ ‬أحدهم من أمامه فانتشروا في‮ ‬البيت‮ ‬ينبشون الدواليب ويقلبون الأدراج‮ ‬
    قالوا‮ : ‬هل أنت وحدك هنا ؟
    قلت‮ : ‬وحدي‮ ‬
    وكنت في‮ ‬هذه الأثناء قد لبست بنطلوني‮ ‬وقميصي‮ ‬مستحكمًا أمام باب الغرفة التي‮ ‬اختبأت فيها‮ ‬يعاد،‮ ‬واستللت بطاقة تدل علي‮ ‬نسبي‮ ‬إلي‮ ‬اتحاد عمال فلسطين فكفوا عن النبش والكش‮ .‬
    إلا أن الذي‮ ‬بدا رئيسا عليهم شك في‮ ‬الغرفة التي‮ ‬وقفت أمام بابها المغلق فأزاحني‮ ‬عنه ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فتسمرت مكاني‮ ‬،‮ ‬فصاح افتح‮ ‬،‮ ‬فقلت لاشييء هناك‮ ‬،‮ ‬فثار‮ ‬غضبه وتقدم من الباب ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فمددت ذراعي‮ ‬علي‮ ‬طولهما وقد قررت أن أستشهد‮ . ‬فنظر وراءه إلي‮ ‬جماعته وضحك فلم‮ ‬يضحكوا‮ .‬
    فأمرهم أن‮ ‬ينقضوا عليّ‮ ‬فترددوا‮ ‬،‮ ‬فزعق‮ . ‬فانقضوا دفعة واحدة‮ .‬
    وجرجروني‮ ‬حتي‮ ‬أخرجوني‮ ‬خارجًا‮ .‬
    ثم دحلوني‮ ‬علي‮ ‬الدرجات من الطابق الثالث فظلت الأيدي‮ ‬تتقاذفني‮ ‬وأنا مدحول حتي‮ ‬وجدتني‮ ‬في‮ ‬فناء الدرج تحت أقدام‮ ‬يعقوب ويدي‮ ‬متشبسة ببطاقة اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬وأنا أمدها متعمدًا نحو عينيه فلا تبلغهما‮ ‬
    فصاح‮ : ‬إنني‮ ‬أعرف من أنت‮ ‬ياحمار‮ ‬،‮ ‬قم وأبلغني‮ ‬بما حدث‮ ‬
    ولكنني‮ ‬لم أفعل‮ .‬
    فقد سمعنا من فوق صراخا أنثويًا‮ ‬،‮ ‬وصوت لطمات وركلاً‮ ‬وجلبة،‮ ‬وتطلعنا إلي‮ ‬فوق فإذا بمعركة حاميه تدور بين‮ ‬يعاد وبضعة عساكر آخرين وهم‮ ‬يحاولون ألايروا مايحدث‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها وعضت كتف أحدهم فصاح من الألم وولي‮ ‬بعيدًا‮ ‬،‮ ‬وظلوا‮ ‬يدفعونها وهي‮ ‬تقاومهم وتركلهم حتي‮ ‬ألقوا بها في‮ ‬فناء الدرج‮ ‬،‮ ‬فهبطت علي‮ ‬قدميها منتصبة القامة ورأسها في‮ ‬السماء‮ . ‬وقال أحدهم وهو‮ ‬يلهث‮ : ‬متسللة فصرخت‮ : ‬هذه بلدي‮ ‬،‮ ‬داري‮ ‬،‮ ‬وهذا زوجي‮ !‬
    فتكاثروا عليها ودفعوها أمامهم إلي‮ ‬سيارة كانت قد امتلات بالخلق من أمثالها وذهبوا‮: ‬
    وسمعتها والسيارة تذهب تنادي‮ ‬بأعلي‮ ‬صوتها‮ : ‬سعيد‮ ‬يا سعيد ولايهمك فأنني‮ ‬عائدة‮ .‬
    لكنها لم تعد‮ ‬،‮ ‬لكن واحدًا من المتسللين العائدين وضع في‮ ‬يدي‮ ‬خلسة ورقة‮ ‬،‮ ‬فاذا هي‮ ‬رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز‮ .‬
    وهي‮ ‬الورقة السرية الوحيدة التي‮ ‬احتفظت بها لكي‮ ‬أقنع نفسي‮ ‬بأنني‮ ‬قادر علي‮ ‬تحدي‮ ‬الجهاز‮ ‬،‮ ‬ولأنني‮ ‬اعتبرتها عقد زواج‮ .‬
    كتبت‮ ‬يعاد‮ :‬
    أرجو ممن‮ ‬يجد هذه الرساله أن‮ ‬يوصلها إلي‮ ‬زوجي‮ ‬سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل ـ وادي‮ ‬النسناس ـ حيفا سعيد‮ ‬يازوجي‮ !‬
    الوداع‮ ‬،‮ ‬الوداع‮ ‬ياحبيبي‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنتظرالموت عبر الحدود ولكنني‮ ‬أموت وأنا مطمئنة أنك ستنقذ والدي‮ ‬من السجن‮ ‬،‮ ‬سلم علي‮ ‬أختي‮ ‬،‮ ‬واعتني‮ ‬بأولادها الوداع‮ .. ‬الوداع‮ ‬يا حبيبي‮ .. ‬زوجتك‮ ‬يعاد‮.. ‬فلما علمت أنها لم تمت‮ ‬،‮ ‬قررت أن لي‮ ‬زوجه في‮ ‬جنين‮ ‬،‮ ‬أو في‮ ‬مخيم لاجئين فأخذت أهتم بجمع الشمل‮ .‬
    وكنت حريصًا علي‮ ‬الاستماع إلي‮ ‬رسائل المغتربين إلي‮ ‬ذويهم من إذاعة عَّمان‮ .‬
    ولكنني‮ ‬لم أقم أبدًا علي‮ ‬توجيه تحية إليها في‮ ‬برنامج‮ ( ‬سلام وتحيه‮ )‬
    الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يستهل بأغنية فريد الأطرش‮ (‬أحبابنا‮ ‬ياعين ماهم معانا‮ ‬،‮ ‬رحنا وراحوا عنا‮ ‬،‮ ‬ماحدش منهم إستني‮ . ‬عيني‮ ‬يا عيني‮ ) ‬فأمسح الدموع عن عيني‮ ‬في‮ ‬غفلة الجهاز‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬لم تبق إذاعة عربية إلا أذاعت مثل هذا البرنامج‮ .‬
    هذه تبدأه‮ ( ‬راجعون‮ ‬،‮ ‬راجعون‮ ) ‬وتلك‮ " ‬وسلامي‮ ‬لكم‮ ‬يا أهل الأرض المحتلة‮ " ‬وأخري‮ " ‬يا مرسال المراسيل عالدرب القريبة‮ ‬،‮ ‬خدلي‮ ‬بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي‮ " ‬حتي‮ ‬اختلط الحابل بالنابل فضاعت‮ ‬يعاد كلها‮ . ‬فلما وقعت حرب الأيام الستة‮ ‬،‮ ‬وصار مرسال المراسيل‮ ‬يهتف‮ " ‬نصر من الله وفتح قريب‮ " ‬لم أعد أبكي‮ ‬علي‮ ‬يعاد بل علي‮ ‬حالي‮ ‬وبدون أي‮ ‬خوف من الجهاز لأن الجميع تجهز‮ .‬
    ذلك أن‮ ‬يعقوب رثي‮ ‬لحالي‮ ‬،‮ ‬فلحقني‮ ‬إلي‮ ‬الساحة التي‮ ‬حشرونا فيها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الزاوية بين شارع الجبل وشارع عباس‮ ‬،‮ ‬فأخرجني‮ ‬قبل أن‮ ‬يبدأ الفرز‮ ‬،‮ ‬وقبل أن ألتقي‮ ‬رأس الخيش‮ . ‬ولما حكيت له ماجري‮ ‬مع‮ ‬يعاد‮  ‬وعدني‮ ‬أن‮ ‬يتدبر الأمر مع أولي‮ ‬الأمر وأن‮ ‬يجدوا‮ ‬يعاد‮ ( ‬حتي‮ ‬لوكانت في‮ ‬قطر‮ ) ‬وأن‮ ‬يعيدوها إليّ‮ ‬ثم ربت علي‮ ‬كتفيّ‮ ‬وقال‮ :‬
    ـ بشرط واحد‮ ‬ياسعيد وهو أن تكون ولدًا طيبًا‮ .‬
    فأومأت ــ
    ـ حاضر‮ ‬
    قال‮ : ‬وأن تخدمنا بأمانة‮ ‬
    قلت‮ : ‬حاضر‮ ‬
    وكل ذلك حرصًا علي‮ ‬مستقبل‮ ‬يعاد المسكينة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬وعد أن‮ ‬يعيدها إليّ‮ ‬
    وقال‮ : ‬بالطبع سيطول الأمر بعض الوقت‮ ‬
    ولكنه طال طوال الوقت‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل انتخابات جرت في‮ ‬هذه البلاد كان‮ ‬يقنعني‮ ‬بأنه حال الانتهاء من فرز الأصوات سيأخذني‮ ‬إلي‮ ‬بوابة مندلباوم لاستقبال‮ ‬يعاد‮.‬
    ـ فهات همتك ـ‮ ‬
    فكنت لا أنام ولا أهدأ‮ ‬،‮ ‬فألاحق الشيوعيين‮ ‬،‮ ‬وأحرض عليهم‮ ‬،‮ ‬وأنظم الاعتداء عليهم‮ ‬،‮ ‬وأشهد ضدهم‮ ‬،‮ ‬واندس في‮ ‬صفوف تظاهراتهم‮ ‬،‮ ‬فأ قلب صناديق القمامة في‮ ‬طريق التظاهر‮ ‬،‮ ‬وأهتف بسقوط الدولة‮ ‬،‮ ‬لتبرير اعتداء الشرطة عليهم‮ ‬،‮ ‬وأوسوس في‮ ‬آذان الشيوخ أنهم مزقوا القرآن الكريم في‮ ‬الأعظمية‮ ‬،‮ ‬وأجلس علي‮ ‬صندوق الاقتراع من السادسة صباحًا حتي‮ ‬منتصف الليل‮ .‬
    ولا أنال أجرًا علي‮ ‬هذه الهمة سوي‮ ‬إحياء الوعد بعودة‮ ‬يعاد أما بقية زملائي‮ ‬في‮ ‬الهمة‮ ‬،‮ ‬فكانوا‮ ‬يترقون في‮ ‬المناصب المخصصة لنا‮ . ‬
    فالشلفاوي‮ ‬صار عضو كنيست‮ ‬،‮ ‬ونظمي‮ ‬الشاويش أصبح شاويشا‮ ‬،‮ ‬وعبد الفتاح داهن زقمه صار مدير مدرسة‮ ‬،‮ ‬وزوجته مديرة مدرسة‮ ‬،‮ ‬وابنته معلمة‮ ‬،‮ ‬مع أن ابنه وقع في‮ ‬يد الشيوعيين فبعثوه‮ ‬يتعلم الطب في‮ ‬موسكو‮ .‬
    مابقي‮ ‬بدون أجر‮ ‬غيري‮ ‬وغير‮ ‬يعقوب الذي‮ ‬أصبحت أنا أجره‮ ‬،‮ ‬فلما دمجوا اتحاد عمال فلسطين في‮ ‬الهستدورت عينوه موظفا في‮ ‬الدائرة العربية وأنا تحت‮ ‬يده‮ .‬
    ولم تنقذني‮ ‬الهمه التي‮ ‬أبديتها في‮ ‬الخدمة من‮ ‬غضب‮ ‬يعقوب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬لم تنقذه من‮ ‬غضب الرجل الكبير ذي‮ ‬القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يضع علي‮ ‬عينيه نظارة سوداء في‮ ‬الغرفة المعتمة المسدلة الستائر فما أن تظهر نتيجة انتخابات حتي‮ ‬يستصبحني‮ ‬هائجا مائجا‮:  ‬
    ـ راحت‮ ‬يعاد عليك‮ ‬،‮ ‬كيف سمحت للشيوعيين بأن‮ ‬ينالوا كل هذه الأصوات‮ ‬،‮ ‬فأرد عليه بدهشة‮ ‬
    ـ أنا‮ .. ‬فيرد عليّ‮ ‬باستنكار‮ ‬
    ـ‮ ‬يا الله خيرها في‮ ‬غيرها‮ ‬
    وعلي‮ ‬الرغم من كل أفعالي‮ ‬ظللت أشعر براحة الضمير‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنشد التقاء‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تزوجت فصار السر الذي‮ ‬بيني‮ ‬وبين‮ ‬يعقوب أن نعيد‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬يؤرقني‮ ‬كما لو أنه الخيانة الزوجية‮ ‬،‮ ‬فأخذ‮ ‬يعقوب‮ ‬يضغط بكل ثقله علي‮ ‬هذا الجرح‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬التقيت‮ ‬يعاد فيما‮ ‬يكون فيه اللقاء في‮ ‬إسرائيل ـ في‮ ‬السجن ـ‮ ‬
    والأصح أنني‮ ‬كنت خارجًا منه،‮ ‬أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في‮ ‬الولاء حتي‮ ‬أصبح في‮ ‬عرفهم تفريطًا‮ ‬،‮ ‬وذلك حين كنت أستمع في‮ ‬ليلة من الليالي‮ ‬الست العفريتية إلي‮ ‬الإذاعة العربية من محطة إسرائيل ـ إحتراسًا ـ‮  ‬
    فأتاني‮ ‬صوت المذيع وهو‮ ‬يدعو العرب المهزومين إلي‮ ‬رفع أعلام بيضاء فوق أسطح منازلهم‮ ‬،‮ ‬فينامون في‮ ‬بيوتهم آمنين‮ .‬
    فاختلط عليّ‮ ‬أمر هذا الأمر‮ : ‬أيهم‮ ‬يأمره المذيع‮ ‬
    ـ مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس ؟
    قلت انهزم أسلم عاقبة‮ !‬
    واقنعت نفسي‮ ‬بأنه إذا ظهر خطئي‮ ‬حملوه علي‮ ‬حسن نيتي‮ ‬وبياض طويتي‮ ‬،‮ ‬فصنعت من بياض فراشي‮ ‬علمًا أبيض علقته علي‮ ‬عصا المكنسة ونصبتها علي‮ ‬سطح بيتي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬شارع الجبل في‮ ‬حيفا ولاء الافراط في‮ ‬الولاء للدولة‮ .‬
    ويادلالة علي‮ ‬من تدلين‮ !‬
    ‮ ‬فما أن أشرف علي‮ ‬الناس هذا الشرشف‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬شرفني‮ ‬معلمي‮ ‬يعقوب بزيارة عاطل ـ أي‮ ‬خلوا من السلام عليكم ـ فلم أرد التحية‮.‬
    وكان‮ ‬يصرخ‮ : ‬انزله‮ ‬يا بغل‮ !‬
    فانزلت رأسي‮ ‬حتي‮ ‬لامست قدميه وأنا أقول‮ :‬
    هل عيونك ملكًا علي‮ ‬الضفة‮ ‬يا صاحب الجلالة؟
    فأخذ‮ ‬يعقوب تبلابيبي‮ ‬ـ وراح‮ ‬يدفعني‮ ‬علي‮ ‬الدرج نحو السطح وهو‮ ‬يشنشن‮ : ‬الشرشف‮ ‬،‮ ‬الشرشف‮ ! ‬حتي‮ ‬بلغنا موضع المكنسه‮ ‬،‮ ‬فانتزعها‮ ‬،‮ ‬فحسبت أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يضربني‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬فتعاركنا راقصين رقصة العصا‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تهاوي‮ ‬علي‮ ‬حافة السطح وهو‮ ‬يبكي‮ ‬ويقول‮ : ‬
    ـ رحت‮ ‬يا صديق العمر ورحت معك‮ ! ‬فقلت‮ ‬
    ـ إنني‮ ‬رفعت الشرشف علي‮ ‬عصا المكنسه ملبيا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية
    قال‮ : ‬حمار‮ .. ‬حمار‮ ‬
    قلت‮ : ‬ماشأني‮ ‬إذا كان حمار ؟
    ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوي‮ ‬الحمير ؟
    فأفهمني‮ ‬أن المعني‮ ‬بالحمار هو أنا‮ ‬،‮ ‬أم مذيعو القسم العربي‮ ‬في‮ ‬محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب‮ ‬،‮ ‬ولذلك أساءوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك‮ ‬يا أحمق‮ ! ‬فدافعت عن بني‮ ‬قومي‮ ‬الذين‮ ‬يعملون في‮ ‬محطة الإذاعة‮ ‬
    قائلاً‮ : ‬ماعلي‮ ‬الرسول إلا البلاغ‮ . ‬يهتفون بما‮ ‬يلقنون وإذا كان رفع العلم الأبيض علي‮ ‬عصا مكنسة‮ ‬يسييء إلي‮ ‬جلال الاستسلام فإنكم لاتجيزون لنا حمل أي‮ ‬سلاح سوي‮ ‬المكانس وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت منذ إندلاع نيران هذه الحرب سلاحًا أبيض فتاكاً‮  ‬لايجوز لنا حمله إلا بإذن فإنني‮ ‬معكم أباً‮ ‬عن جد‮ ‬،‮ ‬وأنت تعلم‮ ‬يا صديق العمر بإخلاصي‮ ‬المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها‮ ‬،‮ ‬ماهو معلن منها وماسوف‮ ‬يعلن‮ ! ‬وكان صديقي‮ ‬يعقوب‮ ‬يستمع إلي‮ ‬هذياني‮ ‬وهو مشدوه الفم لايقوي‮ ‬علي‮ ‬كفكفة الدمع المنسكب علي‮ ‬وجنتيه‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يقوي‮ ‬علي‮ ‬كفي‮ ‬عن الهذيان حتي‮ ‬تمالك جأشه فأوضح لي‮ ‬ماوقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير ذو القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬أنه ليس التباسا بل نفير بشق عصا الطاعه علي‮ ‬الدولة‮.‬
    قلت‮ : ‬كلها عصا مكنسة‮ ‬
    قال‮  : ‬نداء المذيع موجة نحو عرب الضفة أن‮ ‬يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬فما شأنك أنت في‮ ‬ذلك في‮ ‬حيفا التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬قلب الدولة‮ ‬،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعتبرها مدينة محتلة؟
    قلت‮ : ‬زيادة الخير خيرين‮ ‬
    قال‮  : ‬بل إشارة إلي‮ ‬أنك تعتبرها مدينة محتلة‮ ‬،‮ ‬فتدعو إلي‮ ‬فصلها عن الدولة‮ .‬
    قلت‮ : ‬إن هذا التأويل لم‮ ‬يدر في‮ ‬خاطري‮ ‬أبدًا‮ .‬
    قال‮  : ‬إننا لا نأخذكم علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خواطركم‮ ‬،‮ ‬بل علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خاطر الرجل الكبير‮ .‬
    ‮        ‬وهو‮ ‬يري‮ ‬أن العلم الأبيض‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬رفعته علي‮ ‬سطح بيتك في‮ ‬حيفا‮ ‬،‮ ‬هو دليل علي‮ ‬أنك تقوم بحركة إنفصالية عن الدولة ولا تعترف بها‮ .‬
    قلت‮ : ‬إنك تعلم علم اليقين أنني‮ ‬مفرط في‮ ‬خدمة الأمن ولا أفرط فيه‮ ‬
    قال‮  : ‬أصبح الرجل الكبير‮ ‬يعتقد بأن إفراطك هو تمويه علي‮ ‬تفريطك‮ ‬،‮ ‬ويستعيد‮ ‬
    ‮        ‬الرجل الكبير أصلك وفصلك فيجد الأدلة علي‮ ‬أنك تتغابي‮ ‬ولكنك لست بغبي‮ .‬
    قلت‮ : ‬ألم‮ ‬يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوي‮ ‬عربي‮ ‬؟
    ‮        ‬ولماذا لم أجد لي‮ ‬وطناً‮ ‬سوي‮ ‬هذه البلاد ؟؟‮ ‬
    تمت بجمد الله
    وبعونه                 

  • ‮"‬السندريلا‮" ‬
    • مسرحية ‮"‬السندريلا‮" ‬
    • اسم الفرقة المسرحية اتحاد شباب العمال
    • التاريخ الأربعاء‮ ‬23 نوفمبر‮ ‬
    • تأليف تأليف جماعي
    • اخراج علاء عبد المعطي
    • الحضور الدخول مجاني
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٢٧
  • علاقات خطرة
    • مسرحية علاقات خطرة
    • التاريخ الأربعاء‮ ‬7 ‮ ‬مارس‮ ‬
    • الوقت 9:00 ‮ ‬مساء
    • المكان مركز الهناجر للفنون
    • تأليف عن‮ "‬عفوا الحداد لا‮ ‬يليق بإلكترا‮" ‬ليوجين أونيل‮ ‬
    • اخراج مجدي‮ ‬الحكيم
    • الحضور الدخول بمقابل مادي
    • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم ٢٤٢
You are here